أوراق إستراتيجية » في البعد الطائفي للأزمة اللبنانية

صوفيا ــ جورج حداد

تتضح اكثر فأكثر طبيعة الازمة اللبنانية الراهنة بأنها ــ في المفهوم السياسي الكلاسيكي: ازمة ثورية عميقة؛ اي ازمة وجود للنظام السياسي او نظام الدولة القائم. فلا الحاكمون عادوا قادرين على الحكم كما في السابق، الى درجة ان تشكيل الوزارة، او حتى عقد جلساتها، اصبح يشكل "مشكلة دولية". ولا المحكومون عادوا قادرين على العيش كما في السابق، الى درجة ان التلميذ لم يعد قادرا على الذهاب الى المدرسة، والعامل او الموظف لم يعودا قادرين على الذهاب الى العمل، لانهم لا يمتلكون حتى اجرة المواصلات.
وبهذه الصفة الوجودية الراديكالية للازمة، فإن حلها لم يعد من الممكن ان يكون حلا "اصلاحيا"، ترميميا، "تفاهميا" (على غرار "اتفاق الطائف")، بل يتحتم ان يكون حلا "ثوريا"، جذريا، لاسس النظام السياسي اللبناني، او اسس وجود الدولة اللبنانية.
وهذا بالطبع لن يتم عن طريق "وفاق وطني ــ طائفي" عام، لان "الوفاق الطائفي" في لبنان قد مات الى الابد، ودفن بأيدي اربابه انفسهم. كما لم يعد بالامكان ان يأتي الحل عن طريق نسخة مكررة عن "مسرحية ثورة" 17 تشرين الثاني 2019، التي اخرجها وكر عوكر؛ فهذه المسرحية قد فشلت في عرضها الاول. والمسرحية الفاشلة لا تتكرر، لان الجمهور الذي لم يخدع في العرض الاول لن يخدع في اي عرض لاحق، ولان المخرج ذاته والممثلين قد "احترقوا".

***
ولكن ارباب النظام الطائفي اللبناني ورموزه "غير مستعجلين" في ايجاد حلول حتى ترقيعية للازمة اللبنانية. وبدا ذلك في الاخص في عملية تشكيل الحكومة، حيث كان رئيس وزراء مكلف يتنزه في مختلف العواصم راميا خلف ظهره مسألة تشكيل الحكومة، في حين ان البلد ينهار بالمعنى الحرفي للكلمة.
وتتمظهر الازمة في سلسلة مترابطة من الاحداث الامنية والمظاهرات والاضرابات والاعتصامات السياسية والازمات القضائية والاجتماعية والمعيشية، كان منها حادثة "شويا" التي افتعلها بعض عملاء "اسرائيل" المتسترين بالطائفية الدرزية، وكمين خلدة الذي نفذه بعض السفاحين المأجورين الدواعش المتجلببين بعباءة عشائر "عرب المسلخ" في خلدة، ومجزرة الطيونة التي نفذها عملاء الموساد القدماء الذين يحتمون ببطاقة حزب "القوات اللبنانية" العميل لـ"اسرائيل" الذي يتاجر بالمسيحيين وبـ"السيادة" اللبنانية.
وفي رأينا المتواضع ان جميع تمظهرات الازمة، التي حدثت الى الان والتي يحضّر لها لاحقا يمكن ادراجها ضمن ثلاث حلقات رئيسية هي:
1ــ الحلقة السياسية ــ الطائفية.
2ــ الحلقة الطبقية ــ الاجتماعية (المالية ــ الاقتصادية ــ المعيشية ــ الصحية ــ التربوية ــ القضائية الخ).
3ــ الحلقة الوطنية (المواجهة مع اسرائيل والامبريالية والاعداء الخارجيين للشعب اللبناني).
وطبعا ان هذه الحلقات هي متداخلة بعضها مع بعض، الا انه ينبغي تناولها ومناقشتها، مجتمعة ومنفصلة، بشكل علمي تحليلي ــ تشريحي، تاريخي.  
***
ونحاول في هذه السطور تناول الحلقة الاولى، اي الحلقة الطائفية للازمة الوجودية للنظام اللبناني:
في 1920 انشأ المستعمرون الفرنسيون نظام الدولة اللبنانية، كنظام سياسي طائفي موال للغرب الاستعماري، ويقوم على اساس المحاصصة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين (بنسبة 6\5). ولكن ضمن هذا العنوان العريض للمحاصصة الطائفية، كان يوجد ثلاثة تفاصيل مهمة للغاية وهي:
الاول ــ تغليب هيمنة ما سمي "المارونية السياسية" على نظام الدولة، لتوفر امكانية استغلال العلاقة الكنسية والروحية مع الغرب "المسيحي" لتضليل الجماهير الشعبية المسيحية عامة والمارونية خاصة.
الثاني ــ إعطاء مركز ممتاز للسنية السياسية في النظام الطائفي اللبناني، لان الغرب الاستعماري، ومنذ ايام الصليبيين، يحتفظ بذكريات "جميلة" عن القائد الاسلامي السني الكردي صلاح الدين الايوبي، الذي تعامل بفروسية وتسامح مع البارونات والامراء الصليبيين لدى فتح القدس، إذ تركهم يخرجون بكل ما كانوا يمتلكونه من اموال، ثم وقع مع ريتشارد قلب الاسد في حزيران 1192 "معاهدة الرملة"، التي تنص على بقاء الساحل من صور إلى يافا بيد الصليبيين. في حين ان هذا "الفارس النبيل المتسامح" مع الصليبيين،  كان له وجه آخر كجزار متوحش اباد جميع الفاطميين ابادة كاملة بمن في ذلك الاطفال الرضع، وفتك بعدد يتراوح ببن 50 و250 الف مصري حسب مختلف المصادر التاريخية. كما ان المستعمرين الغربيين والمتمولين اليهود يمتلكون تجربة طويلة في التعاون مع السلاطين والباشوات والولاة السنة في عهد السلطنة العثمانية عامة وفي "ولاية بيروت" العثمانية خاصة.
والثالث ــ الاستمرار في تهميش الطائفة الشيعية (بما في ذلك الشرائح المتنفذة فيها)، وهو النهج السلطوي الذي كان سائدا في المنطقة، منذ ايام الايوبيين حتى اخر يوم من الايام السوداء للعهد التركي.
***
وبعد تأسيس "دولة لبنان الكبير" او ما سمي لاحقا "الجمهورية اللبنانية"، مرت احداث وتغييرات كبرى، لبنانيا واقليميا ودوليا، منها: الثورة السورية الكبرى التي امتدت الى بعض المناطق "اللبنانية"،  الحرب العالمية الثانية، "مسرحية استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني 1943" وجلاء الجيوش الفرنسية في 1946، تحول لبنان من تحت مظلة النفوذ الفرنسي الى الانكليزي الى الاميركي، قيام اسرائيل على الحدود اللبنانية، بداية عصر النفط العربي وتحول مشيخات النفط الى مركز استقطاب عربي ــ اسلامي، الهبة الشعبية اللبنانية ضد عهد كميل شمعون سنة 1958، وانطلاق العمل الفدائي الفلسطيني في الدول المحيطة باسرائيل ومنها لبنان سنة 1965. ورغم كل ذلك فإن النظام الطائفي اللبناني، بهيمنة المارونية السياسية والوضع المميز للطائفية السنية، ظل صامدا بدون اي تغيير.
ولكن في الستينات من القرن الماضي حدث تغييران هامان على الساحة اللبنانية:
الاول ــ نمو حركة النضالات الشعبية المطلبية والدمقراطية والوطنية (المؤيدة للمقاومة الفلسطينية). وكانت القاعدة الجماهيرية الاوسع لتلك الحركة تتمثل في الاغلب في المناطق الشعبية الشيعية (خصوصا ما سمي "حزام البؤس" في محيط بيروت، بالاضافة الى الجنوب والبقاع). وقد تبوتقت تلك الحركة في اطارين منظمين هما: الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط؛ وحركة المحرومين (امل) بقيادة الامام السيد موسى الصدر، التي انبثق منها لاحقا "حزب الله".
ثانيا ــ والتغيير الهام الثاني تمثل في: تدفق الودائع النفطية العربية في البنوك اللبنانية، بعد اقرار قانون "السرية المصرفية" في 1956 بمبادرة من المرحوم ريمون ادة احد ابرز رموز المارونية السياسية. وهو ما صب في مصلحة البرجوازية السنية بالدرجة الاولى وعزز موقع السنية السياسية.
وهذا كله ادى الى زعزعة اسس النظام الطائفي، واسهم في انفجار الحرب اللبنانية في نيسان 1975.
وقد دافعت المارونية السياسية باستماتة عن مواقعها، واتخذت موقع خط الدفاع الاول عن النظام الطائفي القائم. وللوقوف بوجه اي تغيير وطني دمقراطي حقيقي في النظام اللبناني، وبالتواطؤ الضمني والمكشوف بين المارونية السياسية والسنية السياسية، تم استدعاء تدخل "نظام الانظمة العربية" لضرب التوجه الدمقراطي الوطني المعادي للغرب الاستعماري ولاسرائيل وللسلطة الطائفية اللبنانية العميلة. ودخلت "القوات العربية" الى لبنان، وقامت بالدور الحاسم في اسقاط مخيم تل الزعتر الفلسطيني والاحياء الشعبية الاسلامية (ذات الاكثرية الشيعية) في النبعة وبرج حمود والمسلخ والكرنتينا، الواقعة في المنطقة "الشرقية"، وتسليمها لـ"القوات اللبنانية"، التب قامت بمهمة ذبح وتشريد اهل تلك المناطق المنكوبة. وتوج "نظام الانظمة العربية" مساعدته "الاخوية" لـ"لبنان الشقيق" بإزاحة الزعيم كمال جنبلاط والامام السيد موسى الصدر.
وهكذا نجحت المارونية السياسية والسنية السياسية في الاحتفاظ بالنظام الطائفي القائم. ولكن كل ذلك عزز التوجه الوطني لدى الجماهير الشعبية الاسلامية، وبالاخص الجماهير الشعبية الشيعية.
وايغالا في الدفاع عن مواقعها الطائفية في النظام القائم، تواطأت المارونية السياسية مع الاحتلال الاسرائيلي للبنان في 1982، الذي قام بايصال بشير الجميل ثم امين الجميل  الى سدة الرئاسة، بالدبابة الاسرائيلية. وفي عهد امين الجميل صدرت اتفاقية 17 ايار 1983، الهادفة الى تحويل لبنان لمحمية اسرائيلية، وصادق مجلس الوزراء برئاسة شفيق الوزان على الاتفاقية كما صادق عليها مجلس النواب باستثناء النائبين الوطنيين نجاح واكيم وزاهر الخطيب.
وووجهت اتفاقية 17 ايار بمقاومة شعبية عارمة، مما اجبر مجلس النواب على الغائها في اذار 1984. واعتبر ذلك فشلا ذريعا للسياسة الاميركية ــ السعودية، وللاحتلال الاسرائيلي، في لبنان. وفي معركة اسقاط اتفاقية 17 ايار، وبالمعايير الطائفية الضيقة، برزت في لبنان ثلاث "ظاهرات  طائفية" هي: الانحياز المفضوح للمارونية السياسية الى جانب اسرائيل؛ الموقف اللاوطني فعلا والمتذبذب شكلا للسنية السياسية؛ والمعارضة الشديدة لاسرائيل من قبل المؤسسة الطائفية للشيعية السياسية ذاتها، وبداية ظهور ملامح مفهوم "الطائفية الوطنية" لدى الطائفة الشيعية، وهو مفهوم يتداخل فيه الالتزام الطائفي ــ الديني بالالتزام الوطني. وهذا ما سيسبب لاحقا ارباكا غير معهود للنظام الطائفي اللبناني. حيث ان الطائفة الشيعية، التي هي، كطائفة، جزء اساسي من النظام الطائفي القائم، سارت في نهج سياسي ــ ستراتيجي عام، معاكس لنهج النظام الطائفي القائم.
وبالرغم من ظهور التيار العوني الوسطي في البيئة المسيحية والمارونية، فإن المارونية السياسية تابعت حرب تدمير لبنان دفاعا عن مواقعها.
وبعد سقوط مئات الوف القتلى والجرحى والمعاقين، والتهجير الدائم والمؤقت لاكثر من نصف تعداد الشعب اللبناني، والتدمير الهائل للبنى التحتية والمدن والقرى اللبنانية، عقد اجتماع الطائف في المملكة السعودية وبرعايتها، واسفر عن اتفاقية الطائف التي اقرت في ايلول 1989 واعلنت فيها نهاية "حرب الاخوة" اللبنانية.
وبهذا الثمن الانساني والاقتصادي الباهظ جرى اول تعديل على النظام الطائفي اللبناني الذي استمر منذ 1920. وبموجب هذا التعديل اصبحت نسبة المحاصصة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين 5\5 بدلا من 6\5، وتم تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني وزيادة صلاحيات رئيس الوزراء السني. ومع الاحتفاظ بمركز رئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، وحصتها الوزارية والوظائفية، الا انه صار ينظر للمؤسسة الطائفية الشيعية، وللطائفة الشيعية ككل، بالعين الحمراء وكشريك "مختلف"، بسبب الالتزام الديني ــ الطائفي الشيعي بالخط الوطني المقاوم، المعادي لاسرائيل والامبريالية الاميركية. وهو ما لا يدخل في المنظومة المفاهيمية للمارونية السياسية والسنية السياسية، المرتبطتين تاريخيا، عقائديا ومصلحيا، مباشرة بالامبريالية الغربية واسرائيل بالنسبة للمارونية السياسية، او مداورة عبر الارتباط بالنظام السعودي، الركيزة الاولى للامبريالية الاميركية واليهودية العالمية في العالمين العربي والاسلامي، بالنسبة للسنية السياسية.  
وبعد مصادقة مجلس النواب اللبناني على اتفاقية الطائف، فإن الحريرية، المالية ــ السياسية، بوصفها الممثل الابرز للسنية السياسية المرتبطة بالسعودية، انقضت كالجوارح على لبنان الجريح. ومنذ بداية التسعينات من القرن الماضي وحتى 17 تشرين الثاني 2019، بدأ سباق محموم بين المارونية السياسية والسنية السياسية لاكل الاخضر واليابس في "المزرعة اللبنانية"، وعم الفساد والرشوات والصفقات المشبوهة والاحتكارات ونهب القطاع العام وسرقة اموال المودعين وإغراق البلاد بالديون وتقويض العملة الوطنية وربطها بالدولار، الى اخر اللائحة السوداء. وكان الهدف من كل ذلك وضع لبنان دولة وشعبا تحت الوصاية الامبريالية الاميركية ــ السعودية، ودفعه لعقد "اتفاقية كامب دايفيد لبنانية" مقابل الانسحاب الاسرائيلي من لبنان و"السلام" مع اسرائيل. وحينما فشل هذا المخطط، اعطيت اشارة الانطلاق لحرب تجويع الشعب اللبناني، انطلاقا من "ثورة 17 تشرين الثاني 2019"، واستقالة وزارة سعد الحريري بالريموت كونترول.
والان يقف النظام الطائفي اللبناني امام مأزق وجودي ثلاثي الابعاد:
ـــ فلم يعد من الممكن الاستمرار بما هو قائم؛
ـــ ولا يمكن العودة الى ما قبل الطائف؛
ـــ ولا قدرة للمارونية السياسية  والسنية السياسية على طرح اي بديل اخر لتجديد النظام، بما في ذلك عجزهما عن اشعال حرب اهلية جديدة.
***
لقد كانت الكلمة الاولى في النظام الطائفي اللبناني، للمارونية السياسية، مدة 70 سنة كاملة (1920 ــ 1990). وبالرغم من الفشل التاريخي للمارونية السياسية، في بناء دولة منسجمة مع "شعبها" الذي بقي منقسما طائفيا، فإنها لم تتزحزح عن مواقعها (لصالح السنية السياسية) الا بعد ان اورثت الشعب اللبناني المظلوم الحرب الاهلية، ودوس "السيادة اللبنانية" عبر التدخل "العربي" و"الدولي"، والاحتلال الاسرائيلي.
ثم جاء عهد تعزيز دور السنية السياسية (بشخصياتها الابرز: الحريري والسنيورة والميقاتي وغيرهم من المليارديرية) الذي دام مدة 30 سنة (من 1990 حتى اليوم) وفشل هو ايضا فشلا ذريعا، وها هو يهدد الشعب اللبناني المظلوم بحرب التجويع.
وبالبعد الطائفي البحت صار النظام الطائفي اللبناني اليوم ينقسم الى معسكرين: الشيعية السياسية في جانب؛ وجبهة المارونية السياسية والسنية السياسية في جانب اخر.
والمشكلة الحالية للجبهة الطائفية المارونية ــ السنية هي مشكلة مزدوجة:
فأولا ــ لا يمكن استبعاد الطائفة الشيعية من التركيبة الطائفية اللبنانية، لا سياسيا ولا عسكريا، لان الطائفة الشيعية ليست طائفة ثانوية صغيرة او حتى متوسطة، بل هي تمثل 30 ــ 40% من عدد سكان لبنان، و50 ــ 60% من عدد سكان بيروت (بضواحيها)، و70 ــ 80% من عدد سكان الجنوب، و60 ــ 70% من عدد سكان البقاع.
وبابسط حساب ستراتيجي، هذا يعني ان الشيعية السياسية (التي يلتف حولها الان 99،99% من ابناء الطائفة الشيعية)، بكتلتها السكانية وانتشارها  الجغرافي، "تمسك" بالعاصمة بيروت، وبالحدود مع اسرائيل، والحدود مع سوريا؛ اي انها واقعيا "تحاصر" لبنان، داخليا وخارجيا، برا وبحرا وجوا، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وتمسك بقرار الحرب والسلم مع اسرائيل، وبقرار فتح وغلق الطريق بين لبنان والداخل العربي كله وايران وتركيا.
وثانيا ــ وفي الوقت ذاته لا يمكن حتى التنازل والقبول باعطاء الكلمة الاولى في النظام الطائفي اللبناني، للشيعية السياسية، كما كانت للمارونية السياسية حتى 1990 ثم مناصفة للمارونية السياسية والسنية السياسية بعد 1990. ذلك ان الشيعية السياسية، ببعدها الديني ــ الطائفي بالذات وليس بالخروج على الطائفية، اصبحت تمتلك وتمارس مفهوما للدولة اللبنانية، معاديا للامبريالية الاميركية والغربية واليهودية العالمية واسرائيل، اي مفهوم  مغاير ومعاد تماما لمفهوم المارونية السياسية والسنية السياسية، القائم على الولاء للامبريالية والتطبيع مع اسرائيل.
وعلينا ان نتوقف بشكل خاص عند هذه النقطة التي تلتف فيها الانشوطة حول عنق ارباب النظام الطائفي اللبناني، ونطرح السؤال المفصلي التالي:
ان المارونية السياسية والسنية السياسية تلقيان بكل ثقلهما الى جانب اميركا واسرائيل والسعودية لاجبار الشيعية السياسية على التخلي عن النهج الوطني المقاوم الذي اتبعته. واذا حدث ذلك لا سمح الله فهو سيكون بمثابة نكبة كبرى للنهج الوطني اللبناني والعربي كله. ولكنه هل سيكون لمصلحة المارونية السياسية والسنية السياسية؟
لنحاول ان نتلمس الجواب، من خلال الوقائع والتجربة التاريخية:
ــ أ ــ إن التعددية الطائفية للنظام اللبناني كانت تحمي الكيان اللبناني من امكانية قيام نظام دكتاتوري فيه، على الطريقة العربية. والمارونية السياسية والسنية السياسية تتباهيان بما يسمى "الدمقراطية التوافقية" اللبنانية.
ــ ب ــ ان الامبريالية الاميركية تعلن جهارا وتكرارا ان اهم ما يهمها في الشرق الاوسط الكبير امران هما: النفط (والطاقة اجمالا) وامن اسرائيل. وما دون ذلك فهي لا تتمسك بأي عميل او "صديق" او "حليف"، لا شاه ايران ولا انور السادات ولا صدام حسين، ولا اي طرف على شاكلتهم.
ــ ج ــ إن المفهوم الخياني (قوة لبنان في ضعفه) الذي اطلقته المارونية السياسية بعد قيام اسرائيل، وتقيدت به السنية السياسية، حتمت ان يكون الجيش اللبناني جيشا ضعيفا، كي لا يشكل اقل خطر على اسرائيل، وكي يكون لا اكثر من قوة بوليسية داخلية.  
ــ د ــ ان جدلية التطورات والاحداث التاريخية على الارض اللبنانية حتمت ظهور المقاومة الاسلامية الشيعية بقيادة حزب الله، التي انتصرت على الجيش الاسرائيلي ذاته، بدون الجيش اللبناني؛ وحتمت التطورات ان تتماهى المقاومة مع الشيعية السياسية، وهذا ما يضطر الدولة اللبنانية بنظامها الطائفي المركب ان تعترف بالمقاومة كمتلازمة لاعترافها  الالزامي، ولو مكرهة، بالطائفة الشيعية والشيعية السياسية.
ــ هـ ــ ان الدولة اللبنانية لم تكن في اي وقت تشكل اي تهديد لامن اسرائيل، ولكنها اليوم لا تستطيع، إن ارادت، ان توقع اتفاق "سلام" مع اسرائيل، لان اي اتفاق لبناني ــ اسرائيلي لا توافق عليه المقاومة (الشيعية) سيكون لا اكثر من حبر على ورق و"ضحك على الذقون" لا يمر طبعا لا على اميركا ولا على اسرائيل. والشيء ذاته يقال عن احتمالات التنازل عن حقوق لبنان في النفط والغاز في المياه الاقليمية. فأي اتفاق لا توافق عليه المقاومة (الشيعية) سيكون حبرا على ورق.    
ــ و ــ ان جميع الابواق الاعلامية المأجورة التابعة للمارونية السياسية والسنية السياسية تأخذ على حزب الله (وبالتالي الشيعية السياسية) انه يستغل "فائض القوة" لفرض رأيه على الساحة اللبنانية. فلو افترضنا جدلا ان حزب الله، ومن ثم الشيعية السياسية، بما لهأ من "قوة  فائضة" تخشاها اسرائيل، وتتفوق على الجيش اللبناني، اتجهت نحو تبني المفهوم الطائفي اللاوطني والخياني لـ"السيادة اللبنانية" (على غرار المارونية السياسية والسنية السياسية)، وذهبت ــ اي الشيعية السياسية ــ الى التفاهم مع الامبريالية الاميركية واليهودية العالمية من اجل "السلام" مع اسرائيل، على طريقة "سلام الشجعان" كما كان يسميه انور السادات وياسر عرفات، والتفاهم على الاستثمار المشترك للنفط والغاز في شرقي المتوسط، هل هناك حينئذ اي ضمانة ان لا تتخلى اميركا عن حلفائها في المارونية السياسية والسنية السياسية الضعيفتين المتهافتتين والسائرتين الى السقوط في مزبلة التاريخ؟ وهل هناك حينذاك اي ضمانة ان لا تدعم اميركا الشيعية السياسية كي تحكم النظام الطائفي اللبناني، بما لها من "فائض قوة"؟ وهل هناك حينذاك من ضمانة ان لا تدوس اميركا على "الدمقراطية التوافقية اللبنانية"، وتدعم قيام دكتاتورية عسكرية في لبنان، يقودها حتى مجرد رقيب شيعي، باسم "الانقاذ الوطني"، وان تقوم الشيعية السياسية، عبر تلك الدكتاتورية، بالانتقام من المارونية السياسية بسبب تهميشها للشيعة مدة 100 سنة، والانتقام من السنية السياسية بسبب تهميشها واضطهادها للشيعة حوالى 1000 سنة؟ وهل هناك من ضمانة ان لا يُجعل رموز المارونية السياسية والسنية السياسية كبش فداء، ويقدمون للمحاكم وتنصب لهم المشانق، بتهم الفساد والصفقات المشبوهة والاحتكار والنهب والسرقة وضرب العملة الوطنية وتهجير اللبنانيين واذلالهم وتجويعهم؟ وان يتم كل ذلك بدعم من اميركا واسرائيل!
***
من زاوية نظر طائفية بحت يمكن القول ان الطائفة الشيعية اللبنانية قدمت اكبر التضحيات في جميع النضالات الشعبية والوطنية في لبنان منذ نشوء "دولة لبنان الكبير" حتى اليوم. والامين العام لحزب الله، الشيعي، سماحة السيد حسن نصرالله، الذي هو شخصية دينية شيعية مرموقة، يعلن بصراحة وباعلى صوت "نحن حزب ولاية الفقيه"، ونتلقى المساعدات من الجمهورية الاسلامية الايرانية. وفي الوقت نفسه فإن حزب الله، الشيعي على رؤوس الاشهاد، هو حزب لبناني يرفع العلم اللبناني الى جانب العلم الحزبي، وهو يرفع العلم اللبناني للتعبير عن الانتماء الوطني الصادق، الممهور بدماء الوف الشهداء، وليس دجلا ورياء كأولئك الذين يحملون راية الصليب المسيحي وهم يسيرون في خدمة اليهود الذين قتلوا السيد المسيح، او اولئك الذين يهتفون دجلا ورياء "الله اكبر" وهم ينبطحون خانعين زاحفين للتطبيع مع اسرائيل التي تغتصب فلسطين وتقتل الاطفال الفلسطينيين وترسل المستوطنين اليهود يوميا لتدنيس الاماكن الاسلامية المقدسة.
وهذا كله يعني ان الضمانة لعدم الانحدار الى "تفاهم" شيعي ــ اميركي، وادخال تعديل جديد على النظام الطائفي اللبناني واقامة دكتاتورية عسكرية شيعية تدعمها اميركا واسرائيل والسعودية، هذه الضمانة لن تكون في جبهة المعارضة الطائفية المارونية ــ السنية لحزب الله، بل هي تكمن في الوطنية الصادقة لحزب الله و"الثنائي الشيعي" اللذين يضعان الطائفية الشيعية في خدمة القضية الوطنية وليس العكس.  
ان العدو الاسرائيلي سبق له ان هزم جميع الجيوش العربية، ولكن الشعب اللبناني، بقيادة المقاومة وحزب الله لم يستسلم للعدو الاسرائيلي، وكان اول شعب عربي ينتصر على جيش اسرائيل، ويحرر ارضه المحتلة بقبضات ابنائه وبالدماء الزكية والتضحيات الجسام لشهدائه الابرار وابنائه وبناته المناضلين الابطال؛ ــ وهذا الشعب الأبي العظيم، الشامخ كالارز، لن يطأطئ الرأس ولن يستسلم لمهندسي المجاعة له من: الملياديرية الاميركان واليهود والاوروبيين، وبعض الحكام العربان المرضى نفسيا والمذعورين، ومعهم زمرة قذرة من السياسيين والاعلاميين الخونة "اللبنانيين" الذين يلحسون الدولار عن اقفية شيوخ النفط.
والازمة الوجودية للنظام اللبناني لن تبقى معلقة في المجهول، والحل سيأتي حتما: اما عن طريق صدام مسلح ثوري بين الجماهير الشعبية المظلومة والثائرة وبين الطابور الخامس اللبناني الموالي لاميركا واسرائيل والسعودية واسياده الخارجيين؛ واما عن طريق "هبة ثورية" جماهيرية سلمية، تقودها المقاومة، وتؤسس لبناء نظام وطني لبناني جديد، معاد للامبريالية واسرائيل واليهودية العالمية والرجعية "العربية" و"الاسلامية".
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية