أوراق إستراتيجية » الصين: شعب المسيرة الثورية الكبرى ضد النظام الامبريالي العالمي

صوفيا ـ إعداد: جورج حداد


تعتبر جمهورية الصين الشعبية، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني العظيم، الركن الاساسي الثاني، الى جانب روسيا وايران، في المحور الشرقي الجديد الذي يقف اليوم كالطود الشامخ في وجه الامبريالية العالمية، بقيادة الامبريالية الاميركية والطغمة المالية الاحتكارية اليهودية العالمية.

واضطلاع الصين الشعبية بهذا الدور التاريخي الاممي ليس وليد ظرف سياسي مرحلي، وليس خصوصا وليد مطامع توسعية ونزعة هيمنة صينية، كما تتخرص ابواق البروباغندا المأجورة للامبريالية الغربية واليهودية العالمية، بل هو يأتي كمحصلة منطقية ديالكتيكية للمسيرة التاريخية الحضارية العريقة للشعب الصيني، وبالاخص مسيرته الثورية المعاصرة، التي تمخضت في القرن العشرين عن تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، واندلاع الثورة الصينية الكبرى وانتصارها، وقيام جمهورية الصين الشعبية، التي تتقدم اليوم بخطى حثيثة وثابتة لازاحة الهيمنة الاميركية ــ اليهودية على الاقتصاد العالمي.

وكل باحث تاريخي موضوعي، وكل مناضل صادق، ايا كان انتماؤه الايديولوجي والديني والقومي،  ينبغي ان ينظر الى الصين الشعبية على ضوء  المسيرة الحضارية التاريخية للشعب الصيني، كجزء اساسي من المسيرة الحضارية التاريخية للبشرية. وهذا ما نحاول هنا ان نلقي الضوء عليه:

تقع الصين في الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من قارة آسيا، وهي تشترك في الحدود مع مجموعة كبيرة من الدول؛ إذ تحدّها من الجهة الشماليّة كلٌّ من كازاخستان، وروسيا، ومنغوليا، وقرغيزستان، أمّا من الغرب فتشترك بحدودٍ مع باكستان، وطاجيكستان، والهند، وأفغانستان، وميانمار، وبوتان، ونيبال، وتَحدّها من الجهة الجنوبيّة فيتنام، وبحر جنوب الصين، ولاوس، وتَشترك بحدودٍ شرقيّة مع كوريا الشماليّة، وبحر شرق الصين، والبحر الأصفر.  وتبلغ مساحتها الإجمالية 9,596,960 كليومترًا مربعًا، وتنقسم تلك المساحة إلى 720.550 كليومترًا مربعًا من المسطحات المائية الداخلية من بحيرات وأنهار، بينما تمثل مساحة اليابسة 9,326,410 كيلومترات مربعة. والمسافة بين أقصى نقطة شرقًا وأقصى نقطة غربًا في الصين هي حوالي 5000 كيلومتر، ومن الشمال إلى الجنوب هي 4050 كيلومترا، ويتراوح مناخ الصين المتنوع بسبب تلك المساحة الشاسعة بين المناخ القطبي والاستوائي وما بينهما، كما تضم الصين أعلى قمم العالم الجبلية إلى جانب الوديان والمساحات السهلية الشاسعة والاراضي الصالحة للزراعة والعيش المستقر. وهي تشغل مرتبة رابع اكبر دول العالم مساحة (بعد روسيا، كندا والولايات المتحدة بالتتالي)، وهي تمثل 6.4% من اجمالي مساحة الكرة الارضية.
وبهذه المساحة الشاسعة، والارض الغنية، المتنوعة والصالحة لعيش الكائن البشري بسهولة نسبية، كانت الارض الصينية من اقدم الاراضي المأهولة على وجه البسيطة. ونشأ فيها مجتمع زراعي استقراري يعيش على زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات الداجنة، مجتمع توسع تدريجيا في الاراضي المحيطة الصالحة للحياة، دون حاجة السكان الى الهجرة الجماعية من اراضيهم الاصلية وغزو الاراضي الاخرى والاستيلاء عليها بالقوة ونهب وقهر سكانها الاصليين، كما نجده لدى الشعوب الرعوية كالمغول والطورانيين والخزر وبعض عربان شبه الجزيرة العربية؛ او الشعوب ذات الاراضي الضيقة كالرومان القدماء والاوروبيين الغربيين واليابانيين.

وبحكم هذا الواقع الجغرافي الواسع والغني والملائم، فقد نما عدد سكان الارص الصينية بشكل كبير على مر العصور، بفعل ثلاثة عوامل طبيعية ــ اجتماعية ــ انتاجية هي:

أ ــ الحاجة المتزايدة الى اليد العاملة الزراعية.

ب ــ السلام الداخلي و"الاقليمي"، وعدم الهجرة الجماعية بسبب الحروب البينية وشح المياه وندرة الغذاء.

ج ــ الظروف الجغرافية والمناخية الملائمة للحياة الطبيعية.

وتمثل قارة أوروبا التي يقطنها 742 مليون نسمة حوالي 10.3% من تعداد السكان حول العالم. بينما تعتبر أميركا الشمالية موطن 358 مليون نسمة (4.9%).
اما الصين فبلغ عدد سكانها  1٬411٬810٬000    في اب 2021، اي 17.9% من عدد سكان العالم الذي وصل الىً قرابة 7.359 مليار نسمة. اي ان عدد سكان الصين هو اكبر بشكل ملحوظ من عدد سكان اوروبا واميركا الشمالية مجتمعتين.
***
وبحكم استقرارية المجتمع الصيني القائم على الانتاج والتمدد السكاني السلس في الاراضي المحيطة الملائمة، فقد تميزت الصين بالميزات التاريخية الرئيسية التالية:

1 ــ انها كانت موطنا للابداع الحضاري المبكر، الذي افادت منه لاحقا جميع شعوب العالم القديم. وتقول  الدراسات التاريخية انه في سنة 444ق.م توصل الفلكيون الصينيون الى تحديد طول السنة بـ365 يوما وربع اليوم. ولهذا الاكتشاف اهميته الكبرى للزراعة والمواسم. وفي سنة 206ق.م اخترع الصينيون الورق. ثم وضعوا اول قاموس لغوي. وفي سنة 868م قدموا للعالم اول كتاب مطبوع. وهم اول من اكتشف البارود، الذي اخذه العرب وطوروه ونقلوه الى اوروبا. وصنع الصينيون البورسولين وابدعوا فيه في الرسم وجودة الانتاج، وغزوا به العالم، الى درجة ان الناس صارت تطلق تسمية "صيني" على البورسولين بصورة عامة. وفي القرن الـ13 اخترع الصينيون اول آلة لتسجيل الهزات الارضية، وبنوا مرصدا فلكيا لدراسة احوال الكواكب والنجوم، وهو اول مرصد من نوعه في العالم.
وبحسب الدراسات التاريخية للحياة البشرية على الكوكب الارضي فإن أول استخدام للنار من قبل الإنسان المنتصب حدث في موقع أثري في الصين، وذلك قبل 1.27 مليون سنة. ونشأت أقدم الحضارات الإنسانية في الصين خلال الفترة الممتدة بين عاميّ 12,000 ق.م و10,000 ق.م، وقد أظهرت الدراسات أن الصينيين القدماء استقروا وعملوا بزراعة الحبوب. وقد تطورت الحضارة الصينية تطورًا كبيرًا خلال ألفي سنة تقريبًا، من القرن الحادي عشر قبل الميلاد حتى أوائل القرن العاشر الميلادي. وتعتبر الصين، الى جانب ايران ومصر واليونان، من اقدم دول العالم. وهي تعد موطناً لواحدة من أقدم الحضارات الإنسانية في العالم، ويصعب تحديد تاريخ نشأتها بسبب قدمها، وأقدم الكتابات فيها تعود إلى قرابة 4000عام قبل الميلاد، ويعتقد بوجود بعض المستوطنات فيها قبل ذلك.

2 ــ تطور الشعب الصيني كشعب منتج مسالم وواقعي، لم يغزُ ولم يستعمر غيره من الشعوب، بل كان هو وارضه هدفا للعدوان والغزو والاستعمار. وفي سياق الحياة السلمية للشعب الصيني ظهرت الكونفوشيوسية، التي يمكن وصفها بشكل مجازي ومشروط بأنها ديانة. والواقع ان كونفوشيوس، المولود سنة 552ق.م، كان فيلسوفا ومعلما، ولم يدّع لا الالوهة ولا النبوة. والكونفوشيوسية هي اقرب لاعتبارها تعاليم اخلاقية واجتماعية وفلسفية وليس ديانة. وربما كانت هذه "الواقعية المفاهيمية للحياة" لدى الشعب الصيني هي احد الاسباب لعدم انتشار الديانات "السماوية" في الصين، ولا سيما بعد ان جرى تبني الاسلام من قبل المغول، الغزاة والاعداء الاستعماريين القدماء للصين.
وقد تبنى الصينيون البوذية الهندية، ولكن بعد تصيينها واعطائها طابعا صينيا خاصا. وتعايشت الديانة البوذية المصيّنة مع التعاليم الكونفوشيوسية منذ اكثر من الفي سنة.
وللدفاع عن انفسهم بنى الصينيون السور الصيني العظيم الذي يمتد 8850 كلم في الحدود الشمالية للصين،  وطوله الاجمالي 21000 كلم، وهو يعتبر من عجائب الدنيا السبع. ولكن هذا السور على اهميته لم يحمِ الصين من الغزو المغولي في القرن الثالث عشر. كما ان السور كان له جانب سلبي ايضا هو انه ساعد في ايجاد وتعزيز نوع من نزعة الانعزال لدى الصينيين. الا انه، بالسور وبدونه، تكرست تاريخيا  الطبيعة السلمية واللاعدوانية لدى الشعب الصيني.

3 ــ تميزت الصين تاريخيا بالانفتاح على الشعوب الاخرى والتفاعل والتعاون معها، وخصوصا عبر التجارة المتبادلة لمصلحة جميع الاطراف. وفي هذا السياق يشار بشكل خاص الى تأسيس ما سمي "طريق الحرير" القديم. وحسب الدراسات التاريخية، امتد طريق الحرير من مختلف المناطق الصينية باتجاه الهند واسيا الغربية واسيا الوسطى واسيا الصغرى والبلقان وسوريا الطبيعية ومصر وافريقيا وصولا الى اوروبا. وكانت القوافل تقوم برحلتين، صيفية وشتوية، وتنقل الحرير وغيره من المنتجات الصينية الى البلدان الاخرى، وتنقل منتجات تلك البلدان الى الصين، كما وتنقل منتوجات جميع البلدان التي يمر بها الطريق الى بعضها البعض. وفي الواقع  فإن طريق الحرير لم يكن طريقاً واحداً، وإنما شبكة من الطرق الفرعية التي كانت تصب في النهاية في طريقين كبيرين.
وقد انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظلت منتظمةً لألف وخمسمائة سنة تالية، كان طريق الحرير خلالها معبراً ثقافياً واجتماعياً ذا أثر عميق في المناطق التي يمر بها. ولم يتوقف شأن طريق الحرير على كونه سبيلا للتجارة فقط بين الأمم والشعوب القديمة، وإنما تجاوز جانبه الاقتصادي العالمي إلى آفاق إنسانية أخرى، فانتقلت عبره المنجزات الحضارية والثقافات والدعوات الدينية.
وكان لطريق الحرير تأثير كبير على تفاعل وازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والمصرية والفينيقية والاشورية والعربية ــ الاسلامية والهندية والاغريقية والرومانية، التي اسهمت بإرساء القواعد للعصر الحديث.

***
شكل تأسيس الحزب الشيوعي الصيني في 1921 نقطة تحول نوعي في تاريخ الصين والعالم قاطبة. وكان هذا التأسيس نتاج استمرار تراكمي للوعي الذاتي الحضاري للشعب الصيني. وخلال مسيرته النضالية الابداعية مر الحزب الشيوعي الصيني بمراحل متعددة وتجارب مريرة، كسر فيها الدوغمائية والجمود العقائدي، وطوّر النظرية الثورية للفكر الاشتراكي العلمي، واعاد انتاج الوعي الذاتي الحضاري للشعب الصيني ضمن مقتضيات العصر الحديث. ويمكن ادراج هذه المراحل تحت العناوين الرئيسية التالية:

أ ــ تفجير الثورة الصينية سنة 1927 انطلاقا من الارياف، وتطوير الفكرة الكلاسيكية عن الثورة الاشتراكية كثورة بروليتارية عمالية ــ مدينية هي التي تحرر الفلاحين في الارياف، وطرح وممارسة فكرة الثورة الاشتراكية الفلاحية ــ الريفية التي تطوق المدن وتحررها. وبموجب هذا الخط الثوري الجديد، الذي كان يعارضه الستالينيون والتروتسكيون في "الاممية الشيوعية" (الكومنترن)، انتصرت الثورة الصينية وتأسست  جمهورية الصين الشعبية في 1949. وخلال هذه المرحلة قام "الجيش الاحمر" او "جيش التحرير الشعبي الصيني" بقيادة الحزب الشيوعي، سنة 1934 بـ"المسيرة الكبرى" الشهيرة، التي استمرت حوالى السنتين، من الجنوب الى الشمال نحو الحدود السوفياتية، حيث قطع المقاتلون مسافة 12000 كلم في حالة قتالية متواصلة، وكانوا كلما مروا بمنطقة يقومون بتحرير الفلاحين المستعبدين للاقطاع ومصادرة املاك الاقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين وتشكيل مجالس (سوفياتات) للفلاحين وتسليحهم للدفاع عن انفسهم ضد امراء الحرب الموالين للنظام الامبراطوري القديم وضد جيش سلطة الكيومينتانغ الموالية للامبريالية الاميركية. وهكذا الهب الحزب الشيوعي الصيني الريف الصيني بأسره. وبنظرة تاريخية ــ مستقبلية يمكن القول ان تاريخ الصين الشعبية المعاصرة كله هو تاريخ مسيرة كبرى للقضاء على الاقطاعية والرأسمالية والامبريالية.   

ب ــ تجربة ما سمي "القفزة الكبرى الى الامام" التي انطلقت بمبادرة من ماو تسي تونغ في 1958، والتي هدفت الى دفع الشعب الصيني بأسره، وبالاخص الاغلبية الفلاحية التي سبق ان قام على اكتافها العبء الرئيسي للثورة، الى تبني فكرة "التصنيع" كأساس للتنمية والتحديث ومكننة وتطوير الزراعة وتحقيق النهضة للمجتمع الصيني. وقد تم ترسيخ هذه الفكرة لدى جماهير الشعب الصيني، بالرغم من كل الاخطاء والاخفاقات والمآسي التي رافقت "القفزة".

ج ــ طرح شعار "الثورة الثقافية البروليتارية" في 1966، والتي هدفت الى ترسيخ الفكر الاشتراكي العلمي والخيار الاشتراكي للشعب الصيني، واجتثاث البراعم السامة المستجدة للرأسمالية، وقطع الطريق على امكانية تشكل طبقة برجوازية جديدة بيروقراطية (حزبية ودولوية) على الطريقة البيروقراطية السوفياتية، الستالينية والنيوستالينية، وتحطيم الهالة "النخبوية" المتعالية لقيادات الحزب والدولة، وكسر الحواجز بين الحزب والشعب، وترسيخ الطابع الشعبي للدولة وفكرة ان "الحزب هو جزء لا يتجزأ من الشعب" وهو "حزب الشعب" الصيني.
***
بعد وفاة ماو تسي تونغ في 1976، طرحت بقوة مسألة اصلاح وتحديث وعصرنة الاقتصاد الصيني، وتوصلت قيادة الحزب الى اتخاذ خطوة جريئة بالانفتاح على آليات عمل النظام الرأسمالي في الحقل الاقتصادي، الانتاجي والتجاري والمالي والاداري، مع التمسك بالدور القيادي السياسي العام للحزب، وبالقطاع العام الاشتراكي، التعاوني والدولوي. وقد رفع الحزب شعار "دولة واحدة ونظامان". وبناء على ذلك تم استعادة هونغ كونغ من البريطانيين، دون المساس بالنظام الرأسمالي فيها، وسمح بالمبادرة الانتاجية الخاصة، والملكية الخاصة، وتأسيس الشركات الخاصة، والتوظيفات الرأسمالية الاجنبية، وتكوين مناطق اقتصادية خاصة تتم فيها التوظيفات والتجارة الحرة داخليا وخارجيا. ويذكر انه لاجل ادخال هذا الاصلاح الجذري في الاقتصاد الصيني تم الاستعانة بخبير اقتصادي واكاديمي من جامعة اوكسفورد البريطانية، وهو البروفسور العراقي الياس كوركيس، الذي عمل كمستشار اقتصادي اول لدى قيادة جمهورية الصين الشعبية من عام 1978 وحتى عام 2015. وطبقا لهذه التجربة الخلاقة نشأ في الصين قطاعان اقتصاديان:

الاول ــ هو القطاع العام، الاشتراكي، الذي يقوم على الملكية العامة، التعاونية، او التابع للبلديات والمحافظات والاقاليم، او للحكومة المركزية، وهو يشمل المزارع التعاونية، والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، والبنى التحتية، والثروات الطبيعية والصناعة المنجمية والمنشآت الرئيسية لانتاج الطاقة، وصناعة آلات صناعة الآلات، وصناعة الاسلحة، وبرنامج العلوم الفضائية، ومؤسسات العناية بالبيئة، ومراكز الابحاث الرئيسية، ومفاتيح النظام المصرفي والمالي.    

والثاني ـ القطاع الرأسمالي والحرفي، الذي يعمل على نطاق واسع في الانتاج الزراعي، والحرف، وصناعة المنتوجات الغذائية والاستهلاكية والاسواق التجارية والمالية.

وتقدم الدولة الصينية كل التسهيلات الضرائبية وغيرها لجميع اشكال المبادرات الانتاجية الخاصة وشركات القطاع الرأسمالي، الصينية والاجنبية والمختلطة.

ومع تبني هذا القطاع الخاص والرأسمالي، فإن الحزب الشيوعي الصيني لم يتخلَّ عن الهدف الاساسي الذي هو: بناء الاشتراكية. بل هو يعتبر ان تبني القطاع الرأسمالي هو احدى الوسائل الرئيسية للتوصل الى بناء الاشتراكية، على النطاق الصيني والعالمي.
ويعمل الحزب الشيوعي الصيني لتحقيق هذا الهدف ضمن آلية العمل التالية:

1 ــ الحزب هو الذي يقود المجتمع والجيش والدولة (ولتبيان الاهمية المفصلية لهذه النقطة نذكر انه حينما تأسس الحزب في 1921 كان عدد اعضائه 50 عضوا اغلبهم من الطلاب الفتيان ــ ولكن بعد 28 سنة فقط، حينما تم تحرير بكين واعلان جمهورية الصين الشعبية في 1949 كان عدد مقاتلي جيش التحرير الشعبي بقيادة الحزب الشيوعي قد بلغ اربعة ملايين مقاتل ــ واليوم اصبح عدد اعضاء الحزب الشيوعي الصيني يبلغ حوالى مائة مليون عضو يتغلغلون ويمسكون بكل مفاصل وخلايا المجتمع الصيني والدولة الصينية).

2 ــ الدولة تمتلك، بالحساب الرأسمالي المجرد، مفاتيح الاقتصاد الوطني، والقسم الاعظم من الكتلة الاقتصادية الوطنية، الانتاجية والمالية. وهي التي تضع، بقيادة الحزب، القوانين والسياسة والبرامج الاقتصادية العامة والرئيسية للدولة، داخليا وخارجيا. وعلى القطاع الرأسمالي الخاص ان يتقيد بالقوانين والبرامج والخطط التي تضعها السلطة الشعبية التي يقودها الحزب.

3 ــ تقدم الدولة كل التسهيلات والمحفزات، القانونية والادارية والضرائبية والاقتصادية، لتطوير القطاع الرأسمالي الخاص؛ وبالمقابل فإنه يتم، وبالطرق الاقتصادية بالذات، توجيه القطاع الرأسمالي الخاص باتجاه تطبيق برامج الدولة والتفاعل مع المبادرات والمشاريع التي تطرحها، مثل تسهيل قبول قيام الدولة بشراء اسهم في اي شركة خاصة، او الطلب للشركات الخاصة في مختلف المناطق بشراء اسهم في بعض مشاريع الدولة، خصوصا في بناء البنية التحتية. ويحرص الحزب والدولة على التزام القطاع الرأسمالي بتطبيق القوانين المتعلقة بحقوق العمال والمتقاعدين، وهي القوانين التي تصوغها الدولة بالتنسيق التام بين النقابات والمنظمات الحزبية.

ويتفق الدوغمائيون الستالينيون والعدميون (نيهيليست) التروتسكيون هذه الآلية التي يطبقها الحزب الشيوعي الصيني بأنها تخلٍ عن الاشتراكية وعودة الى الرأسمالية، في حين يصفها بعض المحللين بأنها "نظام رأسمالي في خدمة بناء الاشتراكية". اما الشيوعيون الصينيون انفسهم فيسمونها "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية".

ولتطبيق هذه الآلية قام الحزب الشيوعي الصيني بتعديل نظامه الداخلي، وسمح للرأسماليين بالانضمام الى عضويته. وعلى هؤلاء ان يلتزموا بتطبيق برنامج الحزب و سياسته.

ولضمان التطبيق السليم لهذه الآلية تشدد الدولة على:

ــ التقيد التام بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والعلمية والثقافية، التي تضعها الدولة.

ــ الالتزام الصارم بدفع الضرائب المستحقة للدولة.

ــ المكافحة الحازمة والشديدة للفساد. خصوصا اذا كان المتهم بالفساد عضوا في الحزب. وفي احيان كثيرة تصل الاحكام ضد الفساد الى الاعدام.

وقد نشأ عن تطبيق هذه الآلية في جمهورية الصين الشعبية نظام اقتصادي مختلط، اشتراكي ــ رأسمالي، تقوده دولة شعبية، يقودها بدورها الحزب الشيوعي (ذو الفكر الاشتراكي العلمي ــ بطبعته الماوية او الصينية).

وبنتيجة تطبيق هذا النظام الاقتصادي ــ الاجتماعي المختلط تضاعف الناتج الوطني القائم للصين، في غضون الاربعين سنة الماضية، عشرات الاضعاف، وتحققت ثورة علمية وتعليمية مذهلة بلغ فيها عدد خريجي الجامعات الصينية والاجنبية والعلماء والخبراء عشرات الملايين، وتحولت الصين الى المصنع الاول للعالم، ومصدّر السلع الاول في العالم، وهي تتقدم بخطى ثابتة لازاحة الولايات المتحدة الاميركية عن مركز الاولوية كأكبر اقتصاد وطني في العالم. وفوق ذلك كله، والاخطر من ذلك كله، ان الدولة الصينية ــ وبالحسابات الرأسمالية البحت ــ اصبحت اكبر واغنى "مؤسسة رأسمالية" في العالم، تمتلك عدا ونقدا مئات المليارات او التريليونات من الدولارات (بالعملات الاجنبية وبعملتها الوطنية)، وليست مفلسة ومدينة كالدولة الاميركية، ويوجد تحت تصرفها جيش هائل من العاملين يغطي الافق تعداده ملايين العلماء والخبراء والمخترعين والبحّاثة، وعشرات الملايين من المهندسين والاختصاصيين والعمال المهرة، ومئات الملايين من العمال النشطين والمنضبطين، الاقل اجورا مما في الغرب بسبب التضخم النقدي وتضخم الضرائب في الدول الامبريالية الغربية. وبهذه "الملكية الرأسمالية" التي لا تزاحم فإن هذه "المؤسسة الرأسمالية" (اي الدولة الصينية)، ومن ضمن عمل آليات السوق الرأسمالية بالذات، تدخل الى المقاولات والمبادرات والاستثمارات والمشاريع من اكبرها الى اصغرها داخل الصين وخارجها، بقدرة تنافسية اعلى بكثير من القدرة التنافسية للمؤسسات الرأسمالية الغربية. وهو ما تقف عاجزة امامه اي دولة او مؤسسة رأسمالية اخرى. وترتعد فرائص جميع رأسماليي العالم حينما يتذكرون أن هذه "المؤسسة الرأسمالية الصينية" ليست شركة مساهمة يمتلك اسهمها رأسماليون آخرون كبار او صغار، وليست واجهة سياسية للرأسمال الكبير الاحتكاري،  بل "مؤسسة" يمتلكها "الشعب الصيني" بقيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي يؤمن بالاممية والإخاء الانساني، والطامح الى بناء النظام الاشتراكي، اي نظام الملكية المشتركة والعمل المشترك والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الانسانية. اي انه، من زاوية نظر معينة، فإن هذه "المؤسسة الرأسمالية" للدولة الصينية تمتلكها الانسانية اجمع، اي كل المخلوقات البشرية على هذا الكوكب، بمن فيها المعاق والشيخ العاجز والطفل الرضيع، الذين لكل منهم ــ بحق الولادة فقط على الكوكب الارضي ــ الحق بأن يتنفس الهواء ويأكل من خيرات الارض ويستهلك منتوجات المجتمع الذي ولد فيه ويعيش ويموت فيه.

واليوم، وامام الرعب الهستيري الظاهر والمكتوم للطغمة المالية اليهودية العالمية، وللامبريالية الاميركية والعالمية قاطبة، تقوم الدولة الصينية بتنفيذ البرنامج العالمي الضخم، المسمى "حزام واحد، طريق واحد" او "طريق الحرير الجديد"، الذي سيشمل العالم بأسره، بما في ذلك القارة الاميركية. والمؤدى التاريخي لهذا البرنامج هو زعزعة واسقاط النظام المالي والاقتصادي والسياسي للامبريالية العالمية، وبناء نظام مالي ــ اقتصادي عالمي "رأسمالي" بالاسم والشكل وآليات العمل، ولكنه يمثل قفزة كبرى نحو عولمة تقوم على التفاعل والتعاون القائمين على المصالح والمنافع المتبادلة لجميع شعوب العالم، كمقدمة اساسية نحو بناء الاشتراكية على النطاق العالمي.

***

ان الشعب الصيني هو شعب كبير وقادر وخلاق، يمثل حوالى خمس سكان الكوكب الارضي. وهو ينظر الى نفسه بوصفه الاخ الاكبر في العائلة الانسانية. وبهذه الصفة الاساسية فإن "الصيني" يعتبر ان عملية تحرره وتقدمه وازدهاره هي جزء لا يتجزأ من عملية تحرر وتقدم وازدهار عائلتـ"ــه" الوطنية والانسانية بأسرها.

واليوم، فإن الصين الشعبية العملاقة، الكونفوشيوسية ـ البوذية، الممتطية آلية السوق الرأسمالية، في خدمة الاشتراكية "ذات الخصائص الصينية"، تمسك باحدى يديها يد روسيا الاتحادية، الاورثوذوكسية، المشبعة بالروح الوطنية والاممية والفكر الاشتراكي العلمي، وتمسك باليد الاخرى يد ايران الثورية الاسلامية، التي تكافح بصلابة وتفانٍ وثبات كي تنزع عن العالم العربي ــ الاسلامي نير التبعية والخنوع للغرب الامبريالي، وادران التخلف والظلامية وجرب الانحطاط الفكري والاخلاقي للتكفيريين. وتتجه هذه الاقطاب الشرقية الثلاثة معا، في محور شرقي جديد، واحد وموحد، يعمل لبناء نظام عالمي حضاري تعددي، يقوم على اعادة تصويب المسيرة الحضارية للبشرية، كي يُدفن الى الابد النظام العبودي "الغربي" الذي اطلقته ووضعت اسسه "روما" القديمة منذ حوالى 2500 سنة، وتقوده اليوم الامبريالية الاميركية واليهودية العالمية، وكي تعود شمس الحضارة الانسانية لتشرق  من جديد من "الشرق".
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية