أوراق إستراتيجية » لبنان على مفترق الخروج من دائرة الهيمنة الاميركية

صوفيا ـ جورج حداد

كانت الحملة العسكرية الفاشلة لنابوليون على مصر بمثابة حجر كبير ألقي في مستنقع القرون الوسطى الذي أناخ على الشرق العربي بأوزاره واستبداده وتخلفه حوالى تسعة قرون، أي منذ عهد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الغزاة الصليبيين، ليحل محلهم، والذي عمد الى إبادة جميع الفاطميين، رجالًا ونساءً وكبارًا وأطفالًا وحتى الرضّع، وقضى على مكتبة "دار الحكمة" (التي كانت تضم مئات الالوف من نفائس الكتب، وكانت ارقى جامعة في العالم في ذاك الزمن)، وفتك بالمصريين وقتل منهم 50 الفا، وفي بعض الروايات التاريخية 250 الفا، ومنع تجنيد العرب في الجيش، واستقدم المماليك القوقازيين والشركس، الذين اشتراهم بأموال المصريين أنفسهم، ليحكم بهم، ويمكّنهم من رقاب المصريين وكافة العرب (راجع الكاتب المصري يوسف زيدان).

وكانت حركة محمد علي باشا ضد العثمانيين وبقايا المماليك من نتائج حملة نابوليون. وقد أدت حملة ابرهيم باشا المصري، ضد العثمانيين في المشرق في 1931، الى زعزعة الركود في سوريا ولبنان. وانطلاقًا من مفاعيل هذه الحملة اندلعت الأحداث التي أدت أخيرًا الى إنشاء متصرفية جبل لبنان ذات الإستقلال الذاتي، كما أدت الى هدم أسوار مدينة بيروت وتوسيعها وتطورها تجاريًا وثقافيًا وسياسيًا، مما آل إلى تحويلها في 1888 إلى ولاية منفصلة تابعة مباشرة للاستانة.

وقد استمر الحكم العثماني للمناطق التي تشكل منها "لبنان الكبير" (ولاية بيروت، ومتصرفية جبل لبنان، وأقضية عكار والبقاع وراشيا وحاصبيا والجنوب التي كانت تابعة لولاية دمشق) حتى نهاية الحرب العالمية الاولى في 1918.

وخلال العهد العثماني لم تكن توجد عملة ورقية (ممثلة للقيمة الذهبية)، بل كانت العملات الذهبية والفضية المتداولة "قيمتها منها وفيها". أي أنه لم يكن بالامكان سرقة الجماهير الشعبية المظلومة بالهندسات المالية كما جرى ويجري اليوم  في عهد "دولة" حاكم البنك المركزي اللبناني. وكانت السلطة العثمانية تحصل على الضرائب والرسوم بالعملة المعدنية المتداولة. وتقول الدراسات الأكاديمية أن "التوازن الاقتصادي" في "متصرفية الجبل" و"ولاية بيروت" كان يعتمد على ثلاثة عوامل هي:

1ـ التحويلات الذهبية الخارجية (من المغتربين، ومنح الارساليات الخيرية والتعليمية، والتوظيفات، الاجنبية).
2ـ حرية استيراد بيض دود القز من أوروبا، وبالمقابل تصدير الحرير بكل أشكاله.
3ـ استيراد الحنطة والحبوب من الداخل السوري من دون قيود.
وهي كلها عوامل خارجية اذا تلقى اي منها ضربة خطيرة فسيؤدي ذلك الى كارثة عامة.

ومع تكبد العثمانيين للهزائم، واندلاع ما يسمى "الثورة العربية الكبرى" بقيادة الشريف حسين بن علي وأبنائه ومعهم طبعًا "لورنس العرب"، ووقوف غالبية سكان المناطق العربية (بما فيها متصرفية جبل لبنان) ضد السلطنة العثمانية، وإدراك العثمانيين لقرب نهاية عهدهم الذي استمر 400 سنة، عمد الحاكم العسكري التركي جمال باشا السفاح الى إعلان الأحكام العرفية، وألغى الإستقلال الذاتي لمتصرفية جبل لبنان، ونصب المشانق للمثقفين العرب الأحرار، وفرض التجنيد الإجباري على العرب، وصادر الحنطة والمؤن، وضرب الحصار على المناطق اللبنانية، ومنع توريد الحنطة والحبوب الى جبل لبنان، مما تسبب بالفقر المدقع والفظيع لغالبية السكان، والمجاعة الكبرى، وانتشار الأوبئة، وهلاك مئات الالوف من اللبنانيين. وكل ذلك بهدف اخضاع السكان واجبارهم على الاستسلام للسلطنة العثمانية.

ولكن كل هذه المظالم لم تُجْدِ الجزارين العثمانيين نفعًا، بل على العكس تمامًا كانت نذيرًا بالسقوط النهائي للمرحلة القروسطية السوداء من تاريخ لبنان والشرق العربي بأسره، ونعني بها مرحلة "الإستبداد الشرقي" المتتابع: الايوبي - فالمملوكي - فالعثماني.

ولكن للأسف الشديد (اذا كان يصح الأسف في حضرة التاريخ) فإن قوى "الثورة العربية!" لم تكن تمتلك الوعي والقدرة والجماهيرية، الكافية، لأجل فرض مشروع اقامة دولة عربية مستقلة موحدة. بل إن قيادة "الثورة!"، ممثلة بالشريف حسين، كانت تستجدي المطالب والتمنيات العربية من الحلفاء الأوروبيين المنتصرين، المعادين للسلطنة العثمانية، وهو ما تكشفه بشكل مخزٍ ما يسمى "مراسلات الحسين ـ مكماهون" (المعتمد البريطاني في مصر (1915-1917).

وطبعًا لم يكن همّ الدول الاستعمارية الغربية تحرير الشعوب المظلومة من براثن السلطنة العثمانية، بل الحلول محلها وتقاسم "ممتلكاتها" السابقة.
وبموجب "اتفاقية سايكس ـ بيكو" الاستعمارية اللصوصية (كما وصفها في حينه الثوريون الشيوعيون الروس بقيادة لينين، وهم الذين فضحوا تلك الاتفاقية السرية المشؤومة) كانت سوريا، بما فيها متصرفية الجبل وولاية بيروت وباقي المناطق التي ضمت لاحقًا الى "دولة لبنان الكبير" لصاحبها الجنرال غورو، ــ كانت من حصة المستعمرين الفرنسيين.

وهكذا ــ وكما يقول امين الريحاني ــ خلصنا من استغلال البشلك، ووقعنا في استغلال الفرنك؛ خلصنا من استعمار السوط، ووقعنا في استعمار المدفع؛ خلصنا من استبداد عبدالحميد، ووقعنا في استبداد دي مارتيل (المفوض السامي الفرنسي؛ وقالها له الريحاني في وجهه مباشرة في 1934 ونفي حينذلك الى العراق).  

ولكن من وجهة نظر تاريخية عامة فإن الانتقال من مرحلة الاستعمار الشرقي المتخلف الى مرحلة الاستعمار الغربي العصري، بكل مآسيه (وعلى رأسها المأساة الفلسطينية)، شكل نقلة نوعية في تاريخ المنطقة العربية، إذ نقلها من ركود عصر القرون الوسطى الى ديناميكية الازمنة الجديدة، واعاد إدخال هذه المنطقة العريقة، وإن من الباب الخلفي، الى سياق التاريخ العالمي وقضايا العصر.

وبعد فرار الولاة والباشوات الاتراك وانهيار الحكم العثماني المتوحش كبناء من كرتون، نشأ في مختلف المناطق "اللبنانية" العتيدة ثلاثة تيارات:
الاول ـ وهو التيار الاكبر، وكان يضم السنة والشيعة وغالبية الدروز والروم الارثوذكس والروم الكاثوليك وقسم كبير من الموارنة، وكان يؤيد المحافظة على الوحدة مع سوريا ويدعم الحكومة العربية بقيادة الفيصل بن الحسين التي اعلنت في دمشق.

الثاني ـ تيار انعزالي مسيحي ـ لبناني، كان يضم قسما من الموارنة، ويؤيد انشاء "لبنان صغير" مسيحي ـ درزي في الجبل، يشكل فيه الموارنة الاكثرية.

وثالثا ـ التيار المؤيد للمشروع الاستعماري الفرنسي لانشاء "لبنان الكبير"، وكانت تتبناه البطريركية المارونية، ويدعمه سرا اكثر منه علنا، قسم كبير من البرجوازية التجارية السنية (خصوصا البيروتية) التي انتعشت واستفادت جدا من التعاون  التجاري والمالي مع فرنسا واوروبا بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع  عشر، وكانت تعول كثيرا على جعل بيروت عاصمة للبنان الكبير ومركزا تجاريا وماليا رئيسيا للداخل السوري والعربي وحتى ايران وتركيا.

اي ان مشروع "دولة لبنان الكبير" كان هو الأقل شعبية في جميع الاوساط الطائفية "اللبنانية". ولكن فرنسا الاستعمارية طرحت وتبنت هذا المشروع، لانه يدمج بين رغبة الانعزالية المارونية في الانفصال عن سوريا، وبين المطامح الطبقية بعيدة المدى و"بعيدة النظر" للبورجوازية التجارية السنية "المتلبننة". ولأنه اساسا يلبي رغبة فرنسا واوروبا الاستعماريتين في اضعاف المنطقة العربية عن طريق تجزئتها على اساس طائفي ومناطقي.
وبعد معركة ميسلون في اواخر تموز 1920 (التي سقط فيها حوالى 400 شهيد من المتطوعين السوريين على رأسهم البطل القومي يوسف العظمة، و42 قتيلا من الجيش الفرنسي) جمع المفوض الفرنسي الجنرال غورو في قصر الصنوبر في بيروت في 30 اب من السنة ذاتها اعيان بيروت وجبل لبنان، وجلس بين البطريرك الماروني والمفتي السني، واعلن تأسيس "دولة لبنان الكبير"، قائلا لهم حرفيا: "ان الفتية الفرنسيين الذين قدموا حياتهم في سهل ميسلون هم عرّابو استقلالكم!" (هذا مع العلم ان غالبية الجنود كانوا من السنغاليين الذين بالكاد كانوا يتكلمون الفرنسية!).
وخلال مرحلة الانتداب بدأ الانتقال من مرحلة النظام الاقتصادي ـ الاداري الاقطاعي الراكد، الى مرحلة النظام الرأسمالي البدائي. وتم انتشار الجمعيات الخيرية والمدارس والمعاهد التعليمية، الوطنية والاجنبية، الخاصة والرسمية، الطوائفية والاهلية، وبناء المستشفيات، وتم مد وتزفيت شبكة من الطرق، والسكك الحديدية، ومد الكهرباء وانابيب المياه ومجارير الصرف الصحي، وتطوير المرفأ، وانشاء المطار، وبناء صناعات استهلاكية، وخاصة زراعة وصناعة التبغ والمواد الغذائية والنسيج والالبسة. واهم ما جرى، من وجهة نظر اقتصادية، هو تطوير قطاع المصارف وتأسيس "بنك سوريا ولبنان" واصدار الليرة الورقية "السورية ـ اللبنانية"، وكانت مكفولة من البنك المركزي الفرنسي بقيمة 20 فرنكا فرنسيا (اي ان الفرنك كان يعادل 5 قروش من 100 قرش لليرة اللبنانية ـ السورية الواحدة. وحتى اليوم لا تزال عبارة فرنك في سوريا ولبنان  تعني 5 قروش. مع ان القروش قد خرجت من الاستعمال منذ سنوات بعيدة لانها لم تعد لها اي قيمة).
ولا بد من التأكيد هنا على الاهمية الخاصة، والخطورة، لاصدار العملة الورقية وتعميم وترسيخ تداولها، اذ ان قيمة هذه العملة وقدرتها الشرائية صارت مرتبطة بتقلبات السوق الداخلية والعالمية، والاعيب البنوك والبورصات، والسياسة المالية للدولة، التي صار بامكانها التحكم بحياة عامة الشعب، وسرقته متى ارادت، عن طريق التحكم بالاصدار وبسوق العملات.
وخلال مرحلة الاحتلال العسكري والانتداب المباشر، ولكي تؤسس "شعبية" للدولة الجديدة المفروضة فرضا على "الشعب اللبناني"، وبالتعاون الوثيق مع البرجوازية "اللبنانية" الذيلية والعميلة، ومع عائلات الاقطاع السياسي، وبعض المراجع الدينية النافذة، من جميع الطوائف، استطاعت السلطة الاستعمارية الفرنسية ــ مدعومة من قبل الغرب الاستعماري ــ ان تؤسس لـ"الشعب اللبناني" دولة "تعايش طائفي ملغوم" و"دمقراطية توافقية طائفية مسمومة" تقوم بكليتها (من اصغر حاجب الى رئيس "الجمهورية" على "الاسس التكوينية" التالية:
-1- المحاصصة الطائفية الالزامية.
-2- الاستزلام للقيادات والزعامات الطائفية والتقليدية المرتبطة بالسلطة الاستعمارية.
-3- الفساد والرشوة والمحسوبية والزبائنية .
-4- الخيانة الوطنية للدولة (بصرف النظر عن الميول السياسية الشخصية لأي مسؤول او موظف)، اي ان تحافظ الدولة، كدولة، على الولاء لفرنسا الاستعمارية، واستطرادا للغرب الاستعماري.
ولاستيعاب التعدد الشديد في التركيبة الدمغرافية "اللبنانية"، كان من الضروري تاريخيا تطبيق نظام سياسي ــ اقتصادي، ليبيرالي ودمقراطي شكلي، في لبنان، يكون قادرا على احتواء المبادرة الخلاقة للمواطنين "اللبنانيين"، افرادا وجماعات، وفي الوقت ذاته المحافظة على "الاسس التكوينية" ــ الطائفية، الاستزلامية، الفسادية، الخيانية ــ لـ"الكيان اللبناني"، بل و"تطوير" هذه الاسس.
ومثلما مرت مرحلة "الاستبداد الشرقي" القديم بالعهود الثلاثة (الايوبي، المملوكي والعثماني)، ولكن خلال مئات السنين، فقد مرت مرحلة الاستعمار الغربي للبنان بثلاثة عهود ايضا، هي الفرنسي، فالانكليزي، واخيرا الاميركي، ولكن خلال عشرات السنين فقط، تبعا لتغير الازمان:
-1- فمن 1918 وحتى 1946 كان الاحتلال العسكري الفرنسي (فترة الانتداب من سنة 1920 الى سنة 1943). وفي هذه الفترة كان المفوض السامي الفرنسي هو الحاكمم الفعلي المباشر للبنان الى درجة تعيين وعزل رئيس الجمهورية ذاته  والوزارات والتحكم بالدستور والقضاء والمؤسسات العسكرية وكل شيء.
-2- خلال الحرب العالمية الثانية احتل النازيون الالمان فرنسا، التي سقطت الى مرتبة دولة من الدرجة الثالثة او الرابعة، وتشكلت حكومة "فرنسا الحرة" بقيادة الجنرال ديغول في المنفى في لندن، وانهار الفرنك الفرنسي، فقامت بريطانيا بكفالة الفرنك بالجنيه الاسترليني. وهكذا تحولت الليرة اللبنانية اوتوماتيكيا من كفالة الفرنك الفرنسي الى كفالة الجنيه الانكليزي. وبالترادف قام السفير الانكليزي في بيروت الجنرال سبيرز باخراج مسرحية استقلال لبنان في تشرين الثاني 1943، واستلم السلطة "اصدقاء" بريطانيا برئاسة رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح. وفي بضع سنوات فقط نجح "ابطال الاستقلال" الانكليزي في تحويل لبنان الى مزرعة او مزبلة طائفية ــ فسادية ــ خيانية تفوح الروائح الكريهة من كل جوانبها. وفي هذا العهد الكريه تم بكل خسة ونذالة اعدام المفكر النهضوي العظيم انطون سعادة، وحل الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي، ومطاردة المناضلين والمثقفين القوميين والشيوعيين والوطنيين والنقابيين، واطلاق الرصاص على المظاهرات العمالية التي استشهدت في احداها العاملة الشيوعية وردة بطرس.
-3- وفي ايلول 1952 قامت هبة شعبية سلمية ضد عهد بشارة الخوري، الذي اضطر الى الاستقالة، وتم استبداله بعميل انكليزي معروف هو كميل شمعون (الذي كان يلقب تضليلا "فتى العرب الأغر" ـ على طريقة تلقيب الجاسوس الانكليزي الشهير "لورنس العرب". وعلى قاعدة العلاقة العضوية الانجلو\ساكسونية ــ البروتستانتية ــ اليهودية للطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا وبريطانيا، بدأ في عهد شمعون النقل السلس للدولة اللبنانية من دائرة النفوذ البريطاني الى دائرة النفوذ الاميركي، وذلك خاصة بعد الفشل السياسي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956، وطرح الرئيس الاميركي حينها ايزنهاور لنظرية "ملء الفراغ"، اي إحلال النفوذ الاميركي محل النفوذ الانكليزي والفرنسي المتهافت في الشرق العربي.
والمرحلة الممتدة من اواسط خمسينات القرن الماضي حتى اليوم هي مرحلة الهيمنة الاميركية على الدولة اللبنانية، ويمكن القول انها أسوأ مرحلة من مراحل الهيمنة الامبريالية الغربية على لبنان.
ولدى قيام الانتفاضة الشعبية ضد كميل شمعون في 1958 قام باستدعاء الاسطول السادس الاميركي لحماية النظام و"الكيان اللبناني". ومنذ ذلك التاريخ دخل لبنان في دائرة النفوذ الاميركي وفي "منطقة الدولار". وصارت السفارة الاميركية هي ــ سرا وعلنا ــ "المفوضية السامية" التي تحكم لبنان، وصار الدولار هو المتحكم بالاقتصاد اللبناني.
ولكن المستعمرين الاميركيين، كما قبلهم الفرنسيون والانكليز، اصطدموا بالنزعة الوطنية ــ العروبية الراسخة، المعادية للامبريالية وللصهيونية، لدى القطاع الاوسع من الجماهير الشعبية اللبنانية، بمختلف طوائفها واحزابها الوطنية. وقد تجلى ذلك في الدعم الجماهيري الواسع الذي حظيت به المقاومة الفلسطينية في لبنان، بعد انطلاقتها في مطلع سنة 1965. وطرحت الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط شعاراتها وبرامجها الاصلاحية الوطنية ــ الدمقراطية، وشكلت "الجبهة الوطنية اللبنانية المشاركة للثورة الفلسطينية". وأسس الامام موسى الصدر حركة "امل" التي قامت على مبادئ الاصلاح، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والمقاومة ضد اسرائيل.
ولمجابهة الموجة الاصلاحية ــ الدمقراطية ــ الوطنية ــ العروبية ــ المقاومة، للحركة الوطنية اللبنانية، وحركة "امل" بقيادة الامام موسى الصدر، عمدت الامبريالية الاميركية واسرائيل والسعودية والطابور الخامس اللبناني الى اشعال الحرب الاهلية في لبنان، لاغراقه في النزاعات الطائفية. وجرى "تعريب" القضية اللبنانية، وتحت مظلة "قوات الردع العربية" تم اغتيال المعلم كمال جنبلاط وتغييب الامام موسى الصدر، بهدف "كسر ظهر" الحركة الوطنية بمختلف اجنحتها في لبنان. ولخنق روح المقاومة لدى جماهير الشعب اللبناني، وفك التلاحم الكفاحي اللبناني ــ الفلسطيني، تم العدوان الاسرائيلي الواسع في 1978 واحتلال ما سمي "الشريط الحدودي" حتى نهر الليطاني، ثم تم العدوان الاوسع واجتياح بيروت ذاتها في 1982. ومع "اتفاقية" إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ظنت الجبهة الاميركية ــ الاسرائيلية ــ السعودية انها "انتصرت"، واسرعت في فرض مجرم طائفي وعميل اسرائيلي مفضوح رئيسا للجمهورية. ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن اميركا واسرائيل والسعودية: فرئيس الجمهورية العميل "ذهب الى وجه ربه"، والمقاومة ضد اسرائيل "تلبننت" 100%، واشتد عودها بما لا سابق له، واضطرت قوات الاحتلال الاسرائيلي، تحت ضربات المقاومة الوطنية ــ الاسلامية، للخروج من بيروت، ثم من الجبل، واخيرا من الجنوب والبقاع الغربي في ايار 2000، ساحبة معها جيش لحد العميل، وذلك بشكل عشوائي ودون اي قيد او شرط، لاول مرة في تاريخ الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية.
وفي 2006 زجت اسرائيل بكل قوتها في  عدوان غاشم على لبنان بهدف ضرب المقاومة، كما اعتادت على ضرب وتكسير الجيوش العربية فيما مضى؛
ولاجل المزيد من الضغط السياسي ضد المقاومة، تعمدت اسرائيل توجيه ضربات في منتهىى الوحشية ضد الاهداف المدنية. فتعرضت أجزاء كبيرة من بيروت للقصف. ووفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، تم تدمير 5,000 مبنى و62 جسراً و72 معبراً و22 محطة وقود وثلاثة سدود و600 كلم من الطرق، والمنارة، ومرافئ بيروت وطرابلس وجونية، ومطار بيروت الدولي ومطار القليعات المحلي ومطار رياق العسكري، وأكثر من 150 شركة، ومحطات توليد الكهرباء والصرف الصحي، وهوائي الهواتف النقالة، ومحطة تلفزيون “المنار” العائد لحزب الله.
وانبرت السعودية والطابور الخامس وجوقة العملاء والخونة في لبنان ينوحون ويذرفون الدموع ويتهمون المقاومة بقيادة حزب الله بـ"المغامرة" والمسؤولية عن تدمير لبنان، على قاعدة "حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها" واعتبار المقاومة استفزازا وعدوانا على اسرائيل وارهابا وخرقا لـ"الشرعية الدولية".
ولكن عدوان اسرائيل في 2006 فشل فشلا ذريعا، سياسيا وعسكريا. وبرز في حرب تموز ــ اب 2006 معطى ستراتيجي جديد هو: ان اسرائيل لم تعد طليقة اليدين في شن العدوان متى شاءت، وكيفما شاءت، واينما شاءت. وان الجيش الاسرائيلي (الذي كان يوصف بأنه "لا يقهر!" يمكن ان يقهر، وقد قهر، وسيقهر ايضا وايضا!

وخلال هذه المرحلة عمدت الامبريالية الاميركية، بالتعاون مع ملوك النفط العرب، الى استخدام جميع ادوات الحرب المالية والاقتصادية، لتكبيل الدولة اللبنانية واذلال واخضاع الشعب اللبناني. وفي اعقاب مؤتمر الطائف، هبط المرحوم رفيق الحريري بالباراشوت السعودي فوق لبنان؛ وتحت شعارات التنمية المزعومة بدأت مراكمة الدين العام، الخارجي والداخلي، بفوائد عالية جدا، وقد انفق معظمه في وجوه فسادية وتنفيعات وخدمة الدين العام ذاته وتحقيق استقرار مصطنع لليرة اللبنانية. فكان اللصوص "المحظوظون" يحصلون على القروض بالدولار، بفوائد مخفضة تبلغ احيانا اقل من 3%، وفي اليوم التالي يقرضون الدولة بالليرة اللبنانية بفوائد عالية جدا تصل احيانا الى 50%، ويربحون الفارق بين الفائدتين، ويقومون بتسديد قروضهم الدولارية بالليرة اللبنانية بالسعر الرسمي المصطنع 1515، ويربحون الفارق بين هذا السعر المصطنع وسعر الدولار في اسواق الصرف الدولية الذي كان يبلغ 3000 او 4000 او 5000 ليرة، ويحولون الدولارات الى حساباتهم الخارجية.
وقد أعلن بنك الاستثمار العالمي كريدي سويس عن أن الثروة الصافية المجمّعة لدى اللبنانيين وصلت إلى 98.7 مليار دولار في نهاية حزيران 2017، (اي اقل من الدين العام الذي زاد على 100 مليار دولار). ويسيطر على هذه الثروة 3 في المئة فقط من اللبنانيين الذين يمتلكون أكثر من 100 ألف دولار. بينما  عائلة الحريري وعائلة الميقاتي وعدد من العائلات اقل من عدد اصابع اليد الواحدة تمتلك لوحدها عشرات مليارات الدولارات (ربما اكثر من نصف كل ما يمتلكه جميع اللبنانيين). ودخل اسم الحريري وميقاتي في لائحة مجلة "فوربس" الاميركية للمليارديرية اغنى اغنياء العالم.

وبفضل الهندسات المالية للبنك المركزي اللبناني، المنسقة تماما مع المراجع الاميركية، وضعت في الاقتصاد اللبناني المدولر قنبلة موقوتة هي السعر المصطنع للدولار الاميركي. فبواسطة هذا السعر تم تشجيع الاستيراد والتهريب، وخنق الانتاج والتصدير، وفي اللحظة التي يتم فيها "تحرير" سعر صرف الدولار ستنهار الاجور والقدرة الشرائية، وترتفع الاسعار بشكل جنوني، وينهار الاقتصاد برمته.
وقد ساعد الوضع الدولي والاقليمي في تلك المرحلة على تعزيز الحريرية (المالية ــ السياسية) كتعبير ملموس عن طغيان النفوذ الاميركي عالميا، والسعودي اقليميا، في تلك المرحلة (انهيار المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي السابقين، والحرب على العراق واحتلاله، واتفاقية اوسلو، والامل الوهمي بامكانية الانسحاب الاسرائيلي من الجولان ومن القدس والاراضي المحتلة في 1967 وتكوين دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل).
ولم تكتف العصابة المافياوية التي تحكمت بلبنان بواسطة الهندسات المالية، بكل ما فعلته، بل انها عمدت بعد 1917 الى الاستيلاء على ودائع اللبنانيين المودعة في المصارف. وليس لدينا احصاء بهذه المبالغ المنهوبة ولكنها بالتأكيد تقدر بعشرات مليارات  الدولارات، التي هي "قرش الارملة واليتيم" و"تحويشة العمر" وثمرة اتعاب وعذابات ومدخرات مئات الوف المواطنين المقيمين والمغتربين. وتقول احصائيات بنك اللصوصية الدولي ذاته ان 1200000 لبناني وقعوا تحت خط الفقر (قبل الازمة الحالية) منهم 360 الفا يعيشون في "فقر مدقع".
وتشير كل الدلائل الان ان محور الامبريالية الاميركية واسرائيل والسعودية، وعملاءه و"اصدقاءه" من الخونة واللصوص ومجوعي الشعب، اللبنانيين، بعد ان تمت هزيمة مشروعهم الداعشي لاعادة السيطرة على المنطقة، وبعد ان يئسوا من تركيع الشعب اللبناني بقوة السلاح، وبالحصار والضغط السياسي والمالي والاقتصادي، يريدون الان الانتقام من جماهير الشعب اللبناني بالتجويع. تماما كما فعل الاتراك في الحرب العالمية الاولى.

ولكن حسابات اميركا وعملائها هي خاطئة تماما، بكل مقاييس موازين القوى العالمية، والاقليمية، واللبنانية.

فالطابور الخامس اللبناني لم يعد بامكانه جر لبنان الى فتنة او فتن طائفية ومذهبية، لان القوى الوطنية والتقدمية، في كل طائفة لبنانية على حدة، اصبحت قادرة على تصفية الحساب بسرعة مع الطابور الخامس في طائفتها ذاتها.

وانظمة التطبيع مع اسرائيل اصبحت انظمة مزعزعة وآيلة الى السقوط. والعامل العربي والاقليمي لم يعد يسمح بارسال "قوات ردع عربية" يتم في ظلها ضرب القوى الوطنية ــ الاسلامية المقاومة.

والامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية لم تعد قادرة على التحكم يمصير اي شعب طامح الى الحرية. و"الخيار الشرقي" يطرق الابواب في لبنان والمنطقة العربية كلها.

وجماهير الشعب اللبناني، بما فيها ذلك القطاع المضلل طائفيا وسياسيا، لن تسمح بأن يموت الاطفال والنساء والرجال من الجوع لاجل حفنة من اللصوص عملاء اميركا. والافضل للاميركيين ان يخرجوا "بسلام" من لبنان، والشرق الاوسط الكبير، والشرق المظلوم بأسره، من ان تشحن جثثهم بالتوابيت الى البيت الابيض!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية