أوراق إستراتيجية » التفوق العسكري لروسيا وحلفائها على الامبريالية الاميركية واتباعها

جورج حداد
تأسست "جمهورية روما" القديمة في القرن السادس قبل الميلاد، وتوسعت ضمن شبه الجزيرة الايطالية حتى القرن الثالث قبل الميلاد، حين شرعت بالتوسع خارج ايطاليا، فاصطدمت مع الدولة القرطاجية سنة 264ق.م، فكانت الحرب بين روما وقرطاجة اول حرب دولية في التاريخ حيث شملت القارتين الاوروبية والافريقية.  

واستمر الصراع بين الدولتين حتى سنة 146ق.م وانتهى بالتدمير الكامل لمدينة قرطاجة العظيمة وابادة 300 الف من سكانها وتشريد واسر واستعباد الـ400 الف الآخرين. وفي تلك المرحلة كان النخاسون اليهود يرافقون الجيش الروماني، حاملين الاغلال والاموال، لشراء الاسرى من الجيش الروماني بعد كل معركة، ومن ثم بيع اولئك الاسرى البؤساء عبيدا للسادة الرومان، وللملوك والنبلاء في الشرق والغرب. ولعل صفقة شراء الاسرى القرطاجيين كانت اكبر صفقة عبيد حققها النخاسون اليهود.  

وبتدمير قرطاجة فتحت الطريق امام روما للتوسع نحو الشرق، فاكتسحت مصر البطلمية الهيلينستية، ثم سوريا الطبيعية حيث قامت بصلب السيد المسيح في فلسطين، حسب الرواية المسيحية، واستمر توسعها شرقا حتى وصلت الى محيط سواحل البحر الاسود وحدود ما صار يعرف لاحقا باسم روسيا، حيث واجه الرومان الطبيعة الصقيعية الصعبة لتلك الارض والمقاومة الشديدة من قبل سكانها الاحرار الذين لم تكن لهم بعد دولة موحدة، بل كانوا جماعات مشاعية بدائية حرة خاضت حرب عصابات شرسة ضد الجيش الروماني الذي كان يهدف الى اخذ الاسرى منهم واستعبادهم.  ولكن الجيش الروماني فشل في احتلال الارض الروسية، وكان هذا الفشل وتوقف التوسع بداية النهاية للامبراطورية الرومانية.

وفيما بعد ورثت الدول الاوروبية الغربية من الامبراطورية الرومانية البائدة نزعة التوسع الاستعماري في الشرق. وخلال الالفي سنة الماضية ترسخت على المسرح الجيوستراتيجي العالمي ثلاث ثوابت تاريخية هي:

الاولى ــ ظهور اوروبا الغربية كقوة عدوانية استعمارية معادية لجميع بلدان وشعوب الشرق، وهي تصف تلك البلدان بأنها ليست سوى "اراض وراء البحار".

الثانية ــ ظهور الشرق، من افريقيا الى اقاصي روسيا (بما فيه اقاليم مصر وسوريا والعراق وفارس والهند والصين، التي هي مهد الحضارات ــ الام للانسانية) بوصفه هدفا دائما وضحية للاستعمار والعدوان.

والثالثة ــ بروز روسيا بوصفها مقاوم شعبي ثابت وكاسر تاريخي جبار لكل الغزوات والفتوحات والامبراطوريات الاستعمارية.

وفي القرن الخامس عشر، ومن ضمن الخطط البابوية ــ الاوروبية الغربية واليهودية لغزو الشرق العربي "من الخلف"، بالدوران حول الكرة الارضية، تم "اكتشاف" اميركا، التي اعتبرها "الرواد" او "الآباء المؤسسون"  لاميركا (الشمالية)، اليهود والتوراتيون البروتستانت، انها "ارض الميعاد"، التي وعدهم الله بها بوصفهم "شعب الله المختار"، وان سكانها "الهنود الحمر" هم انفسهم "الكنعانيون" الذين امر الله بابادتهم عن بكرة ابيهم وانتزاع "ارض الميعاد" منهم، فقام اولئك "الرواد" بابادة 112 مليون هندي احمر في اميركا الشمالية، واسسوا فوق جماجمهم دولة "الولايات المتحدة الاميركية"، التي كانت افظع ثمرة من ثمرات نزعة التوسع الاستعماري الاوروبية الغربية، وابشع وريث تاريخي للامبراطورية الرومانية القديمة، التي كانت تطمح للسيطرة على العالم اجمع واستعماره واستعباده. (راجع كتاب "حق ابادة الآخر" للبروفسور منير العكش، الاستاذ المحاضر في احدى الجامعات الاميركية، والصادرة ترجمته العربية عن "دار رياض نجيب الريس" في بيروت).  

وكانت روسيا طوال التاريخ الماضي هدفا للحملات التوسعية الاستعمارية الاوروبية، ولكنها برزت كمقاوم ثابت ومحطم لجميع الغزوات. وكما كسرت روسيا في الماضي الموجة العاتية  لتوسع الامبراطورية الرومانية القديمة، تنتصب في زمننا الراهن كصخرة شاهقة تتكسر عندها نزعة التوسع والهيمنة العالمية لـ"روما" الجديدة: الامبريالية الاميركية.

***

في تشرين الثاني 1917 انفجرت الثورة الاشتراكية الكبرى في روسيا، وكسرت السلسلة الامبريالية التي كانت تكبل كل العالم، في اضعف حلقاتها حتذاك: روسيا القيصرية، وطرحت شعار الثورة العالمية: الاشتراكية في البلدان الاستعمارية والرأسمالية المتقدمة، والتحررية الوطنية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، من اجل دفن النظام الامبريالي العالمي مرة والى الابد. فجن جنون الدول الامبريالية، وارسلت قوات دولية من 14 دولة، بقيادة وزير الحربية البريطانية يومذاك ونستون تشرشل (الذي اصبح فيما بعد "صديقا" شخصيا لخائن الشيوعية ستالين، كما يقول متباهيا الستاليني فؤاد النمري)، من اجل دعم القيصرية والثورة المضادة في روسيا، وخنق الثورة الاشتراكية في مهدها. الا ان حرب التدخل الاستعماري في روسيا فشلت فشلا ذريعا، وتم تأسيس الاتحاد السوفياتي. ولكن هذا الانتصار لشعوب العالم المظلومة تم بثمن باهظ دفعه الشعب الروسي بسبب التدمير شبه الكامل للاقتصاد وخصوصا المحاصيل والقطاع الزراعي؛ فضربت المجاعة والاوبئة مناطق روسية واسعة وذهب ضحيتها الملايين في عشرينات القرن الماضي. ولكن الشعب الروسي عض على جروحه وتابع مسيرته، بالرغم من خيانة ستالين وبطانته وشركائه اليهود، الذين اضطلعوا بدور تخريبي داخلي سري رهيب ضد النظام السوفياتي طوال عشرات السنين.

وعشية وخلال الحرب العالمية الثانية، وبدعم سري من قبل الطغمة المالية الاحتكارية اليهودية العالمية المتمركزة في اميركا، انتشر الطاعون الفاشستي في المانيا وايطاليا واسبانيا والبرتغال وغيرها، ثم احتل النازيون الهتلريون اغلبية الاراضي الاوروبية، ووضعوا ايديهم على الصناعة والمقدرات الاقتصادية الاوروبية، مما مكنهم من تعبئة جيش نازي وفاشستي هائل من عدة ملايين جندي من الالمان وغير الالمان، المزودين بأحدث الاسلحة والوف الطائرات وعشرات الوف الدبابات والاليات الحربية. وشن هذا الجيش هجوما صاعقا تحت اسم "عملية بارباروسا"، بهدف اكتساح الاتحاد السوفياتي والتدمير النهائي للقلعة الروسية، وفرض الاستعمار الالماني والغربي على الشعب الروسي ونهب الثروات الطبيعية الهائلة للارض الروسية. وفي الايام الاولى من الحرب نجح النازيون في قتل واسر ملايين الجنود الروس والسوفيات، واكتساح 40% من اراضي الجزء الاوروبي من روسيا، ووصل الغزاة الى بعد 30 كيلومترا فقط عن العاصمة موسكو. ولكن بفضل الوطنية المتأججة للشعب الروسي ومقاومته الباسلة، تمكن الجيش الاحمر اخيرا من ايقاف الهجوم النازي، والانتقال الى الهجوم المعاكس، ودحر الغزاة تماما، ولم يتوقف الا بعد اقتحام برلين ذاتها وتجاوزها 400 كيلومتر الى الغرب.  

وفي مجرى الحرب، وبالرغم من الخسائر الهائلة التي تكبدها الاتحاد السوفياتي، وبالاخص روسيا، فإن "الحلفاء الدمقراطيين" الغربيين، بقيادة الطغمة العليا الامبريالية الاميركية ــ اليهودية، ماطلوا طويلا في فتح "جبهة ثانية" في الغرب، بانتظار ان ينهك الطرفان الالماني والروسي احدهما الاخر، وبعد ان ينتصر احد الطرفين ينقض "الحلفاء الغربيون" على المنتصر. ولكن بعد ان اقتحم الجيش الاحمر الحدود الالمانية، خشي "الحلفاء الدمقراطيون" ان يكمل مسيرته نحو اوروبا الغربية كلها، ففتحوا "الجبهة الثانية" بعملية الانزال الشهيرة في النورماندي في فرنسا في المرحلة الاخيرة من الحرب في حزيران 1944، بهدف رئيسي هو الوقوف بوجه تقدم الجيش الاحمر نحو الغرب.

وبعد مرور اقل من سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية، وسقوط مشروع سحق واحتلال واستعمار روسيا بواسطة تلك الحرب، وخلال زيارة له الى الولايات المتحدة الاميركية، القى ونستون تشرشل خطابه الشهير في جامعة وستمنستر في مدينة فولتون بولاية ميسوري، في 5 اذار/ مارس 1946، الذي اعلن فيه ان "الحلفاء" اخطأوا في عدم متابعة الحرب ضد الاتحاد السوفياتي واحتلاله، مدشنا بهذا الخطاب "الحرب الباردة" ضد ما سماه "الستار الحديدي".

وعلى خلفية "الحرب الباردة" بين المعسكرين الغربي والشرقي، انجرت البيروقراطية السوفياتية نحو سباق التسلح الذي ارهق بشكل خطير الاقتصاد السوفياتي، الذي كان قد دمر بنسبة لا تقل عن 80% خلال الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت ذاته جرى ايقاع الجيش الاحمر في فخ الحرب الافغانية التي خاضتها البيروقراطية السوفياتية بطريقة خاطئة جدا، تحقق المخططات الامبريالية الغربية، وذلك بانتهاج خطة  الحرب البرية ونشر الجنود والضباط السوفيات في مختلف القرى والمدن، مما سهل على عصابات ما يسمى "المجاهدين" دفع الجنود السوفيات الى الاصطدام مع المدنيين الافغانيين على اساس عنصري وديني، بينما كان من المفروض تحييد المدنيين تماما، وشن عمليات نوعية مخابراتية ــ جوية ــ صاروخية، محدودة ومحددة، ساحقة وماحقة، تستهدف مراكز القيادة والسيطرة للعدو، لـ"قطع رأس" الجبهة المعادية. وقد ادت الخطة الخاطئة التي طبقت في الحرب الافغانية الى بداية تفكيك الجيش الاحمر على اساس روسي وغير روسي، ومسيحي وغير مسيحي، حيث كان يتم استبعاد غير المسيحيين الروس من عداد القوات السوفياتية المقاتلة في افغانستان، مما اضعف معنويات الجيش الاحمر العظيم الذي انتصر على النازية في الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك مقدمة لتفكيك الاتحاد السوفياتي ذاته بعد الخروج من افغانستان.

وقد انتهت "الحرب الباردة" بانتصار المعسكر الغربي، ليس لافضليات النظام الرأسمالي ــ الامبريالي والاستعماري الغربي، بل بفعل خيانة البيروقراطية السوفياتية الستالينية والنيوستالينية، والتي تزعمتها في المرحلة الاخيرة عصابات غورباتشوف ويلتسين.

***

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والفوضى والازمة السياسية والاقتصادية التي اعقبت ذلك، وسيطرة جناح يلتسين الموالي للغرب على مقدرات الجمهورية الاتحادية الروسية الجديدة، تعرضت جميع القطاعات الانتاجية والمالية والاجتماعية والاعلامية للدولة الروسية، لحملة نهب وتسلط شرسة وواسعة النطاق من قبل المافيات والاحتكارات الرأسمالية الكبرى. وبنتيجة ذلك، وبين ليلة وضحاها، ظهرت شريحة الاوليغارشيا من المليارديرية الجدد، ولا سيما اليهود، مثل خودوركوفسكي وبيروزوفسكي وليف ليفايف ومايكل تشورني، الذين حمل بعضهم الجنسية الاسرائيلية او البريطانية او غيرها، ووضعوا ايديهم على مقدرات روسيا، بالتعاون مع عائلة يلتسين وبطانته واعوانه من "الليبيراليين" و"الدمقراطيين" الجدد، خونة الشعب الروسي.

وقد استغلت هذه العصابة تفكيك ميزانية وزارة الدفاع السوفياتية السابقة لتجفيف مصادر تمويل الجيش الروسي. وانعكس كل ذلك بشكل سلبي جدا على القوات المسلحة الروسية، وبدأت الاوليغارشيا ببيع منشآت الجيش الروسي، وبتكديس الغواصات والطائرات والدبابات والمدافع والصواريخ في العنابر او في العراء، لتفكيكها وبيعها كخردة.

واخذت الدوائر العسكرية الاميركية والناتوية تتحضّر لاحتلال روسيا "سلميا" تحت ستار "الانضمام الحر لروسيا الى حلف الناتو"، مما كان سيعني، لو حدث، الشطب التام لروسيا ليس كدولة عظمى فقط، بل وكدولة عادية مستقلة، وتحويلها الى مستعمرة حقيقية تنهبها وتتحكم بشعبها شتى المافيات اليهودية والاجنبية والتكفيرية الاسلاموية و"الروسية".

ولو قدّر لروسيا ان تسقط، لكان سقط خط الدفاع الاول والرئيسي عن جميع شعوب العالم، ولم يعد يوجد اي عائق امام قيام الكتلة الغربية بضرب الصين الشعبية واحتلالها وتمزيقها من قبل الامبرياليين الاميركيين واليابانيين... وضرب الجمهورية الاسلامية الايرانية بالاسلحة التدميرية واجتياحها من قبل جيش تكفيري دولي، تموله السعودية وحواشيها، وتسلحه وتدعمه اميركا واسرائيل... وفي الوقت ذاته تقوم اسرائيل بضرب القدس الشرقية وغزة ولبنان وجميع العواصم العربية بالاسلحة الكيماوية والجرثومية، واحتلالها بعد ابادة عشرات ملايين العرب، وهدم المسجد الاقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة، ويعاد تأسيس وبناء ما يسمى "مملكة" وهيكل طيّبيْ الذكر داود وسليمان. ولم يكن سيبقى اي عائق ان يكشف بنو سعود عن وجوههم كيهود متسترين ويقوموا بهدم الكعبة المشرفة وبناء حاخامية يهودية مكانها. ولا اي عائق امام ابادة مئات ملايين الافارقة بالاسلحة الكيماوية والجرثومية، ووضع الاصفاد في اعناق مئات الملايين الاخرين من الافارقة، ببركة الحاخامين ورجال الدين المسيحيين والاسلاميين المزيفين وبمصادقة "الشرعية الدولية".

وباختصار، لو قدّر لروسيا ان تسقط في براثن اليهود واميركا والناتو، لأسدل ستار اسود كثيف على الحضارة الانسانية برمتها، لمئات وربما ألوف السنين القادمة، ولتحول العالم بأسره الى مزرعة دواجن بشرية، وتحولت جميع شعوب العالم الى قطعان من العبيد تسوسها وتتحكم بحياتها وموتها زمرة من الطغاة المتوحشين اليهود والمتهودين الذين يطلقون على انفسهم صفة "شعب الله المختار".

ولكن روسيا القومية ــ الاورثوذوكسية انتفضت في الوقت المناسب، واستطاعت ان تتجنب، وان تجنّب معها الانسانية جمعاء من الوقوع في وهدة هذه الكارثة الحضارية السوداء للبشرية. ذلك ان الاجنحة الوطنية الروسية، غير الملوثة بالستالينية والنيوستالينية، في الكا غي بي والجيش الروسي، توحدت خلف الكتلة الوطنية الروسية بقيادة فلاديمير بوتين، واجبرت الخائن بوريس يلتسين على التنازل عن السلطة في الساعة الاخيرة من اليوم الاخير من سنة 1999. وأطلت روسيا على عهد بوتين الجديد منذ الدقيقة الاولى للقرن الواحد والعشرين.

ومنذ الساعات الاولى لعهد بوتين، نُفض الغبار عن جميع الاسلحة  السوفياتية القديمة، واعيد توجيه القاذفات الستراتيجية  والصواريخ النووية المرعبة باتجاه اميركا وجميع عواصم حلف الناتو، وأفهمت الكتلة الامبريالية الغربية بزعامة اميركا ان روسيا، ومهما كانت فقيرة، لم تركع يوما في السابق، وهي لن تركع في اي يوم، وان اي عدوان على روسيا سيقابل بإشعال الجحيم النووي.

وفي السنوات الاولى لعهد بوتين، تم وضع حد لعربدة الاوليغارشيا المافياوية اليهودية وغير اليهودية، فأرسل "الامبراطور" الاوليغارشي اليهودي خودوركوفسكي الى السجن، وصودرت شركته المسماة "يوكوس" التي كانت تقدر بمئات مليارات الدولارات، وانتقل بيريزوفسكي وأخرون الى رحمة الله، ووضعت السكين على رقاب بقية الافاعي، ففروا الى اسرائيل او بريطانيا او لزموا جحورهم مذعورين ولا يزالون.
ووضعت السلطة القومية ــ الاورثوذوكسية بزعامة بوتين نصب عينيها تحقيق الهدفين الرئيسيين التاليين:

الهدف الاول: وقف التدهور الاقتصادي ــ الاجتماعي والديموغرافي، وتحديث وتطوير الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة، بالاستغلال الاقصى والرشيد للثروات الطاقوية والمنجمية لروسيا، وبالاعتماد الاقصى على التكنولوجيا الرفيعة.

والهدف الثاني: إعطاء الاولوية للمجمّع الصناعي ــ الحربي، وتطوير وتحديث القوات المسلحة الروسية، وتحقيق التفوق العسكري المطلق على الكتلة العدوانية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الاميركية.

وبالرغم من كل السلبيات الكبرى لتفكيك الاتحاد السوفياتي السابق، وبمعزل عن احتمالية خطر الاستعمار الغربي ــ اليهودي لروسيا كما اسلفنا، فقد كان لروسيا الاتحادية "فائدة موضوعية" من استقلالها. ففي العهد السوفياتي كانت كل الجمهوريات السوفياتية السابقة، وكل بلدان المنظومة السوفياتية السابقة، "تأخذ" من الميزانية الاتحادية السوفياتية اكثر بكثير مما كانت "تعطي"، وكانت روسيا السوفياتية هي الوحيدة التي "تعطي" الميزانية الاتحادية السوفياتية اكثر بكثير مما "تأخذ". وكان ذلك ينطبق ايضا على المساعدات التي كان يقدمها الاتحاد السوفياتي الى البلدان "الصديقة"، ومنها بالاخص المساعدات الاقتصادية والعسكرية للبلدان العربية.

وفي تلك الظروف كانت ملايين الآلات والسيارات والجرارات والتراكتورات والاسلحة، ومئات ملايين اطنان مواد البناء والطاقة، الروسية، بالاضافة الى التوظيفات المالية الهائلة، توجه الى الجمهوريات السوفياتية "الشقيقة" والبلدان "الصديقة". وبالرغم من الاتساع الكبير للاراضي الروسية، والحاجة الى المزيد من اليد العاملة والتوظيفات فيها، فإن ملايين العلماء والخبراء والتقنيين والاطباء والعمال المهرة، الشبان والشابات الروس في مقتبل العمر، كانوا يلبون نداءات الحزب الشيوعي السوفياتي، ويغادرون مسقط رأسهم، ويذهبون الى الصحاري والاراضي المقفرة والمناطق شديدة الفقر في مختلف الجمهوريات السوفياتية السابقة، ويفنون اعمارهم ليؤسسوا فيها البنى التحتية، ويشقوا الطرقات ويوصلوا الكهرباء والسكك الحديدية ويشيدوا المعامل والمصانع والمزارع ودور الاطفال والمستشفيات والمعاهد والجامعات، ويبنوا او يجددوا بناء القرى والمدن، ويستوطنوا في تلك الاراضي مع ذريتهم.

وبعد استقلال روسيا الاتحادية فإن ذلك النزف الهائل لروسيا، في الموارد المالية والاقتصادية  والطاقات البشرية، قد توقف اوتوماتيكيا، وصار بالامكان توجيه تلك الموارد والطاقات نحو تطوير العلوم والاقتصاد والجيش والاسلحة في روسيا ذاتها. وهو مورد يكاد يضاهي، وفي بعض الحالات يفوق ما كان ينفق في السابق، في داخل روسيا السوفياتية، من مواردها وطاقاتها الخاصة ذاتها.

ومع تغيير الوجه السياسي ــ الايديولوجي لنظام الحكم الروسي الجديد، عما كان في العهد السوفياتي، وفي عهد يلتسين، ومع توفير امكانيات اكبر للاقتصاد الروسي، الذي تمسك الدولة بمفاتيحه الرئيسية، اتجه عهد بوتين لتحقيق المهمتين التاليتين:
اولا ــ فتح جميع قنوات الاتصال العلنية والمستورة، مع جميع الدول، لاقامة التعاون معها، بمعزل عن الاختلافات السياسية والايديولوجية والدينية، وعلى اساس الفوائد المتبادلة والمصالح الوطنية لروسيا ولجميع الاطراف المعنية.

وقد اسفر هذا الخط الجيوستراتيجي الجديد لروسيا عن تشكيل عدد من المنظمات العالمية للتعاون الاقتصادي والثقافي والسياسي والامني والعسكري، مثل منظمة شانغهاي ومنظمة بريكس. ولكنه اسفر بشكل خاص عن التقارب الوثيق، في مختلف المجالات، بين روسيا والصين الشعبية وايران، ووضع الاسس الموضوعية لتشكيل "حلف شرقي جديد" لهذه الدول الكبرى الثلاث، بوجه الكتلة الامبريالية ــ اليهودية العالمية بزعامة اميركا.

وثانيا ــ تحقيق تفوق عسكري كاسح، لروسيا بمفردها، ولـ"المحور الشرقي الجديد"، على الكتلة العدوانية الامبريالية الغربية بزعامة اميركا.
وقياسا على تجربة الاتحاد السوفياتي السابق، كانت القيادة الروسية على علم مسبق بأنها لا تستطيع مجاراة اميركا خاصة، والكتلة الغربية عامة، في سباق تسلح تقليدي جديد. لان اميركا، بالاخص، تمتلك اسبقية اقتصادية كبيرة بفعل كونها دولة امبريالية تنهب الشعوب والبلدان الاخرى، بما في ذلك حلفائها العرب والاوروبيين وغيرهم، ولانها تستحوز على امتياز السيطرة على النظام المالي العالمي وقدرة طباعة تريليونات الدولارات التي لا تكلفها سوى ثمن الحبر والورق، ولكنها تستطيع ان ترمي هذه القصاصات الورقية الخضراء في الاسواق المالية العالمية وتحصل على ما تشاء من المنتوجات بالسعر الذي تضعه هي للدولار الورقي.

وللخروج من مأزق التفوق الاقتصادي الكبير لاميركا وكون الميزانية العسكرية الاميركية تبلغ اكثر من 10 اضعاف مثيلتها الروسية، عملت روسيا على محورين هما:

ــ1ــ السعي الدؤوب لتحقيق تفوق عسكري نوعي على الكتلة الاميركية والغربية. وقد حققت نجاحات ملحوظة على هذا الصعيد. وهو ما سنتوقف عنده لاحقا.

ــ2ــ توسيع التعاون العلمي ــ التكنولوجي ــ العسكري بين روسيا والصين الشعبية وايران والحلفاء الآخرين.

وقد وجد هذا التعاون انعكاسه الملحوظ في الطفرة العلمية ــ التكنولوجية ــ التسليحية للصين الشعبية وايران وكوريا الشمالية.

وبدأت اميركا ترتعد امام تنامي القوة العسكرية للصين الشعبية، وتسحب قواتها من كافة ارجاء العالم لتوجيهها الى البحار المحيطة بالصين في الشرق الاقصى. وبدأت الصين الشعبية تتقدم بخطى حثيثة لفرض السيطرة العسكرية على البحار المحيطة بها. وبدأ الطيران الستراتيجي النووي، لكل من روسيا والصين الشعبية، يقومان بطلعات مشتركة فوق القوات الاميركية في الشرق الاقصى وفوق اليابان وتايوان. وبدأت كوريا الجنوبية واليابان واميركا نفسها ترتعد من الصواريخ النووية لكوريا الشمالية.

وفي الشرق الاوسط الكبير وغربي آسيا، بدأت الحملة الاعلامية والتهديدات الاميركية والاسرائيلية والسعودية ضد ايران تتناثر كغبار تذروه الرياح. وظهرت ايران الثورة ليس فقط كقوة عسكرية ــ سياسية قادرة على الدفاع عن نفسها، بل وقادرة على تحدي وسحق جميع القوات الاميركية في المنطقة ودعوة تلك القوات، على لسان الامام السيد علي خامنئي ذاته،  للخروج من كل آسيا الغربية. وبعد ان كانت القيادة الاميركية قد خرجت متغطرسة متعجرفة من الاتفاق النووي الايراني، اخذت القيادة الاميركية وحلفاؤها يستجدون ايران للتفاوض والعودةة للتقيد بالتزامات الاتفاق النووي.

وحتى على مستوى تبادل الخبرات العسكرية وتطوير وصناعة الاسلحة التاكتيكية الميدانية الخاصة بالحروب الاقليمية والمعارك الموضعية فإن التعاون العلمي ــ التكنولوجي ــ العسكري بين روسيا والصين الشعبية وايران الثورة ومحور المقاومة العربية، حقق نتائج مرموقة ميدانيا وسياسيا. ففي سوريا تمكنت الصواريخ الروسية الدقيقة ان تسحق سحقا التجمعات الرئيسية للتكفيريين، وتبعثرهم شراذم، وتجبرهم على الانتقال من ستراتيجية الهجوم والتوسع الى ستراتيجية الدفاع اليائس عن النفس. وفيما ان تركيا اردوغان كانت قد اضطلعت  بدور قاعدة رئيسية لانطلاق الهجوم الداعشي ضد العراق وسوريا، وكانت تريد تطبيق مشروع بعث السلطنة العثمانية، فإنها وجدت نفسها مجبرة على إحناء رأسها للعاصفة وتلمس الطريق للنجاة بجلدها عن طريق دبلوماسية تقاطع المصالح مع روسيا وايران.

وفي اليمن، وبفضل بعض الصواريخ والطائرات المسيرة، وبعد ان آوت السعودية حكومة الخيانة الوطنية للمدعو عبد ربو منصور هادي، وبعد ان كانت ترغي وتزبد، وتهدد وتتوعد، وتريد تحويل اليمن الى محمية سعودية والسيطرة التامة على باب المندب، لاجل التحكم بقناة السويس، توصلا الى اجبار مصر ذاتها على الانضواء تحت عباءة آل سعود، انقلبت الآية، واخذت الرياض تندب وتبكي، وتشتكي من الفقراء والاطفال اليمنيين الذين يموتون جوعاً على صدور امهاتهم بأنهم يهددون امن وسيادة وغنى وجبروت السعودية! وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان في 2006 "ارتكب" ابطال المقاومة الاشاوس مجزرة دبابات ميركافا من الجيل الرابع، التي كانت تعتبر مفخرة الجيش الاسرائيلي، وذلك بمساعدة بعض صواريخ الكورنيت التي صنعت خصيصا لهذا النوع من الدبابات المتطورة. كما "ارتكبوا جريمة" ضرب السفينة الحربية الاسرائيلية "ساعر" بالصاروخ الملائم. ومنذ ايام فإن ابطال المقاومة من خبراء الحرب السيبرانية تمكنوا من السيطرة على طائرة مسيرة اسرائيلية وانزالها وهي سالمة.

***

حينما استلم جون كينيدي منصب الرئاسة الاميركية في كانون الثاني/ يناير 1961، جاءه الجنرال قائد الجيش ليسلمه ــ حسب العرف ــ حقيبة ازرار الاسلحة النووية، لكونه اصبح رئيس القوات المسلحة الاميركية، فسأله كينيدي "كم مرة نستطيع نحن ان نقضي على الاتحاد السوفياتي؟" فإجاب الجنرال بزهو "26 مرة، سيدي"، فعاد كينيدي وسأله "وكم مرة يستطيع السوفيات ان يقضوا على اميركا؟" فقال الجنرال باستخفاف "ثلاث مرات فقط، سيدي!" فعلق كينيدي قائلا "مرة واحدة تكفي!".

وفي ايار 2020، في الذكرى الـ 75 لللانتصار السوفياتي العظيم على النازية في الحرب العالمية الثانية، قال فلاديمير بوتين في كلمته الاحتفالية "لقد حققنا النصر على النازية بتضحيات هائلة، ولكن القيادة السوفياتية يومها ارتكبت خطأ جسيما لانها انتظرت لان نتلقى نحن الضربة الاولى، مما كبدنا خسائر كبرى اضافية. ولكن من الان فصاعدا لن نكرر مثل هذا الخطأ. فتجاه اي نية عدوان على روسيا سنوجه نحن الضربة الاولى، وهي ستكون الضربة الاولى والاخيرة، لانها ستكون حتما ضربة نووية شاملة".

ان اي بحث ستراتيجي علمي وموضوعي يقودنا الى تحديد الاسس الرئيسية التي تقوم عليها حاليا الاستراتيجية العليا لروسيا كما يلي:
اولا ــ اعتبار الكوكب الارضي بمجمله، ومداره الفضائي، مسرحا جيوستراتيجيا واحدا؛ والمراقبة والسيطرة العسكرية التامة والدائمة 24\24 ساعة على هذا المسرح.  

ثانيا ــ استيعاب شتى التناقضات الاجتماعية والسياسية والدينية والقومية والعنصرية والبيئوية في المجتمع البشري بأسره، واحتوائها وتوجيهها وتحويلها الى جزء من الصراع الاساسي، الذي يحمله الشعب الروسي تاريخيا على كاهله، والهادف الى انقاذ الانسانية من نظام الهيمنة الامبريالية على العالم، وانقاذ الكوكب الارضي من الكارثة البيئوية التي سيتسبب بها هذا النظام ذاته، فيما لو استمر.

ثالثا ــ تحديد من هو العدو الرئيسي لروسيا، شعبا ودولة، وبالتالي للانسانية جمعاء. وقد شخصت القيادة الحالية للدولة الروسية القومية ــ الاورثوذوكسية، ان العدو الرئيسي للانسانية، في المرحلة التاريخية الراهنة، هو الامبريالية الاميركية بالشراكة العضوية مع الطغمة المالية العليا اليهودية العالمية.  

رابعا ــ العمل على كافة المستويات، وبمختلف الاشكال، لحشد جميع القوى المعادية موضوعيا للامبريالية الاميركية واليهودية العالمية، على اختلاف النظم السياسية والايديولوجيات والاديان والتناقضات الاقليمية، اي بما في ذلك شعوب اوروبا الغربية ذات التقاليد الاستعمارية والعنصرية، والخلطة السكانية لما يسمى "الشعب الاميركي" او "الشعب الاسرائيلي"، ــ حشد الجميع ضد العدو المشترك للانسانية.

خامسا ــ الترجمة الملموسة لستراتيجية تحقيق التفوق العسكري النوعي على اميركا واتباعها، والاستعداد العملي الدائم للقوات المسلحة الروسية لتوجيه الضربة القاضية للمعسكر الاميركي، واقتلاع بؤرة العدوان من جذورها، في اللحظات الاولى لاندلاع الحرب المحتملة.
وبالرغم من ان الاقتصاد الروسي هو اصغر بكثير من كل من الاقتصادين الاميركي والاوروبي، والميزانية الحربية الروسية هي اصغر بـ 12 مرة من الميزانية الحربية الناتوية (بما فيها الاميركية)، فإن روسيا، وبالاستناد الى الروح الوطنية العالية للشعب الروسي، وامتلاك قاعدة علمية واسعة تتمثل في الوف مراكز الابحاث وجيش مليوني  من العلماء والخبراء والاختصاصيين والعمال المهرة، والقادة العسكريين المخضرمين، ومجمّع صناعي ــ حربي ضخم هو ملكية عامة للدولة وخاضع لها، ــ بالاستناد الى كل ذلك، تمكنت روسيا في السنوات القليلة من عهد بوتين بتحقيق انجازين وطنيين ستراتيجيين كبيرين هما:

الاول ــ بناء درع دفاعي فعال، بري ــ بحري ــ راداري ــ اشعاعي (ليزري) ــ طيراني ــ صاروخي ــ فضائي، لمنع اي صاروخ او طائرة او اي جسم معاد من الوصول الى الارض الروسية، وكشفه في الوقت المناسب واسقاطه وضرب مصدره ضربة قاضية، موضعية او شاملة.

والثاني ــ بناء قوة ضاربة هجومية، لا مثيل لها ومتفوقة نوعيا، قادرة على تحقيق النصر دائما ضد جميع الاعداء، بجميع الاسلحة، في جميع الظروف، وجميع الاوقات، وجميع الميادين.

ويشمل تطوير القوات المسلحة الروسية جميع الاسلحة: من المسدس الفردي الصغير، الى اضخم صاروخ نووي.  

***

وتنتهج القيادة الروسية، ومنذ العهد السوفياتي، سياسة التكتم الشديد والسرية في كل ما يتعلق بالابحاث العلمية والمختبرات والصناعة الحربية، الى درجة وجود مدن سرية كاملة تحت الارض وفوق الارض، يعيش فيها العلماء والخبراء والاختصاصيون والعسكريون المعنيون وعائلاتهم؛ وهي تعتبر مناطق عسكرية محظورة و"مكتومة" تماما.

وما تكشف عنه القيادة الروسية من اسلحة وتكنولوجيا عسكرية لا يكون آخر واحدث ما توصلت اليه الاختراعات وصناعة التكنولوجيا العسكرية، بل ما قبل الاخير، مما اصبح في الخدمة الفعلية في الجيش الروسي. والقيادة الروسية تكشف عما تكشف عنه من باب الاطلاع العام، من جهة، ومن باب التنبيه والتحذير والتهديد المبطن او المكشوف، للاعداء، من جهة ثانية.

وتعليقا على ما اصبح معروفا من التكنولوجيا العسكرية الروسية الجديدة، يقول الخبراء ان روسيا اصبحت تتقدم في هذا المضمار على اميركا والكتلة الغربية عشرات السنين. والصحافة الاميركية ذاتها، المتخصصة في الشؤون العسكرية، مثل مجلة  "The National Interest"، تعترف بالتفوق العسكري الروسي. كما يعترف بهذا التفوق جنرالات وزارة الحرب (البنتاغون) الاميركيون انفسهم. وهذا ما يجبر الادارة الاميركية، في الوقت الراهن، وفي اسوأ مرحلة من مراحل تدهور العلاقات الاميركية ــ الروسية، وفي الوقت الذي تشن فيه اميركا كل انواع الحملات العدائية والعقوبات وما اشبه، ضد روسيا، فانها تلتزم بـ"الحكمة" والصمت في الجانب العسكري، ولا تجرؤ على توجيه اي تهديد ضد روسيا، حتى في ازمات عسكرية مفتوحة للمواجهة، كأزمة استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، وطرد السفن الحربية الاميركية والناتوية من المياه الاقليمية للقرم، التي كانت تعتبر مياها اقليمية اوكرانية، فأعلنتها روسيا ــ من طرف واحد ــ كمياه اقليمية روسية، وأجبرت البحرية الحربية الاميركية والغربية والاوكرانية الموالية للغرب على الالتزام بالقرار الروسي.  

ونرى من المفيد للباحثين، وللمختصين العسكريين، وللقراء اجمعين، استعراض بعض ما اعلنت عنه القيادة الروسية من الانجازات التكنولوجية ــ العسكرية التي دخلت في الخدمة في القوات المسلحة الروسية:

ــ1ــ اول ما نذكره على هذا الصعيد هو الصاروخ النووي الهجومي الستراتيجي المسمى "سارمات"، وهو نسخة مطورة عن الصاروخ النووي الستراتيجي "توبول ــ M"، الذي كان حلف الناتو قد اطلق عليه تسمية "ساتان" (الشيطان) وهو يزن 100 طن ويحمل 10 رؤوس نووية دفعة واحدة. اما صاروخ "سارمات" فيزن "فقط!" 208 اطنان، طوله 35.5 مترا ونصف المتر، وقطره 3 امتار، ويمكن ان يحمل اكثر من 10 رؤوس نووية دفعة واحدة، ويمكن توجيه الرؤوس كلها معا لضرب هدف واحد مما يعادل قوة نيزك كبير يضرب الارض، ويمكن توجيه كل رأس نووي لضرب هدف مختلف، وكل رأس يمكنه ان يدمر مدينة كبيرة كنيويورك، اي يمكن تدمير عدة مدن او قواعد حربية ضخمة في اللحظة ذاتها. ويبلغ المدى الذي يصل اليه "سارمات" 18000 كيلومتر، وهو يمكن ان يطير من قاعدته في روسيا الى الجزء الغربي من الكرة الارضية بالالتفاف حول القطب الشمالي، او بالعكس حول القطب الجنوبي للارض. وتبلغ سرعته 25000 كلم/ ساعة. ولا تستطيع اي منظومة مضادة للصواريخ ان تعترضه. ودقة الاصابة لكل رأس نووي تحتمل الانحراف 10 امتار فقط.    
وأعلن المدير التنفيذي لوكالة الفضاء الروسية "روس كوسموس" دميتري روغوزين "أن صواريخ "سارمات" الباليستية عابرة القارات ستضمن أمن روسيا لعدة عقود.
ومثل هذا الصاروخ الباليستي القوي يضمن أمن البلاد وتطورها المستقبلي بالكامل للسنوات الـ30 ــ الـ40 القادمة".
وقال مايك روجرز، رئيس اللجنة الفرعية للإجراءات الاستراتيجية في لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأميركي لصحيفة واشنطن تايمز: "أنا قلق جدا لأن روسيا تتقدم بفارق كبير على الولايات المتحدة في تطوير فرص توجيه الضربة الشاملة الفورية".
والجدير ذكره في هذا الصدد ايضا ان الصين الشعبية قد حققت قفزة هائلة، بعد أن طورت الصاروخ المسمى "دونج فينج 41" (ريح الشرق)، وهو صاروخ عابر للقارات يستطيع حمل عشرة رؤوس نووية. ويستطيع حمل شراك خادعة أو أجهزة يمكنها تضليل الصواريخ الدفاعية المعترضة، ليتم استهدافها بدلاً من الصاروخ نفسه، ويستطيع هذا الصاروخ التحليق بسرعة تصل إلى 25 ضعف سرعة الصوت (510 كيلومترات في الدقيقة) ويصل مداه من (12 - 15) ألف كم، ويستطيع قطع المحيط الهادئ (المسافة بين الصين وأمريكا) في ثلاثين دقيقة.

ــ2ــ الصاروخ الدفاعي ــ الهجومي "افانغارد". وهو صاروخ مركب معقد يبلغ وزنه في المرحلة الاولى 100 طن، وبعد الاطلاق ينطلق منه صاروخ ثان يطير بسرعة 27 ماخ (سرعة الصوت)، ما يوازي 33 الف كلم في الساعة، اي أكثر من تسعة كيلومترات في الثانية، وجسمه مصنوع  من مواد مركبة تحتمل حرارة فائقة تبلغ الاف الدرجات، ومضادة لاشعة الليزر. ويمكن تحميله برؤوس قتالية كلاسيكية او نووية. ولا يمكن لاي منظومة مضادة للصواريخ في العالم ان تعترضه. فأقصى سرعة لمنظومة الصواريخ المضادة الاميركية تبلغ 5 ماخات. ويستطيع "افانغارد" ان يناور بشكل خاطف افقيا وعاموديا،  والالتفاف حول جميع موجات الرادار التي تعترضه، والوصول الى طبقات الفضاء الكوني. ويصيب "افانغارد" اهدافا برية وبحرية (سطحية وتحتمائية) ثابتة ومتحركة واهدافا جوية وفضائية طائرة وصاروخية، بما فيها الطائرة على ارتفاع منخفض حتى لا يكشفها الرادار، كما يمكنه ان  يرتفع عشرات الكيلومترات ويدور في الفضاء الكوني كقمر صناعي، وبلمح البصر ينقض من الفضاء على الهدف المقصود بثوان معدودة.
وقال المحلل العسكري في صحيفة The National Interest الأمريكية، مارك يبيسكوبوس، إن المنظومة الصاروخية "أفانغارد" هي عبارة عن صاروخ باليستي فائق الفاعلية يزود برأس قتالية فرط صوتية تحلق نحو الهدف بسرعة هائلة تبلغ 27 ماخ (نحو 33 ألف كيلومتر في الساعة). وبمقدورها اجتيار أي درع صاروخية مهما كانت معقدة. وقال المحلل: "ليست لدينا أنظمة عسكرية قادرة على تعريض روسيا والصين لنفس القدر من الخطورة".
ويعد نظام صواريخ "أفانغارد" من الأسلحة الرادعة التي تحتفظ بها روسيا لتُثني من قد يفكر في شن العدوان عن تنفيذ خططه كي لا يتلقى ردا ساحقا.

ــ3ــ الصاروخ الدفاعي ــ الهجومي "كينجال": سرعته 10 ماخ (سرعة الصوت) اي حوالى 12 ألف كيلومتر في الساعة. بإمكانه الإفلات من أي أنظمة دفاع معادية. رأس الصاروخ القتالي هو بوزن 500 كيلوجرام، يمكن ان يكون رأسا نوويا او كلاسيكيا قادرا على تدمير الاهداف البرية الثابتة والمتحركة وكافة انواع الاهداف البحرية تدميرا كاملا او إلحاق أضرار بها تفقدها صلاحيتها. وهو قادر على إصابة الأهداف، على مدى 2000 كيلومتر، بدقة متناهية تشبه تماما دقة القنص، لأن انحرافه عن الهدف لا يتجاوز مترا واحدا.
اما مجلة "ناشيونال إنترست" الاميركية فتقول إن مدى صاروخ كينجال يصل إلى 3 آلاف كيلومتر، وتصل سرعته القصوى إلى 12 ضعف سرعة الصوت عندما يتم إطلاقه من القاذفات الاستراتيجية الروسية طراز "تو 22 إم 3".
فاذا ما حط هذا الصاروخ، او نسخة معدلة عنه، في ايران او سوريا او العراق او اليمن او لبنان، فهذا يعني ان جميع الاساطيل الحربية والقواعد العسكرية والمراكز القيادية في منطقة الشرق الاوسط، الاميركية والاسرائيلية والموالية لاميركا والمطبعة مع اسرائيل، ستكون مهددة بالتدمير الكامل، ولا تحميها اي انظمة دفاع صاروخي، كباتريوت الاميركية او القبة الحديدية الاسرائيلية.
والشيء ذاته يقال عن الاساطيل والقواعد العسكرية الاميركية والموالية لاميركا في البحار المحيطة بالصين، اذا حط هذا الصاروخ او نسخ عنه الرحال في الصين الشعبية وكوريا الشمالية.  

ــ4ــ الغواصة الروسية التي تستخدم الوقود النووي. تسبح بسرعة 27 عقدة بحرية (27 x 1.852 كلم\ساعة) اي 50 كيلومترا في الساعة. وهي شبحية وخافتة الضحيج. وتستطيع ان "تنام" لمدة طويلة في قاع المحيط بقرب المياه الاقليمية الاميركية او غيرها، متحفزة للهجوم في كل لحظة على مدار الساعة. وقد كيفت هذه الغواصة كي تحمل الطوربيدات المضادة للسفن والغواصات وحاملات الطائرات، وتحمل 20 صاروخا نوويا من نوع "بولافا"، وهو نسخة مصغرة من صاروخ "توبول ــ M" ("الشيطان" في قاموس الناتو)، ويطير بعشرة اضعاف سرعة الصوت. واذا انطلق من غواصة رابضة قرب المياه الاقليمية الاميركية، اي على بعد 200 كلم فقط من الساحل الاميركي، فإنه يصيب هدفه قبل ان يظهر خياله على اي شاشة رادار اميركية. والغواصات النووية الروسية تتناوب الحراسة قرب المياه الاقليمية الاميركية من الجانبين الاطلسي والباسفيكي.   

ــ5ــ وفي السنوات الاخيرة زود المجمّع الصناعي ــ الحربي الاسطول البحري الحربي الروسي بغواصة مسيّرة (بدون بحارة) سميت "بوسيدون"، وهي شبحية يتعذر اكتشافها، وتحملها غواصة نووية روسية مكيّفة لهذا الغرض. وتبحر الغواصة الحاملة نحو حاملة الطائرات وغيرها من السفن الحربية المعادية او نحو المياه الاقليمية للدول المعادية، وتنطلق منها الغواصة المسيرة "بوسيدون" التي يمكنها ان تحمل طوربيدات بحرية كلاسيكية او نووية، او صواريخ مجنحة ذات رؤوس حربية كلاسيكية او نووية، وتسير غواصة "بوسيدون" بمحرك نووي وتسبح بدون ضجيج وتقترب من السفن او القواعد العسكرية في السواحل المعادية، وتطلق الطوربيد او الصاروخ المجنح نحو الهدف المقصود في البحر او الساحل او داخل اراضي العدو. وتتم قيادة وتوجيه غواصة "بوسيدون" من الغواصة النووية الحاملة، التي تكون بعيدة عن مسرح العمليات.

ــ6ــ كما طورت روسيا اخيرا المنظومة الصاروخية الدفاعية "S-500"، وهي نسخة مطورة عن منظومة "S-400" التي تحمي الاجواء الروسية من اي جسم معاد، طيراني او صاروخي او فضائي، وهي قادرة على اكتشاف الجسم المعادي، الذي يطير على ارتفاع منخفض فوق سطح الارض او على علو عشرات الكيلومترات، وتكتشفه على مسافة 800-1000 كيلومتر وتسقطه على مسافة 600-700 كيلومتر مهما كانت سرعته، وتعالج الكترونيا معلوماته ووجهته ومصدره، وتزود مركز القيادة بكل المعلومات عنه لاجل توجيه الضربة المضادة، بدون ان يكون الجسم المعادي حقق هدفه.
هذه بعض عينات من انجازات التكنولوجيا العسكرية الروسية المتفوقة، التي لا مثيل لها في جميع دول الكتلة الامبريالية الغربية وعلى رأسها الامبريالية الاميركية. وبالاضافة الى ذلك هناك انجازات اخرى كبيرة في قطاعات صناعة الصواريخ والطيران الحربي والاساطيل البحرية ومدفعية الليزر واسلحة المدرعات والمدفعية وغيرها.
وهذه الانجازات، للشعب الروسي المناضل العظيم، تؤكد انه مهما بلغت قوة نظام الامبريالية والاستعمار والاستغلال الطبقي، فإن ارادة الشعوب المناضلة هي اقوى، وهي التي ستنتصر في نهاية المطاف؛ وتؤكد انه آن الاوان للانسانية ان تمحو عن وجهها عار نظام الاستعمار والعبودية والتمييز العنصري والديني والاستغلال الطبقي الذي فرضته روما القديمة على العالم منذ 2500 سنة، والذي ورثته دول اوروبا الغربية التي نهضت وتطورت بفضل الاستعمار ونهب وافقار واذلال شعوب الشرق، واخيرا ورثته الدولة الاميركية المتوحشة التي قامت فوق جماجم 112 مليونا من الهنود الحمر القتلى المظلومين الذين لا تزال الى اليوم دماؤهم ودماء الكثير غيرهم من شعوب العالم تقطر من العلم الاميركي المشؤوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل     

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية