عبير بسام
ابتدأ خبر التصعيد الإعلامي بمقال نشر في الفورن بوليسي، والذي يتحدث عن الحرب القادمة والحاسمة ضد إيران. لم تكتف المجلة بالتهويل بالحرب القادمة على إيران في شهر تموز/ يوليو الماضي أي بعد حرب ال 12 يوماً بشهرين، ولكن تبنت فكرة الحرب من جديد على إيران. ولا يخرج التصعيد الذي نشهده اليوم من ارتفاع عدد حاملات الطائرات الأميركية القادمة إلى الخليج العربي وتملأ المحيط الهندي، امتدادًا إلى بحرالعرب وشواطئ فلسطين طمعًا بتأمين قدرة اكبر على ردّ الصواريخ الدقيقة. ولكن هل هو تهويل فعلياً، أم رغبة أميركية حقيقية بإضعاف إيران وهزيمتها؟
إنها بالتأكيد محطة في مسار خطة وضعت منذ أيام جابوتنسكي والتي تبني على حتمية بناء "اسرائيل الكبرى".
باتت العلاقات بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" محورًا أساسيًا في فهم الديناميكيات الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط عبر التحضير لمواجهات مستمرة مع إيران. وابتداء من الحقيقة أنّ تكثيف الضغوط أو الإجراءات العسكرية ضد خصمٍ إقليمي لا يخدم دائمًا غرض الحدّ من تهديدٍ مباشر فحسب، بل قد يخدم أيضاً أهدافًا أيديولوجية وسياسية بعيدة المدى، لذلك لا بد من قراءة وجود علاقة وظيفية بين تصاعد الضغوط والتدخلات الأميركية- "الإسرائيلية" ضد إيران من جهة، ومساعي قطاعات "إسرائيلية" سياسية وإيديولوجية لتحقيق "إسرائيل الكبرى" من جهة أخرى، لفهم كيف يمكن للسياسات الأمنية والضغوط الخارجية أن تهيئ سياقاً إقليميًا وسياسيًا يخدم الأهداف التوسعية للكيان، أو أن تعمل كغطاء سياسي يسمح بتحويل أهداف داخلية إلى واقع سلطوي أو تشريعي.
والهدف هنا أن نفهم، ولو جزئيًا، كيف يعمل الغرب من أجل تحقيق أهدافه الإستعمارية الكبرى.
الإطار الأيديولوجي والتاريخي لفكرة "إسرائيل الكبرى"
الفكرة المعروفة شعبياً بـ"إسرائيل الكبرى" ليست اختراعًا معاصرًا، بل لها جذور فكرية متباينة تمتد إلى بدايات الحركة الصهيونية. في الشكل الأولي، ظهرت تصورات تاريخية وقومية ربطت بين الهوية اليهودية والأرض باعتبارها عاملًا تأسيسيًا للشرعية الوطنية؛ بعض المبكرين مثل ثيودور هرتزل تحدثوا عن حدود سياسية تختلف عن خرائط فترة الانتداب، لكن الجذر الأيديولوجي الأكثر مباشرة لمفهوم "إسرائيل الكبرى" ارتبط بـالمدرسة الإصلاحية–اليمينية المعروفة باسم الـ"Revisionist Zionism "، التي بلورها زعيمها زئيف (فلاديمير) جابوتنسكي؛ جابوتنسكي رفض فكرة إقصاء أجزاء من أرض فلسطين التاريخية من طموح الحركة الوطنية، وارتبط اسمه بمبدأ "الجدار الحديدي" في مواجهة العرب، وبمبدأ حق قومية يهودية تشمل جانبي نهر الأردن لدى بعض اتباعه.
بعد قيام الدولة، تباينت مواقف القادة الرسميين: في حين تبنى بن غوريون من حزب العمال ومن أوائل المؤسسين لدولة علمانية صهيونية، مواقف براغماتية تميل إلى التسويات الإقليمية، بينما ظلّ جزء من القاعدة الاستيطانية والحركات الدينية–الوطنية يقدّر وجودًا أوسع للأراضي تاريخيًا ودينيًا. بمرور الزمن تطوّر الخطاب: وبعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، أصبحت السياسات العملية (بناء المستوطنات، إقرار قوانين إدارة الأراضي، تغيير تسمية الأماكن) أدوات عملية لترجمة أطروحات نظرية إلى وقائع جغرافية وسياسية. وهذا ما أوضحه بشكل جلي ميرون بينيفنستي في كتابه: المناظر الطبيعية المقدسة: التاريخ المدفون للأرض المقدسة منذ عام 1948، ونشر الكتاب في العام 2000.
ولكن أخطر الطروحات التي قدم لها بن غوريون منذ الخمسينات كانت تعتمد على بناء صداقات مع الكيان الصهيوني ليس مع الدول العربية أو دول الطوق والمقصود هنا: سوريا ولبنان ومصر والأردن، مع أنها أقامت معاهدات سلام مع مصر والأردن وحتى السلطة الفلسطينية في القرن الماضي، لكن ليس هناك علاقات حقيقية تجمعها مع هذه الدول إلا على المستوى الرسمي وليس الشعبي، لأن أية علاقات طبيعية مع هذه الدول، إن وجدت، ستؤدي إلى انصهار القادمين من اصقاع العالم للإندماج ضمن أصحاب الأرض، والقيادات "الإسرائيلية" تسعى نحو تكريس العداء مع الشعب العربي والذي تعد أراضيه جزء من "اسرائيل الكبرى"، وبالتالي ستتعامل معه بما يقتضيه الموقف خلال مسير تاريخ تأسيس الكيان العبري. وأما ما يهم هذه القيادات فعليًا، هو إنشاء صداقات مع الدول المحيطة والتي كشفت السنين الماضية مدى توغل الإحتلال في علاقاته مع هذه الدول، ونذكرها اليوم وهي الحبشة وتركيا وأذربيجان وكردستان العراق، ولاحقاً الكرد في سوريا، وعدد من الدول الإفريقية المحيطة بالمغرب والمشرق العربي، ومنها تشاد التي أعادت معها في العام 2020 بعد انقطاع العلاقات لمدة 46 عامًا.
صحيح أنه ليس هناك علاقات رسمية مع النيجر، ولكن الحركة المتبادلة من وإلى الكيان على المستوى الشعبي فهي واسعة، وأما الدولة الوحيدة، التي ترفض أية علاقة مع الكيان فهي مالي. وسيكون من المفاجئ للقارئ أن يعلم أن من عمل على قطع العلاقات مع الصهاينة، ومن خلال المؤتمر الإفريقي هي ليبيا. ولم تبدأ وتيرة تصاعد العلاقات إلا بعد سقوط نظام الرئيس معمر القذافي. وأما بالنسبة للعلاقة المميزة التي كانت بين إيران في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، فقد بترت نهائيًا منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، والتي باتت اليوم بالنسبة للكيان والولايات المتحدة تشكل الرأس في دعم المقاومات والذي يجب قطعه، ولذلك فإن الحرب القادمة ضد إيران والتي نشهد تصعيدًا غير مسبوق في الدعوة لها، فقد باتت حتمية بالنسبة ليس ل"إسرائيل" فقط، بل لأميركا والغرب.
لا يعني الحديث عن تاريخ الفكرة بالضرورة أن هناك مشروعًا رسميًا موحَّدًا ل" إسرائيل الكبرى" اليوم؛ بل ثمة طيف فكري وسياسي، هناك التيار الديني –الوطني الذي يرى في الأرض حقًا تاريخيًّا وشرعيًّا (تفاسير دينية وسياسية). ثم هناك تيار ثانٍ قام بوضع صيغ براغماتية من القوميين الذين يربطون الأمن بالسيطرة على مرتفعات استراتيجية، مثل الجولان وقمة جبل الشيخ في سوريا. وأخيرًا هناك طرف أقصي وبات أقلية وهو ممن يدعون بالتيار الليبرالي/اليساري الذي يدعو إلى حلّين أو لتسويات إقليمية.
غير أن الأدبيات الحديثة للصهاينة في فلسطين وخارجها، تظهر أن الذاكرة التاريخية والخطاب الديني استُغلا سياسياً لبناء روايات التوسع ، والتي يتبعها بعد كل توسع تكريس الإحتلال والإستيطان من خلال (قوانين الاستيطان، خرائط التخطيط، شبكات البنية التحتية) وهي آليات لترسيخ الوقائع على الأرض. وهناك ثمّة فارق مهم يجب التأكيد عليه: أن البنية الفكرية لا تعني تنفيذًا موحَّدًا. أي أن وجود مجموعات أو أحزاب تدفع نحو استراتيجية توسعية، لا يعني أن الدولة الصهيونية برمتها معبّأة خلف مشروع واحد، هذا بالمبدأ ولكن ما نراه عملياً هو أن بيئات التشريع المحلية، والحشود الاستيطانية، والتحالفات السياسية اليمينية، قد استغلت فترات ضعف الضغوط الدولية أو الانشغال الإقليمي لترسيخ ممارسات تقترب من معاني "أرض سياسية أكبر". هذا الربط بين الفكرة والوقائع هو ما يجعل دراسة الإطار الأيديولوجي والتاريخي حاجة حيوية لفهم إمكانيات توسيع الرقعة الجغرافية أو سلطوية السيطرة.
ولتوضيح ما سبق فإن تحقيق مفهوم "اسرائيل الكبرى" مرتبط بين "التصعيد الخارجي" و"التحول الداخلي/الاستيطاني"، وذلك استناداً إلى إلى ثلاث منظورات نظرية غربية يعمل الكيان ضمن مفهومها، وهي جزء من المفاهيم الثقافية الغربية والإستعمارية والتي شجعت الإستيطان عبر قرون وليس لعقود فقط في أمريكا وأوقيانوسية، ومحاولات الإستيطان الأوروبي في إفريقيا، واليوم في فلسطين والمشرق العربي. ولا يمكن تحقيق الهدف الأخير مع وجود دولة إيران المعادية للكيان والتي تهدد أمنه على حدود دجلة والفرات.
وهذه المنظورات يمكن تلخيصها بالشكل التالي:
المنظور الأول، هو الواقعية البنوية للدول، حيث تتصرف الدول وفق موازين القوة والمصالح، وتستخدم فيها التحالفات والتداخلات العسكرية لحماية النفوذ والمصالح الاستراتيجية. من زاوية واقعية، قد تُستخدم الضغوط على إيران للحفاظ على هيمنة إقليمية أو منع تغيير هوية التوازنات التي تضمن أمن "إسرائيل" وتسهيل أهدافها الإقليمية. أو أن يكون الهدف من أية ضربة أميركية باتت محتملة هو تأمين المصالح والإستثمارات الأميركية والتي بلغت آلاف مليارات الدولارات، التي استثمرت في بناء دولة الكيان.
المنظور الثاني، لعبة التداخل ما بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، حيث يجير القادة التهديد الخارجي أو تضخيمه لتوجيه الانتباه عن أزمات داخلية أو لتعزيز شرعيتهم، ما يخلق مجالًا لإجراءات داخلية ما كان قبولها ممكناً لخلق مناخ أمني متوتر. ومن هنا يمكننا فهم الخبر الذي تصدر الإعلام يوم السبت 8/11/ 2025، حول محاولة اغتيال "السفيرة الصهيونية"، إينات كرانز- نيغر، التي "قام بها الحرس الثوري الإيراني" في المكسيك، وأحبطتها أجهزته الأمنية. وقيل أن "الحرس الثوري ينشط في فنزويلا"، بحسب مسؤولين أميركيون وصهاينة، وهنا يمكننا فهم خلفية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو السياسية، وربط أهم أسباب العملية بمعاداة الكيان والعمل ضده. كما أن الصهاينة في الكيان اليوم يحاولون إلهاء مستوطنيه بمؤامرات الخارج بسبب الأزمات الداخلية المستفحلة القادمة والتي ستواجه رئيس حكومتهم، بنيامين نتنياهو.
المنظور الثالث، الاستعمار الاستيطاني/الاستيطان كمنطق سياسي. وهو منظور يبرر المشاريع التوسعية، أسواء بالإحتلال المباشر أم غير المباشر، له جذور اجتماعية- أيديولوجية مثل الحركة الاستيطانية أو الأحزاب القومية–الدينية. ويستفيد الإستعمار من ظروف سياسية إقليمية مواتية لتثبيت مكتسباتها (قوانين، بُنى تحتية، تغيير ديموغرافي)، وهذا ما يفعله وزير حرب الكيان بتهويل مخاطر إيران ودورها، عبر التهويل بأن المقاومة في لبنان أو فلسطين هي خطر أذرع إيرانية، وبالتالي فهو يستمر بقصف البنى التحتية في لبنان وفلسطين وسورية وقتل المزيد من المدنيين. صحيح أن لا تهديدات حقيقية في سوريا اليوم، ولكن يمكنه أن يدعي أن هناك أسلحة مخبأة قد يستخدمها الناس ضد التوسع الصهيوني.
المنظورات الثلاث والحرب على إيران
من خلال هذه المنظورات الثلاث يحاول الكيان تبرير أفعاله وربط أعماله العسكرية بتغييرات ينتهجها في الداخل الفلسطيني مبرراً أفعاله أمام الرأي العام العالمي وحتى في داخل الكيان مستفيداً من السردية، التي لا تزال تحتل مكاناً في الضمير الغربي حول مجازر أوشفيتز[1]، التي اقترفها النازيون. وضمن هذه الأساسيات الثلاث يمكننا أن نستخلص ما يلي من أعمال وتهديدات يقوم بها الكيان والأميركي على حد سواء:
شرعنة الأمن كحجة للسياسة الاستثنائية: حيث يستخدم تصاعد التهديد لتبرير حالات الطوارئ، وتعليق أو تقييد أي إشراف قضائي أو حقوق مدنية، وهو ما يمكن أن يتحول إلى نافذة تشريعية لصالح سياسات استيطانية أو تغيير قواعد الحكم المحلي. وبذلك يمكن لمحاكمة نتنياهو أن تنتظر إلى الأبد، أو تبرير سيطرة الحكومة الصهيونية على استقلال القضاء. أو حتى تبرير طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من المحكمة الصهيونية الكف عن ملاحقة رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، لأن عليه خوض مرحلة "صعبة".
إعادة تحويل الأنظار بحيث يستغل قادة داخليون انشغال الرأي العام الدولي/الإقليمي بمواجهة إيران لتمرير إصلاحات أو إجراءات داخلية تفرض وقائع جديدة على الأرض، مثل(مصادقة على مشاريع إسكان استيطاني، توسيع البنى التحتية) بعيدًا عن أعين القانون الدولي.
تعزيز الشرعية الدولية- الإقليمية لتوسّعات دون مواجهة مباشرة: إذا ساهَم التحالف مع الولايات المتحدة في خلق بيئة إقليمية تشجع التطبيع مع دول عربية، وبالتالي انخفضت الضغوط الإقليمية على "إسرائيل" بخصوص سياسة الأراضي، مما يتيح مزيداً من الحرية لاتخاذ قرارات داخلية تتعلق بالاحتلال والاستيطان.
القدرة على المناورة الأمنية:من خلال الدعم العسكري والأمني الأميركي المتزايد من (أسلحة، نفط، مشاركة استخباراتية) ويتم منح أجهزة أمن الكيان القدرة على العمل بفعالية في الضفة/المرتفعات دون تحمّل تبعات دولية فورية، ما يسهل فرض وقائع ميدانية مستمرة تحول دون إقامة دولة فلسطينية متصلة.
التمكين الاقتصاد: عبر ترتيبات اقتصادية- طاقوة تتصل بالمصالح الأميركية (صفقات طاقة، عقود شركات) قد تُدفع كجزء من عملية إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، وتترافق مع شروط أو واقع سياسي يُقلِّص مساحة الاعتراض الدولي على سياسات داخلية إسرائيلية. وهنا يجب التوضيح بأن الاقتصاد، وخصوصًا قطاع الطاقة، لم يعد مجرد مجال تجاري، بل تحوّل إلى أداة نفوذ سياسي غير مباشر. فعندما تُبرم صفقات غاز وكهرباء وإعادة إعمار، وتدخل شركات أميركية أو غربية كبرى بعقود طويلة الأمد، تتكوّن شبكة مصالح اقتصادية واسعة تربط استقرار المنطقة بهذه الاستثمارات. هذه الشبكة تجعل الدول الداعمة لتلك الشركات أكثر حرصًا على حماية "الاستقرار" الذي يضمن استمرار الأرباح، وأقل اندفاعًا نحو ممارسة ضغط سياسي أو حقوقي قد يهدد هذه المصالح. وبهذا المعنى، كلما توسّعت مصالح الشركات الكبرى في منطقة ما، ضاق هامش الاعتراض الدولي على سياسات الأمر الواقع، لأن الاقتصاد يصبح أولوية تتقدّم على المواقف السياسية المعلنة.
شروط البيئة المُمكِّنة للمشروع التوسعي الإسرائيلي
لكن كما قلنا الأمر يتعلق أيضاً بعوامل مساعدة على الأرض تحرض الكيان المحتل على التهديد بالحرب ضد إيران أو أية دولة إقليمية يمكنها أن تدعم المقاومات في فلسطين، خاصة عندما يتوافر الدعم الدولي ( الغربي والأميركي) والدعم الإقليمي من دول الجوار المحيطة بإيران، والتي لها علاقات اقتصادية وتنموية قوية ومباشرة مع الكيان مثل تركيا وأذربيجان وغيرهما، حين إذ تكون العوامل المساعدة على الأرض أقوى تدفع بإتجاه "إسرائيل الكبرى" ومنها:
1- وجود نُخَب سياسية داخلية تدفع صراحة نحو توسيع السيادة (أحزاب يمينية- دينية، لوبي استيطاني قوي).
2- ضعف الضغوط الدولية المتوازنة (تراجع الفصل الدولي عن فرض عقوبات أو عقوبات سياسية جادة). وهذا ما يحدث كل مرة في الأمم المتحدة ، عبر عدم تنفيذ قراراتها المتعلقة بالكيان.
3- انقسام عربي- إسلامي داخلي يقلّل من إمكانية تنسيق إقليمي ضد خطوات أحادية.
4- وجود غطاء أميركي مباشر أو غير مباشر عبر التسامح دبلوماسي والتعاون أمني وعدم فرض أي ثمن دبلوماسي.
في هذه الظروف تتعاظم قدرة الجهات التوسعية على تحويل الضغوط الخارجية إلى فرصة لتعزيز وضعية الوقائع على الأرض، كما أن أدوات التصعيد الأميركي- "الإسرائيلي" إزدادت ضد إيران بقوة بعد العام 2020. وخلال الأعوام 2020- 2024، شهدنا ضربات مكثفة ضد المواقع الإيرانية في سوريا، والإغتيالات في داخل وخارج إيران بهدف خلق الفوضى وضرب قوتها العسكرية والنووية عبر اغتيال العلماء والقياديين في الحرس الثوري، وخاصة اغتيالات القادة في قوة القدس. كما استخدمت أدوات مختلفة للتصعيد، مثل العمل العسكري والموجه كما حدث في حرب الـ12 يوماً في حزيران/ يونيو العام الماضي، والحرب السيبرانية والمعلوماتية، والحرب الإستخباراتية، وأخيراً فرض العقوبات الإقتصادية وحبس الأموال الإيرانية، واستخدام الدبلوماسية الغربية بما يتماشى مع المصلحة الصهيونية، واستخدام عقدة أوروبا المتأزمة حول المذابح التي مورست ضد اليهود، ونحن هنا لا نتحدث عن النازية فقط، بل اوروبا بأكملها حتى في الكتابات الأدبية مارست العنصرية وحرضت ضد اليهود، ونحن اليوم في المنطقة ندفع ثمن عقدة التحرر منها، ببساطة لأن الغرب تم تسييسه ليتقبل أي عمل صهيوني ضد المنطقة بأسرها من أجل تامين أمن الكيان.
الخاتمة
ببساطة، ماتزال حتى اليوم، وحتى بعد قضية غريلاند، مصالح الغرب ترتبط بالمصلحة الأميركية الكبرى لأن اقتصاد أوروبا المبني على الليبرالية يربطها بشكل مباشر بالشركات العابرة للقارات ومركز الثقل المالي اليوم هو في نيويورك وبورصتها بالتأكيد. وأخيراً هناك العامل الإعلامي الذي يدير الدعاية في أميركا والعالم الغربي، وخاصة بعد قصف إيران الصاروخي الدقيق للصهاينة في فلسطين خلال حرب ال12 يومًا. وما شهدناه من تطور تكنولوجي في متابعة الأهداف واستخدامه خلال هذه الحرب يعكس عمق هذه القوة الخطير، والتي تمتلكها الدولتان المارقتان وتم استخدامهما في الحرب على إيران. ومما يعكس بالضرورة الحاجة الأميركية والصهيونية إلى تقويض القوة الوحيدة في غرب آسيا الداعمة للمقاومة عسكريًا.
من المهم التنبيه إلى أن استخدام هذه الأدوات يتم بصورة مركبة ومترابطة؛ فالأدوات العسكرية وحدها لا تكفي لإحداث تغيير إقليمي أو داخلي طويل الأمد، بل تحتاج إلى تكامل مع أبعاد دبلوماسية واقتصادية وسياسية. كما أن أي تصعيد واسع قد يولّد ردود فعل مضادة - عسكرية وسياسية وشعبية - ترفع كلفة أي مشروع توسعي. وقد أبرزت تقارير صادرة عن المجلس الأطلسي (Atlantic Council) ومجلس العلاقات الخارجية (CFR) ومعهد واشنطن هذه المخاطر، داعيةً إلى الجمع بين الردع وفتح قنوات دبلوماسية لتفادي الانزلاق نحو تصعيد شامل. وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين التصعيد الأميركي-"الإسرائيلي" تجاه إيران ومحاولات الدفع بمشاريع توسعية تبقى علاقة غير مباشرة ومعقدة، إذ لا يكفي التصعيد وحده لفرض مشروع متكامل من دون توافر بيئة داخلية وإقليمية مواتية. الفهم الواقعي لهذه العلاقة يتطلب قراءة تراكمية تجمع بين الشأن الأمني والديناميكية الداخلية والتحولات الدبلوماسية الإقليمية. كما أنه علينا أن نفهم أن سياسة دونالد ترامب، والتي تعتمد عقيدة المال، لا تستطيع العمل إلا بتأمين ما يلي، الممرات المائية والسيطرة عليها، وتامين الممرات البرية والسيطرة عليها، ووضع اليد على مصادر الوقود والطاقة والتحكم بتوزيعها، وأخيراً وضع اليد على المعادن النادرة وغير النادرة من أجل تامين تدفق الصناعات الصناعية والتقنية وإيران تمتلك كل ذلك، والطرق السلمية هي الفضلى بدلًا من دفع الأموال في حرب لا طائل منها.
[1] اوشفيتز، هي اسم مدينة في بولندا بنيت فيها مراكز الإعتقال لليهود والغجر على حد سواء.
2026-02-13 09:59:59