قراءات سياسية » هل العرب والمسلمون والروس الاورثوذوكس "معادون للسامية والدمقراطية"

صوفيا ـ جورج حداد

امام تصاعد واشتداد عود المقاومة الشعبية الفلسطينية واللبنانية والعربية ضد الكيان الاسرائيلي الغاصب، وفي زمن اشتدت فيه الحملة الامبريالية الاميركية ــ الصهيونية ــ الاسلاموية التكفيرية الارهابية ضد المقاومة خاصة وحركة التحرر الوطني العربية عامة، ينبري فريق من المثقفين "اليساريين المزيفين" كالستاليني الموالي لاميركا و"اسرائيل" فؤاد النمري، و"سيلوس العراقي" (الذي لا ندري كم هو "عراقي" وكم هو "صهيوني" و"موسادي")، ــ ينبري هؤلاء الى اعتبار الصراع العربي ــ الاسرائيلي، وكفاح الشعب الفلسطيني لتحرير وطنه المغتصب بقوة الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية واليهودية العالمية والامبريالية الاميركية والغربية، انه مسألة صراع ثنائي، قومي وديني، بين المسلمين واليهود، وبين العرب واليهود؛ وان هذا الصراع ــ من الجانب العربي والاسلامي ــ ما هو الا استمرار للصراع القديم، العربي والاسلامي والمسيحي والعالمي، ضد اليهود، الذين اضطهدوا وظلموا عبر التاريخ لكونهم اقلية ذكية ومتميزة(!!!). وبالتالي ان المقاومة الشعبية الفلسطينية والعربية ضد الاستعمار الاستيطاني اليهودي ما هي الا مظهر وجزء لا يتجزأ مما يسمى "معاداة السامية" الاوروبية، على قدم المساواة مع النازية الهتلرية.

وانطلاقا من هذه النظرة المزيفة تاريخيا  فإن "سيلوس العراقي" يعتبر الموقف العدائي الروسي القديم من اليهود، ومنعهم طوال مئات السنين من السكن في روسيا، انه مسألة موقف شوفيني روسي، وديني ــ ايديولوجي اورثوذوكسي، ضد اليهود. وهو يتحدث بحسرة عن "جماعات يهود الشتات الأبرياء الفارين والباحثين عن مكانٍ للحياة والعمل والعيش والاستقرار النسبي في روسيا". و"أن مجرّد ذكر اسم اليهود وآراء اليهود أو أيّ شيءٍ حول اليهود، كان يبعث الخوف والرعب والريبة، لدى المسيحيين الروس الاورثوذوكس".

ان هذه الحملة الايديولوجية ــ السياسية، المتسترة باليسار المزيف، التي تمولها وتديرها المؤسسة العالمية المسماة "المجتمع المفتوح" لمؤسسها المولتي ــ ملياردير اليهودي الاميركي، المجري الاصل، جورج سوروس، جنبا الى جنب السي آي ايه والموساد، ــ هذه الحملة تصب مباشرة في عملية السعي المحموم للتطبيع مع اسرائيل ولتأكيد "شرعية" وجودها، من جهة، وعملية "شيطنة" المقاومة، ووصفها بالتعصب الديني والقومي والارهاب والعنصرية والنازية "المعادية للسامية!"، من جهة اخرى.

وهذه الحملة ما هي الا استمرار لجريمة الاعتراف بتقسيم فلسطين في 1947 من قبل خائن الشيوعية ستالين، عملا بـ"اتفاقية يالطا" التي وقعها ستالين مع روزفلت وتشرشل في 1945.

ومن اوجب واجبات المثقفين اليساريين الحقيقيين وجميع الوطنيين المخلصين فضح هذه الحملة الصهيونية المتجلببة بستار اليسار المزيف، وتسليط الضوء على حركة المقاومة الشعبية الفلسطينية واللبنانية والعربية والاسلامية بأنها جزء اساسي وطليعة صدامية للمعركة الكبرى لجميع شعوب العالم ضد الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي وضد الرأسمالية المتهودة والامبريالية الاميركية والعالمية.

ونحن نحاول فيما يلي ان نضع بعض النقاط الرئيسية على الحروف:

1ـ الحوسلة الرأسمالية لليهود:

أ ــ ان عبقرية اللغة العربية (وشقيقتيها: الارامية والعبرية) جعلت مفردات مثل (ــ آل ــ إيل ــ إله) و (ــ ربوة ــ رب ــ ربوبية ــ رابي ــ ربا) و (ــ هو ــ يهوه ــ هوية ــ ماهية) من جذر لغوي واحد لكل منها. وجدلية نشوء وتطور معاني هذه المفردات تدخل في جدلية نشوء وتطور الاديان الوثنية القديمة واليهودية.

ب ــ مع توزع المجتمع القديم الى عشائر وقبائل واقواميات، تقوم على رابطة الدم العائلية (بالمحتويات القديمة المتغيرة لمفهومة "العائلة") وحياة مادية وتقاليد وعادات داخلية خاصة، تميز كل قبيلة او اقوامية عن الاخرى، نشأت الضرورة لوجود "حلقة ربط" علوية (فوق كل فرد من افراد المجموعة) تتوحد بها، وتتميز بها، كل المجموعة. وهذا هو الاساس الاجتماعي لظهور الآلهة الوثنية، كرابط معنوي ــ اخلاقي ــ نفسي ــ روحي، لكل مجموعة قديمة من البشر. ومن ضمن مختلف الآلهة الوثنية ظهر تأليه الانسان الحاكم ذاته، كتأليه الفرعون في مصر وتأليه القيصر في روما الخ.

وفي الوقت ذاته كان يتم التقسيم الاجتماعي للعمل المنتج الضروري لحياة الناس: رعي، زراعة، تربية دواجن، حرف... على اختلافها.
وفي العملية التاريخية الدينية ــ الانتاجية ــ الاجتماعية المركبة ترافق الصراع بين مختلف الجماعات (وبالتالي: الاديان الوثنية)، مع الحاجة للتعاون والتبادل فيما بين بعضها البعض، لان ما تملكه احدى الجماعات لا تملكه الاخرى، وكل جماعة بحاجة الى منتوجات الجماعات الاخرى. ومن هنا نشأت الحاجة لوجود التلاقي لتبادل المنتوجات، من جهة، ومن ثم الحاجة لوجود مجمّع للالهة (البانثيون) في اثينا وفي مكة المكرمة، من جهة اخرى، حيث تجتمع كل المجموعات على اختلافها، في مكان مقدس واحد، يتم فيه تبادل المنتوجات فيما بينها، والتعرف على "آلهة" و"اديان" بعضها البعض. وعلى اساس هذه النزعة الضرورية نحو التلاقي،   ظهر اخيرا مذهب التوحيد الاخناتوني في مصر الذي جعل الشمس (كإله واحد محسوس) فوق كل الآلهة. ومن ثم ظهر الـ يهوه (كإله واحد تجريدي غامض) لدى اليهود.

ج ــ لحقبة تاريخية طويلة جدا اتخذ تبادل المنتوجات (السلع) بين المنتجين ــ المستهلكين صيغة المقايضة  العابرة حيث يلتقي كل منتج مع منتج لسلعة اخرى، ويكون كل منهما بحاجة لسلعة الاخر، فيتقايضان بسلعتيهما. ولكن هذه العملية التبادلية الاولية كانت تحتاج الى جهود اضافية للتنقل وانفاق الوقت، لان المنتج يحتاج لاكثر من سلعة واحدة اخرى لحاجاته الاستهلاكية (مثلا: منتج السمن يحتاج الى الحنطة والى التمر او الفاكهة المجففة وغير ذلك) فكان المنتج ــ المستهلك مضطرا للتنقل بين امكنة عديدة بحثا عن مختلف حاجياته للمقايضة عليها. ولتجاوز هذه الصعوبات نشأت الحاجة لوجود السوق  حيث يتجمع مختلف المنتجين ويقايضون على منتوجاتهم في مكان واحد.

د ــ ان صيغة المقايضة تمثل عملية بيع وشراء مزدوج في الوقت ذاته، اي ان كل بائع لكل سلعة يكون شاريا للسلعة الاخرى. وقد وفرت السوق امكانية اجراء جميع المقايضات في زمن واحد وفي مكان واحد. ولكن اختلاف انواع السلع كان يخلق بعض الصعوبات: مثلا ان بائع ناقة يحتاج ان يبيعها كلها دفعة واحدة ولا يحتاج الى انفاق كل قيمتها في سنة واحدة، الخ. من هنا، ومع مرور الزمن وتراكم التجربة، توصل المنتجون الى صيغة التجارة التي تقوم على الفصل بين عملية البيع وعملية الشراء. اي ان المنتج يمكن ان يبيع منتوجه مقابل سلعة هو لا يحتاجها، ولكن قيمتها توازي قيمة منتوجه، وهي قابلة للتبادل وشراء سلعة اخرى يريد شراءها في وقت اخر. وهذه السلعة الاخرى المعادلة او المساوية والقابلة للتبادل في وقت اخر ومكان اخر، هي ما صار العملة او النقود. وتاريخيا استخدمت في مختلف المناطق والازمان انواع عديدة من العملة كالملح والتمر والسمك المجفف والجلود الخ. واخيرا توصل المجتمع الى استخدام الذهب والفضة كعملة، لكونها عالية القيمة، وقابلة للقسمة، وسهلة الحفظ والنقل، وغير قابلة للنقصان والفساد والتلف الطبيعي. ومع تبلور وثبات ممارسة التجارة بواسطة العملة، ظهرت وظيفة التاجر، اي الشخص الذي يشتري السلعة المعينة ليس لاستخدامه الشخصي، بل لاعادة بيعها الى مستهلك اخر، وهكذا دواليك. ومع ممارسة التجارة ظهرت ممارسة الإقراض، اي ان يقوم التاجر بإقراض المال لمنتج محتاج، على ان يقوم هذا المنتج بتسديد القرض من انتاجه في وقت لاحق محدد، ومن ثم تطورت صيغة الإقراض الى صيغة الربا، اي ان المنتج المقترض يعود فيسدد قرضه مع زيادة نسبة اضافية بمنحها للمقرض. وبطبيعة الامور فإن كل مجموعة بشرية افرزت تاجرا او اكثر لها. ولكن اتساع وتعدد المنتوجات والمناطق  والاسواق ادى الى افراز جماعة بعينها، هم التجار والمرابون، المتخصصون فقط بالتجارة والاقراض والربا. وأبرز وأثبت جماعة تجارية ــ ربوية ظهرت تاريخيا هي الجماعة التي اتخذت اسم اليهود، الذين تخصصوا في امتلاك النقود واستخدامها في التجارة والاقراض والربا، اي بممارسة الوظيفة او النشاط الرأسمالي، قبل تحوله الى نظام اجتماعي سائد ما بعد القرون الوسطى. وقد اطلق العلامة  الانسكلوبيدي المصري عبدالوهاب المسيري على هذه العملية توصيف "الحوسلة الرأسمالية لليهود" (الحوسلة: اي التحول الى وسيلة وظيفية، وهي عبارة مركبة نحتها عبدالوهاب المسيري) ويعني بذلك تحول اليهود الى جماعة يقوم وجودها على اداء الوظيفة الرأسمالية (التجارية ــ الربوية)، وليس على اي انتاج اخر. ومن خلال الممارسة الطويلة للتجارة والاقراض والربا، اكتشف اليهود الاهمية المميزة للعملة (النقود)، بوصفها سلعة يحتاجها جميع منتجي ومستهلكي جميع السلع الاخرى، اي انها سلعة تقف  فوق جميع السلع؛ واكتشفوا بالتالي الاهمية المميزة لهم كمالكين للنقود، اي "مالكي سلعة مميزة" يقفون بها فوق جميع مالكي السلع الاخرى. وهذا هو المفتاح الاجتماعي ــ الاقتصاي ــ الذهني ــ الايديولوجي ــ الديني ــ العنصري لفكرة الـ"يهوه" (اله الالهة والفوق جميع الالهة) وفكرة "شعب الله المختار" = اي مالكو النقود، الرأسماليون، التجار والمرابون.

وليس من الصدفة ابدا ان اعظم عالم اجتماع واقتصاد سياسي، الذي قدم اعظم تحليل وتشريح للنظام الرأسمالي، كارل ماركس، هو يهودي الاصل؛ لان البيئة اليهودية ساعدته في فضح "اليهوه" و"اليهودية" من داخل "الهيكل" بالذات. والكتاب الضخم لكارل ماركس "رأس المال" الذي انجزه في 1867 يعتبر حتى الان من اهم الكتب عالميا. وفي مقالته "حول المسألة اليهودية" عام 1844 يقول ماركس ان اليهودية "نجحت" في "تهويد" المجتمع، ويعني: انها نجحت في "تحويل المجتمع الى مجتمع رأسمالي". وردا على شعار المطالبة بـ"تحرير اليهود"، يقول كارل ماركس ان "تحرير اليهود" يكون في "التحرر منهم"، وهو لا يعني طبعا القضاء جسديا على المولودين يهودا كما فعل هتلر، بل يعني: التحرر من النظام الرأسمالي، الذي "تحوسل" به اليهود.

2ـ اليهود والعرب واجدادهم الكنعانيون:

أ ــ تقول الابحاث التاريخية ان اسطورة "سفر الخروج" (من التوراة) ترجع الى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وبحسب تلك الاسطورة فإن اليهود، وبطلب من موسى التوراتي، اقترضوا من المصريين كل ما يمكن اقتراضه من ذهب وفضة وأوانٍ والبسة ومأكولات (اي انهم نصبوا على المصريين) وفروا جماعيا الى سيناء بقيادة موسى التوراتي. وبعد ان تاهوا في الصحراء 40 سنة، قاموا بقيادة يشوع بن نون بمهاجمة "ارض كنعان" (بدءا من اريحا)، وذلك عملا بوصية "يهوه" لهم بأن تكون "ارض كنعان" ارضا لهم، بما فيها من "مزارع لم يزرعوها، وبيوت ومدن لم يبنوها"، ولهذه الغاية ان يبيدوا ابادة تامة كل اصحاب تلك الارض "الكنعانيين النجسين". اي ان الـ"يهوه" يعترف بأن تلك الارض لم تكن "ارضا بلا شعب" تعطى "لشعب بلا ارض"... ولكن "يهوه" غضب على سكانها الاصليين (الكنعانيين) لاسباب لا يعلمها الا الـ"يهوه" ومخترعوه اليهود. وهذا يعني ــ وبحسب التوراة اليهودية ذاتها ــ ان اليهود حتى حينما دخلوا قديما الى فلسطين، انما دخلوها  غزاة، مستعمرين، مغتصبين، جزارين ومرتكبي جرائم ابادة جماعية، ضد اصحاب الارض الكنعانيين، وبعد ان احتالوا ونصبوا على المصريين ونهبوهم بنصيحة ومشورة نبيهم موسى التوراتي.

ب ــ في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد خرجت اليسار من المدينة ــ الدولة صور، ووضعت حجر الاساس لقرطاجة، التي تحولت في بضع مئات من السنين الى دولة كنعانية متطورة حضاريا وغنية شملت مناطق واسعة في شمال افريقيا واسبانيا وصقلية وسردينيا وغيرها من الاراضي الاوروبية. وقد انتقل قسم كبير من التجار اليهود من المشرق الى قرطاجة وانتشروا في ظل القرطاجيين حيثما انتشروا. وحينما نشأت روما كدولة تقوم على الحروب التوسعية والنظام العبودي، اصطدمت بشدة مع دولة قرطاجة، التي كانت تمثل حالة انتقالية من مرحلة "نظام المشاعية البدائية" الى مرحلة "نظام العبودية"، وكان القسم الاكبر من سكانها لا يزالون "منتجين احرارا" هم الذين قاتلوا ضد روما. وكان قسم كبير من التجار اليهود قد انتقلوا من المنطقة القرطاجية في اسبانيا وصقلية الى روما وايطاليا، وصاروا يرافقون الجيش الروماني في حروبه، ليشتروا منه الاسرى بعد المعارك، ثم يبيعونهم كعبيد. وفي 146 قبل الميلاد، حينما دمر اليهود قرطاجة وقتلوا 300 الف من سكانها واسروا عشرات الالوف منهم، كان تجار العبيد اليهود جاهزين لشراء اولياء نعمتهم السابقين، القرطاجيين الكنعانيين، والمتاجرة بهم كعبيد.
هؤلاء هم "اولاد عمومتنا" اليهود!

ج ــ وفي الربع الاول من القرن العشرين اضاف اليهود الى "وعد يهوه" "وعد بلفور" الاستعماري، ودخلوا مرة اخرى الى فلسطين غزاة، فاتحين، وقتلة ومستعمرين.

د ــ بعد تدمير قرطاجة في 146ق.م احتل الرومان مصر وفلسطين وكامل سوريا (الفينيقية) في القرن الاول قبل الميلاد، وضموها الى امبراطوريتهم. ودخل التجار اليهود وخصوصا تجار العبيد الى الاراضي المحتلة الجديدة، في ركاب الجيش الروماني. اي انه بعد 1200 سنة من غزوة يشوع بن نون "اليهوهية"، غزا اليهود مرة ثانية فلسطين بمعية جيش الاحتلال الروماني. وقد منح المحتلون الرومان اليهود حقوقا وامتيازات خاصة في الادارة الرومانية. وفي تلك الحقبة ظهرت في سوريا وفلسطين ومصر "اخويات" سرية كانت تقول بمجيء "المسيح المخلص"، وتطرح مفاهيم اخلاقية ــ دينية معادية للفسق والفساد والاستغلالية والظلم والعبودية، لدى الارستقراطية اليهودية والنظام الاحتلالي الروماني. ومن هذه الاخويات كانت "الطائفة الاسينية" (التي تنسب اليها "لفائف قمران" او "لفائف البحر الميت")، وكان من ابرز شخصياتها يوحنا المعمدان الذي كان يعمّد المنتسبين، كطقس للتطهير الديني، في مياه نهر الاردن. وتقول الرواية المسيحية ان المسيح ذاته ذهب وتعمّد على يدي يوحنا المعمدان في نهر الاردن. وقبل ذلك، وحين ولد يسوع المسيح في بيت لحم، ذهب الرعاة الفلسطينيون، بوحي من الملائكة، وسجدوا له قبل ان تظهر الرسالة. وحينما علم الارستقراطيون اليهود بميلاد المسيح، ولم يكونوا يعرفون في اي عائلة بالتحديد، تآمروا مع الرومان لقتل الوف الاطفال في بيت لحم وفلسطين بهدف ان يكون المسيح المولود من بين القتلى. ولكن العائلة المقدسة (يوسف ومريم والطفل يسوع) كانت قد هربت الى مصر متخفية، بمساعدة "الاخويات" (المؤمنة بمجيء "المسيح" قبل ظهور الرسالة المسيحية). وفيما بعد تآمر الارستقراطيون اليهود مع الرومان لقطع رأس يوحنا المعمدان، كما اعتقلوا يسوع المسيح وحاكموه دينيا في المجلس اليهودي الاعلى (الهستدرين) وحكموا عليه بالموت وسلموه للرومان لمحاكمته مدنيا ايضا وصلبه. وحسب الرواية المسيحية فإن المسيح ومريم العذراء ويوسف النجار ومريم المجدلية وتلامذة المسيح وبولس الرسول والكثير من المسيحيين الاوائل كانوا  يهودا بالمولد.

هـ ــ  حينما وطئت قدما طارق بن زياد ارض شبه الجزيرة الايبيرية في عام 711م ووضع الاساس لبناء المنارة الحضارية للاندلس العربية ــ الاسلامية، كان التجار اليهود موجودين هناك من ايام القائد القرطاجي هملقار برقة (والد الاسطوري هنيبعل) منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وقد استفاد اولئك اليهود من معرفتهم وسهولة تعلمهم للغة العربية، ومن "شرقيتهم" وعلاقاتهم مع يهود شمال افريقيا ومصر والمشرق العربي وايران والمناطق الاوروبية الاخرى، ومن امتلاكهم للثروات من تجاراتهم ولا سيما تجارتهم بالعبيد في ايام الامبراطورية الرومانية، ــ استفادوا من كل ذلك للحصول على النفوذ والمكانة المميزين في الامارات العربية الاندلسية، ومن ثم للسيطرة على التجارة الدولية البرية والبحرية في جميع الاراضي العربية والاسلامية من الاندلس حتى سور الصين. وكانت اهم تجارة لهم هي التجارة بالبشر: العبيد والجواري والغلمان والخصيان. وبهذه التجارة حقق اليهود هدفين كبيرين:

الاول ــ الحصول على ثروات فلكية.

الثاني ــ التسميم الخلقي والسياسي للجسم الاجتماعي العربي ــ الاسلامي، ورميه في وهاد الانحلال والتهتك والتفكك، والسقوط بسهولة تحت سنابك الغزاة والمغتصبين: الصليبيين والمغول والتتار، والاكراد الايوبيين والطورانيين والمماليك والعثمانيين.
وكانت الارستقراطية التجارية اليهودية دوما تتكيف مع جميع الغزاة والمغتصبين، حتى حينما يتم التضحية باليهود "الصغار" والعاديين.

3ـ الخزر وروما والروس الاورثوذوكس:

ان "سيلوس العراقي" وغيره من المثقفين "اليساريين المزيفين"، ومن الليبيراليين الغربيين، واليهود الصهاينة، يضعون العداء الروسي القديم لليهود وللغرب الكاثوليكي ــ البروتستانتي، تحت دائرة الاتهام بـ"معاداة السامية"، والتعصب الشوفيني الروسي ــ الاورثوذوكسي، والولاء للحكم المطلق والقيصري، و"العداء للدمقراطية". ولكن الوقائع التاريخية تسقط هذه الاتهامات المفبركة والمغرضة، وتسلط الضوء على الاسباب الحقيقية لهذا العداء، والتي تدخل ضمن دائرة النضال ضد العبودية ومسخ وتشييء او حيونة الانسان وتحويله الى سلعة تباع وتشترى. ونحاول فيما يلي ان نلقي الضوء على الجانب الرئيسي لاسباب هذا العداء الروسي لليهودية والغرب:

أ ــ بعد ان دمرت قرطاجة، العقبة الرئيسية التي كانت امامها، اجتاحت الامبراطورية الرومانية افريقيا الشمالية ومصر والمشرق العربي واسيا الصغرى والبلقان وسواحل البحر الاسود وغالبية الاراضي الاوروبية، ولكنها توقفت عند حدود ما اصبح يسمى فيما بعد روسيا، بسبب الطبيعة القاسية لتلك الارض والمقاومة الشرسة لسكانها الذين كانوا يسمون "سلاف" او "سلافيين" (Slavs) من الجذر اللغوي "سلوفو ــ slovo" (الكلمة) او "سلافا ــ slava "  (المجد). ولكن طوال مئات السنين، وحتى سقوط الامبراطورية الرومانية، بما في ذلك بعد تحولها الى المسيحية بصيغتها الكاثوليكية ومؤسستها الاكليروسية البابوية، كان الرومان واتباعهم يغزون  الاراضي الروسية ويأسرون الرجال الروس (السلافيين) الاشداء والنساء الروسيات (السلافيات) ويبيعوهم عبيدا وجواري للسادة الرومان، الذين كانوا اولا وثنيين، ثم تحولوا الى الكاثوليكية. وبمرور الزمن اصبحت كلمة "سلاف"  (slave) بجميع اللغات الاوروبية الغربية تعني (العبد). (تماما كما في بعض التراث العنصري اللغوي العربي صار ينظر الى الانسان اسود البشرة بأنه "عبد" ـ حتى الشاعر العظيم المتنبي حينما هجا كافور، وصفه بالعبد لا لشيء الا لانه كان اسود البشرة). اي ان روما، الوثنية فالكاثوليكية (ومتحورتها  البروتستانتية) تعاملت مع الروس بوصفهم "عبيدا"، ومع الارض الروسية بوصفها "مقلعا للعبيد". في حين ان الروس يعتبرون انفسهم اصحاب "كلمة" slovo  و"مجد" slava (اصحاب موقف وعزة نفس!). هذا هو السبب التاريخي الاساسي، للنفور الوجداني الدفين لدى الروس، الذي يرضعونه مع حليب امهاتهم، حيال الغرب واوروبا الغربية.

ب ــ ومن المعروف تاريخيا ان روسيا تبنت المسيحية في اواخر القرن العاشر، على ايدي الامير فلاديمير الاول. وقد تبنت حينها الصيغة او المذهب الاورثوذوكسي. فلماذا؟

من السذاجة الاعتقاد ان ذلك الامير الوثني الاصل قد تبحّر في العلوم الدينية واللاهوت المسيحي واختار الاورثوذوكسية، لافضليات دينية وفلسفية وطقوسية. بل انه، والشعب الروسي معه، اختاروا الاورثوذوكسية لسبب منطقي تماما، و"بسيط" تماما، وهو ان روما كانت كاثوليكية. ولو كانت روما اورثوذوكسية، لكان الروس اختاروا الكاثوليكية. اي ان الروس اختاروا الموقف المعادي لروما العدو القديم الذي كان يستعبد ويذل ابناء وبنات الشعب الروسي، ويقول ان الروس ليسوا شيئا آخر سوى عبيد.

ج ــ في منتصف القرن السابع الميلادي تأسست "مملكة الخزر" الطورانيين في سواحل بحر قزوين في محيط مصب نهر الفولغا الروسي. وكان المصدر الاقتصادي الرئيسي لهذه المملكة هو غزو اراضي الروس (الوثنيين حينذاك) وبلغار الفولغا (المسلمين حينذاك)، ونهب مقتنياتهم واسر الرجال والنساء منهم وبيع المنهوبات والاسرى (كعبيد وجواري) للتجار اليهود العرب. وفي كتابه "رسالة ابن فضلان" (من منشورات وزارة الثقافة السورية)، الذي يصف فيه رحلته الى المنطقة كسفير للخليفة "المقتدر بالله" سنة 921م، يكتب احمد بن فضلان عن إيتل، عاصمة مملكة الخزر، انها كانت مقسومة الى حيين: حي للملك ونسائه وحاشيته واتباعه، وحي ثان "اسلامي" يتزعمه رجل تركي يدعى الغز. ولا يتدخل احد في شؤون ذلك الحي، الذي كان يأتي اليه "التجار المسلمون"(؟) ويقضون اشغالهم ويرحلون بتجارتهم. ولم يجرؤ احمد بن فضلان ان يدخل ذلك الحي ويقابل أولئك التجار، لانه في قرارة نفسه كان يعلم علم اليقين انهم لم يكونوا عربا مسلمين، بل يهودا، واذا كتب عنهم وعن طبيعة تجارتهم بالمنهوبات وبالبشر، فإن حياته هو وجميع افراد عائلته في بغداد ستكون في خطر. ومن خلال هذه العلاقة المصلحية الاساسية بين الخزر والتجار اليهود العرب (العبرانيين) تحول ملك الخزر وقبائله الهمجية الى الديانة اليهودية. والخزر الطورانيون الآريون (وغير الساميين كاليهود العبرانيين) هم بالضبط من يسمون اليهود الاشكينازيم او اليهود الغربيين، ويشكلون اكثر من 90% من يهود العالم. وكانت القيادة اليهودية العالمية تخطط لتقوية المملكة الخزرية ولاضعاف الدولة العربية الاسلامية من داخلها، تمهيدا لانقضاض مملكة الخزر اليهودية عليها، واعادة تأسيس  "مملكة داود وسليمان" فوق جماجم العرب والمسلمين. ولكن الروس لم يمهلوهم. فقد تأسست اول امارة روسية في مدينة نوفغورود سنة 962. واول "قرار دولة" اتخذته تلك الامارة هو مهاجمة "مملكة الخزر" والانتقام منهم ووضع حد نهائي لهم. فشن الامير سفياتوسلاف الأول حملة عسكرية اقتحمت مدينة إيتل عاصمة خزاريا، ودمرها تدميرا كاملا، ولم يعثر الاثريون على اثر لها حتى الان، ويفترض انها كانت موجودة في موقع مدينة استراخان الحالية. وبعد هذه المعركة منع الروس اليهود الخزر من السكن في محيط بحر قزوين ومصب نهر الفولغا، ومنعوهم من الدخول الى كل المدن الروسية، حيث اضطروا للعيش في الارياف فقط، وقد هاجر قسم كبير منهم الى بولونيا الكاثوليكية التي تحالفوا معها ضد روسيا، ببركة الفاتيكان.

د ــ ان العبيد والجواري الروس في الامبراطورية الرومانية لم يكونوا في الغالب اطفالا رضعا بل رجالا ونساء يافعين وراشدين يرون ويعون ما يدور حولهم، وبالتأكيد انهم عملوا لايجاد اتصال مع اهاليهم وبني قومهم واطلاعهم على احوالهم ومآسيهم. وكان هؤلاء البؤساء يرون ان مفاتيح تجارة العبيد في الامبراطورية الرومانية، كما لاحقا في الامارات العربية والاسلامية، كانت بأيدي تجار العبيد اليهود؛ وان الجلادين والنخاسين والقوادين الذين كانوا يقومون بوظيفة تعذيب الاسرى وتجويعهم واذلالهم والاغتصاب الوحشي للاسرى ممن الفتيات  والفتيان، لتحطيم انسانيتهم وترويضهم و"تدريبهم" كي يصبحوا عبيدا وجواري وغلمانا اذلاء صاغرين، كانوا ايضا من اليهود، الذين ينظرون الى كل من هو غير يهودي على انه "غوييم" ودون ـ انسان.

وطبعا ان هذه التراجيديا الانسانية، التي كان ابناء وبنات الشعب الروسي ضحيتها، كانت تحفر عميقا في وجدان الشعب الروسي، وتترسخ حتى في "اللاوعي" لدى الروس، وهذا هو احد اهم منابع "القرف" و"الخوف" الشعبي الروسي من اليهود.

***

ومن الجدير بالذكر انه حتى هذا التاريخ لم تصدر القيادات اليهودية والمحاكم الاوروبية والاميركية ومحكمة العدل الدولية القرارات الضرورية، ببطلان محاكمة المسيح والحكم عليه بالموت، من قبل الهستدرين الديني اليهودي والمحكمة المدنية الرومانية، وبادانة تجارة اليهود بالعبيد القرطاجيين والروس وغيرهم.

وكل هذا يعني انه ليس المسيحيون والمسلمون، وليس الكنعانيون والاقباط وسائر العرب، وليس الروس الاورثوذوكس، هم "اعداءً للسامية والدمقراطية"، بل ان قتلة اطفال بيت لحم وقتلة يوحنا المعمدان ويسوع المسيح، وغزاة فلسطين من عهد يوشع بن نون الى اليوم، وتجار العبيد والجواري والغلمان من الاسرى القرطاجيين والروس، البؤساء، المغدورين والمظلومين، هم هم "اعداء الفلسطينيين والعرب والروس والمسيحيين والمسلمين والبشر اجمعين".

والمنطق الاخلاقي والحقوقي والانساني يوجب على كل يهودي اليوم ان يجيب على السؤال الوجودي التالي: هل ان اليهود هم بشر ككل البشر؟ ام انهم ليسوا اكثر من عصابة نازيين ــ رأسماليين يضعون انفسهم فوق جميع البشر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب لبناني مستقل

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية