قراءات إعلامية » مراكز الأبحاث الأميركية وشراء النفوذ في واشنطن

مصطفى اللباد

ابتكرت الولايات المتحدة الأميركية فكرة مراكز الأبحاث، فكانت أول دولة في العالم تهتم بتأسيس هذه المراكز، وما زالت أميركا تتصدر دول العالم سواء بكمية أو نوعية مراكز أبحاثها. كان الغرض من تأسيس هذه المراكز المساهمة في صنع السياسات الأميركية وتأسيسها على معلومات موثوقة وتحليلات محايدة لا تخضع للأهواء الحزبية أو الأيديولوجية. على ذلك يُستدعى الباحثون في هذه المراكز البحثية الأميركية - المفترض استقلالها وتقديمها للمصالح الأميركية على ما سواها - للإدلاء بشهاداتهم أمام الكونغرس والبيت الأبيض والوزارات المختلفة في القضايا التي تمس سياسات أميركا حيال العالم، بحيث تشكل توصياتهم أساساً لتوجهات النواب والمشرعين الأميركيين. في المقابل، يعترف القانون الأميركي، بل حتى يشرّع، وجود شركات ومؤسسات ومراكز أبحاث أجنبية على الأراضي الأميركية، بشرط أن تسجل لدى الدوائر الرسمية الأميركية بوصفها كذلك وتعلن عن ميزانيتها تحقيقاً للشفافية. أتاح ذلك التمييز النظري والقانوني بين الصنفين شفافية استمرت سائدة لعقود، قبل أن تتحطم على صخرة تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً، كشفت فيه النقاب عن مدى تغلغل الحكومات الأجنبية بأموالها في توجيه مراكز الأبحاث الأميركية، وبالتالي التأثير الفعال في السياسة الأميركية لخدمة مصالحها. وبحسب تحقيقات الجريدة المذكورة، فقد أنفقت أربع وستون حكومة أجنبية مبلغا يناهز مئة مليون دولار تلقاها حوالي ثمانية وعشرين مركز أبحاث أميركيا في السنوات الأربع الأخيرة فقط. وتقدر الصحيفة الرقم الحقيقي بأعلى من ذلك بكثير، كون هذا المبلغ يشمل فقط التبرعات المعلنة لدى مراكز الأبحاث، ولا يشمل التبرعات الخفية أو غير المعلن عنها.

مراكز الأبحاث الأميركية ونشأتها
ظهرت "مؤسسة بروكنغز" للأبحاث الشهيرة أوائل القرن الماضي، وتفرعت منها مؤسستان لاحقاً هما: "كارنيغي للسلام الدولي" و"وقفية القرن العشرين"، التي أصبحت تسمى الآن "مؤسسة القرن"، والمؤسسات الثلاث تأتي ضمن الأقوى تأثيراً ونفوذاً في أميركا حتى الآن. ووفق ما قال روبرت بروكينغز، مؤسس مركز الأبحاث الشهير الذي يحمل اسمه حتى الآن: "مراكز الأبحاث هي مؤسسات تنتج الأبحاث دونما تأثير أو مصالح". ابتدأت الحكومات الأجنبية في محاولاتها للتأثير على مراكز الأبحاث الأميركية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت حكومة تايوان سباقة في هذا المجال بغرض مواجهة الصين الشعبية في واشنطن. ومع الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، دخلت المملكة العربية السعودية بقوة على خط التمويلات لمراكز الأبحاث الأميركية. ومع تنامي الوزن الاقتصادي للصين، نفذت الأخيرة أيضاً بقوة على الخط ذاته ابتداء من تسعينيات القرن الماضي، وخلال تلك الفترة انتبهت دول أوروبية شتى ودول من أميركا اللاتينية لأهمية تقديم التمويل في التأثير على السياسات الأميركية. لكن الأمور تطورت في العقد الأخير إلى درجة غير مسبوقة، تاهت فيها الفواصل العملية بين مجموعات الضغط (اللوبي) وشركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث، ما يفقد الأخيرة صدقيتها ويجعل استقلالها المفترض أمراً من الماضي.

الأكثر نفوذاً.. الأكثر تمويلاً
أظهرت تحقيقات "نيويورك تايمز" الطريقة التي تؤثر بها دول مختلفة، مثل النروج والصين واليابان وقطر والإمارات، على عمل مؤسسات بحثية كبرى مثل "بروكينغز" و"مجلس الأطلسي" و"مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". وفيما موّلت قطر "مركز بروكنغز" عن طريق افتتاح فرع له في الدوحة، فقد موّلت الإمارات العربية المتحدة سلسلة من المحاضرات في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". وفي العام الماضي، وقعت وزارة الخارجية النروجية عقدا بقيمة خمسة ملايين دولار، بموجبه يقوم مركز الأبحاث الأميركي الشريك في العقد (مركز التنمية العالمية) بدفع المسؤولين النروجيين للوصول إلى البيت الأبيض ووزارة المالية والكونغرس. في أعقاب نشر التحقيق، تقدمت جاكي سباير، عضو مجلس النواب الديموقراطية عن كاليفورنيا، بمشروع قانون يقر فيه الباحثون الذين يقدمون شهاداتهم إلى الكونغرس، عما إذا كانوا قد تلقوا دعماً أجنبياً لأبحاثهم، وفي حال الإجابة بنعم هل تأثرت توصياتهم بهذا الدعم أم لا. ولاحظت النائبة الديموقراطية أن اثني عشر في المئة من الدخل السنوي لمؤسسة الأبحاث الأميركية الشهيرة "بروكنغز"، وعشرين في المئة من الدخل السنوي لمؤسسة "مجلس الأطلسي" تأتي من حكومات أجنبية، في الوقت الذي يقدم فيه الباحثون المنتسبون إلى هاتين المؤسستين شهاداتهم دوريا إلى الكونغرس باعتبارهم باحثين مستقلين. وتلقى "مجلس الأطلسي" تبرعات من تسع عشرة حكومة أجنبية في السنتين الماضيتين، من ضمنها الإمارات العربية المتحدة وجورجيا وليتوانيا، ولعائلة الحريري اللبنانية أيضاً نفوذ وتأثير في "مجلس الأطلسي". يقدر عدد الحكومات الأجنبية التي مولت مركز "مجلس الأطلسي" منذ العام 2008 بحوالي خمسة وعشرين، وقد جذب هذا المركز الانتباه أكثر العام 2013 بعدما أصبح رئيسه، تشاك هيغل، وزيرا أميركياً للدفاع. أما "مؤسسة بروكنغز" التي تعد واحداً من أشهر مراكز الأبحاث في العالم، فتتلقى حوالي اثني عشر في المئة من ميزانيتها من حكومات أجنبية تتقدمها حكومات قطر والنروج والإمارات العربية المتحدة. وشهد خبراء "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الشهير (جمع أموالاً من ثلاث عشرة حكومة أجنبية من ضمنها الصين وفيتنام والنروج)، أكثر من سبع عشرة مرة أمام الكونغرس خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما قدم باحثو "بروكنغز" شهاداتهم عشر مرات خلال الفترة ذاتها، على ما ذكرت النائبة الديموقراطية سباير. يركز "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" أبحاثه على السياسة الخارجية ومسائل الدفاع وله قائمة طويلة من المتبرعين الآسيويين تتقدمهم الصين. ويسير المركز برامج بحثية تهم هذه الدول مثل اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن قضايا الدفاع.
يأتي "مركز الشرق الأوسط"، الذي تأسس العام 1946، في مقدمة المراكز البحثية الأميركية المهتمة بالشرق الأوسط، ولا يعلن المركز عن حجم التبرعات التي يتلقاها. ويقول المركز عن هدفه طبقاً لموقعه الإلكتروني: "زيادة المعارف عن الشرق الأوسط لدى مواطني الولايات المتحدة الأميركية"، لكن الأموال التي تمول أبحاثه ومشروعاته تأتي من ذات الدول التي يبحث شؤونها مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية. في المقابل، يتلقى "صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة"، الذي تأسس بمنحة من الحكومة الألمانية، كلفتة شكر على المساعدات الأميركية لألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، هبات وتبرعات من دول أوروبية متعددة، ولا يعلن عن حجمها. وهنا تظهر أسماء دول عربية تبرعت سابقاً للمركز مثل البحرين والكويت ولبنان وليبيا.
في المقابل، يركز "مركز التنمية العالمية" على السياسات الصحية وعلى الطرق الأكثر فعالية لإنفاق المساعدات الأجنبية في دول العالم الثالث، لكن مع تلقي المركز تبرعات من النروج، فقد ظهر أن المركز حاول دفع حكومة الولايات المتحدة الأميركية إلى تبني سياسات تفضلها النروج. بحسب بيانات المركز ذاته فقد تلقى تبرعات بقيمة سبعة عشر مليون دولار. ويرجح أن قوانين النروج الشفافة مقارنة بالقوانين الأميركية، جعلت الحصول على المعلومات أمراً متاحاً لصحافيي "نيويورك تايمز"، ما أمكنهم من الخروج بتحقيقهم الموسع عن التمويلات ومراكز الأبحاث الأميركية. في المقابل، يهتم مركز "انتر أميريكان دايالوغ" بقضايا التجارة الحرة والمفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية بشأنها، ويتلقى تبرعات من دول مثل كولومبيا في أميركا اللاتينية، وساهم المركز لسنوات في الدفاع عن طلب كولومبيا لعمل اتفاقية تجارة حرة مع أميركا أمام الكونغرس. وتأتي الدول العربية التالية في قائمة المتبرعين للمركز: المغرب وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

الخلاصة
تحولت مراكز الأبحاث الأميركية من مؤسسات لإنتاج الدراسات والأبحاث المستقلة في الشؤون العالمية، إلى متلق لتبرعات من الدول الأجنبية التي تشتغل عليها وتكتب بوقاحة في شؤونها. وإذ أصبحت الدول الأجنبية المختلفة تستخدم مراكز الأبحاث الأميركية كمجموعات ضغط نافذة لمصالحها وسياساتها وأولوياتها في واشنطن، أخذت الثقة في المراكز البحثية الأميركية تتقوض بشدة، حول العالم وفي أميركا نفسها. من المفهوم والمنطقي أن تحاول الدول المختلفة التأثير على سياسات واشنطن حيالها باستخدام الوسائل المتاحة كافة، داخل أميركا وخارجها للوصول إلى أهدافها؛ لكنه من غير المنطقي أو المشروع أن يستمر البعض في اعتقاده باستقلالية وشفافية مراكز الأبحاث الأميركية؛ بعدما تعرت بالمعلومات والوثائق والأرقام.
المصدر: صحيفة السفير

موقع الخدمات البحثية