قراءات سياسية » هل تستغني الامبريالية الاميركية ــ اليهودية عن اسرائيل؟

صوفيا ــ جورج حداد
بموجب ما يسمى "الشرعية الدولية"، تنقسم الاراضي العربية المحتلة، الفلسطينية وغير الفلسطينية، الى قسمين:
1 ــ القسم الذي تحتله "اسرائيل" منذ نهاية حرب 1948 ــ 1949، والمثبت بموجب اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية المجاورة، والذي يسمى، في قاموس الهزائم العربية، "اراضي الـ48"، وهو القسم الذي أنشئت عليه ما يسمى دولة "اسرائيل"، المعترف بها دوليا، والعضو في هيئة الامم المتحدة "طيبة الذكر!".
2 ــ والقسم الذي احتلته ما تسمى "اسرائيل" بعد الهزيمة الشنيعة والمخجلة للجيوش العربية (وخاصة جيشا النظاميين "القوميين": الناصري والبعثي) في حرب الـ6 ساعات، المعروفة، في قاموس الهزائم العربية، بحرب الـ6 ايام، اي حرب 5 حزيران 1967، وهو ما يسمى "الاراضي العربية المحتلة" بموجب "القانون الدولي"! (بما في ذلك الاراضي اللبنانية المحتلة ــ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ــ التي هي امتداد لهضبة الجولان، وكان يتواجد فيها الجيش السوري في ما قبل حرب حزيران 1967، بموجب "تفاهم اشقاء!" بين الدولتين السورية واللبنانية ما بعد قيام "اسرائيل").  
وفي جميع الحروب العربية ــ "الاسرائيلية"، التي وقعت بعد قيام "اسرائيل"، بما في ذلك "حرب التحريك" الاميركية في اكتوبر\تشرين الاول 1973، وحرب تموز المظفرة في لبنان في 2006، كانت المعارك تجري خارج حدود اراضي الدولة "الاسرائيلية" المعترف بها دوليا.
وجاءت ضربة 7 اكتوبر/ تشرين الاول 2023، التي قامت بها المقاومة الفلسطينية بقيادة "حماس" في غزة، وكسرت تلك القاعدة، وأدخلت تحولا نوعيا في نمط الحروب العربية ــ "الاسرائيلية"، إذ انها جرت ــ لاول مرة ــ داخل "الحدود الدولية" لـ"اسرائيل".
واذا كانت "حرب تموز 2006 اللبنانية" قد انهت "زمن الهزائم" العربية، ودشنت "زمن الانتصارات" على ايدي ابطال المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله، فإن "حرب اكتوبر 2023 الغزاوية ــ الفلسطينية" زعزعت كليا الكيان "الاسرائيلي" وطرحت على بساط البحث ليس فقط مسألة "شرعية" وجود هذا الكيان الاغتصابي الاستعماري، بل ومسألة وجوده بحد ذاته، وامكانية استمرار هذا الوجود.
ومن هذه النقطة المفصلية ينشأ السؤال "التاريخي" التالي:
ـــ اذا كانت "اسرائيل" تمثل ركنا اساسيا في التركيبة الامبريالية العالمية، وعلى رأسها الامبريالية الاميركية، وفي تركيبة المنظومة اليهودية العالمية، التي تقودها الطغمة المالية اليهودية العالمية العليا، المتمترسة في اميركا، والمندمجة عضويا بالامبريالية الاميركية، فهل يمكن للامبريالية الاميركية، بمكونها العضوي الرئيسي: الطغمة المالية ــ الدينية اليهودية العليا، ان "تتخلى" او "تستغني" عن دولة "اسرائيل"؟
من الضروري جدا تلمس الجواب على هذا السؤال، لانه في هذا الجواب ترتبط كل الرؤية، ومن ثم كل المنهجية، الجيوسياسية، للمقاومة خاصة، ولحركة التحرر الوطني العربية عامة، في الصراع المصيري والوجودي لشعوب الامة العربية قاطبة مع النظام الامبريالي العالمي، الاميركي ــ اليهودي في المرحلة التاريخية الراهنة، ومع الانظمة والطوابير الخامسة العربية والاقليمية، المرتبطة به او "المتحالفة" معه.
ولكن في الوقت نفسه من الصعب جدا الاجابة على هذا السؤال لانه يرتبط بوجود الوضعية الجيوسياسية والجيوستراتيجية العالمية، التي اكتسبت قوة استمرار وجودها، وتجديد واعادة انتاج نفسها، في مختلف المراحل التاريخية منذ 2170 سنة، اي منذ حصار الرومان لقرطاجة العظيمة وتدميرها تدميرا كاملا في 149 ــ 146ق.م.
وهذا يقتضي إلقاء نظرة تحليلية على الوضعية الجيوسياسية العالمية، في خلفيتها التاريخية، كمقدمة شرطية للبحث في امكانية "استغناء" النظام الامبريالي العالمي، الغربي ــ الاميركي ــ اليهودي،  عن "اسرائيل".
ومن اوجب واجبات المؤرخين والمحللين الجيوسياسيين العرب الوطنيين والصادقين، خصوصا، وجميع الفصائل او التيارات القومية والدينية والاشتراكية العربية، عموما، الفيام بالدراسات الضرورية على هذا الصعيد.
وفي رأينا المتواضع ان اسم "اسرائيل" هو تعبير توراتي له معنيين:
الاول ـــ معنى "اسرائيل العظمى" = "اسرائيل شعب الله المختار"، بالتعبير او التعريف التوراتي، اي "دولة النخبة الامبريالية العليا"، بالتعبير او المعنى الاقتصادي ــ الاجتماعي ــ السياسي ــ العسكري، دولة "نوعية" مختلفة عن جميع الدول، لــ"شعب!" مختلف نوعيا عن جميع الشعوب، دولة تقف فوق جميع الدول، و"شعب!" يقف فوق جمبع الشعوب، دولة "امبريالية خالصة" تقف فوق جميع "الامبرياليات الوطنية" ذاتها، التي ــ بدورها ــ تقف فوق "شعوبها" اولا، وفوق جميع الشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة والمستضعفة ثانيا.
والدولة الامبريالية الاميركية الراهنة تتألف من قطبين ملتصقين كقطبي البوصلة هما:
ـــ القطب الاميركي المتهود.
ـــ والقطب الاميركي اليهودي.
وهذان القطبان يتفاعلان جدليا (ديالكتيكيا)، في اطار الدولة الامبريالية الاميركية ــ اليهودية الراهنة، ويتجهان بكليتهما: اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وايديولوجيا و"دينيا"، نحو التدامج والتبوتق في قطب "فوقي" و"علوي" جديد واحد، مختلف عن الدولة الاميركية ذاتها ويقف فوقها وفوق "شعبها" هي ايضا.
وكما ان الضرورة البسيطة تقضي بأن يكون لكل كائن وكل شخص اسم ما، يعرّف به، ثم تتبلور "شخصيته" الخاصة حول هذا الاسم، فإن المعطيات التاريخية ذاتها تعطي النخبة الامبريالية الاميركية، المتهودة واليهودية، الجديدة، اسم "اسرائيل العظمى" و"شعب اسرائيل" و"شعب الله المختار". ولن يكون من الصعب تطويع المفاهيم الدينية، "الابراهيمية"، لاضفاء "الشرعية الدينية" على ظاهرة النخبة الامبريالية الاميركية المتهودة واليهودية الجديدة، خصوصا وان عضوية هذه النخبة ستكون مفتوحة لجميع اصحاب المليارات، من جميع البلدان والقوميات والاديان الذين تندمج مصالحهم مع مصالح هذه النخبة وبتبنون ايديولوجيتها الفكرية والدينية.
بهذا المعنى لاسم "اسرائيل" فإن الامبريالية الاميركية ــ اليهودية الراهنة لن تتخلى عن هذه "الاسرائيل العظمى القادمة" لانها هي نفسها مسخرة بوجودها ذاته لتحقيقها.
وهي لهذه الغاية تتجه بشكل يزداد وضوحا يوما بعد يوم لتبني المفردات والتعابير والمفاهيم التوراتية لتبرير نفسها واضفاء الطابع الديني، "الفوقي" و"الالهي"، على هويتها الامبريالية الفوقية.
ومن هذه الزاوية نظر، فهذا ما يفسر لنا الاهتمام الخاص الذي تبديه الامبريالية الاميركية ــ اليهودية الراهنة بالمنطقة العربية، وبالعداء الخاص الذي تضمره للامة العربية، لان كل الاسطَرَة التوراتية والدينية "الابراهيمية" ترتبط بالارض العربية، التي تسمى الارض المقدسة و"باب السماء" الخ.، ولان الظاهرة الحضارية للامة العربية هي النقيض المعاكس تماما للظاهرة "الاسرائيلية" ايا كان شكلها.            
الثاني ــ اما المعنى الثاني لاسم "اسرائيل" فيدل على الدولة الاغتصابية الراهنة، المعترف بها دوليا، التي أنشئت بموجب "وعد بلفور" وقرار تقسيم فلسطين الصادر عن  هيئة الامم المتحدة في تشرين الثاني 1947، والتي ثبتت وجودها في الحروب التي خاضتها ضد الجيوش والمقاومات العربية منذ مسرحية حرب 1948 ـ 1949 حتى اليوم.
هل يمكن للامبريالية الغربية، وعلى رأسها الامبريالية الاميركية والطغمة المالية ــ الدينية اليهودية العليا، ان "تتخلى" او "تستغني" عن هذه "الاسرائيل"؟
في رأينا المتواضع: نعم! يمكن للامبريالية الغربية والاميركية والطغمة العليا اليهودية ان "تتخلى" او "تستغني" عن هذه "الاسرائيل". بل وان يتم تطويع ما يسمى "الشرعية الدولية" والمفاهيم الدينية "الابراهيمية" والخطابية الاعلامية الديماغوجية "الدمقراطية" و"الحقوق ــ انسانية" لاجل "اعادة النظر!" في وجود هذه "الاسرائيل"، ولاعادة رسم خريطة "الشرق الاوسط" بدون هذه الدولة!
ذلك انه اذا كانت "اسرائيل العظمى" بالمعنى الاول الذي اوردناه آنفا تعتبر "قمة!" او آخر مرحلة في مراحل تطور الامبريالية العالمية، و"الدولة" التي ستنشأ عنها ستكون "الدولة الحاكمة!" للامبريالية العالمية، فإن هذه "الاسرائيل الدنيا او الصغرى" انما وجدت ليس كغاية بحد ذاتها، بل كاداة في قبضة الدول الاستعمارية والامبريالية بدءا من "بريطانيا بلفور ولورانس العرب واللنبي وابو حنيك" وانتهاء بـ"اميركا العجوز جو بايدن والصبي اليهودي الاوكراني انطوني بلينكن".
والاداة متى استنفد الهدف من ايجادها او "بطل موديلها" تُلقى جانبا.
لقد أنشئ هذا الكيان المصطنع المسمى "اسرائيل" للقيام بوظيفة "كلب حراسة" استعماري ــ امبريالي لقطيع الدول العربية التي أنشئت بموجب تقسيمات "اتفاقية سايكس ــ بيكو" وما قبلها وما بعدها. وقد انجزت "اسرائيل" هذه المهمة بنجاح كبير طوال نصف قرن من وجودها.   
وخلال هذه المدة تحررت البلدان العربية من اشكال الاستعمار التقليدي القديم، ووصلت القوى الوطنية والقومية العربية الى السلطة في العديد من البلدان العربية، ولا سيما في مصر وسوريا والعراق. وكانت مهمة تحرير فلسطين على رأس المهمات التاريخية الملقاة على عاتق حركة التحرر الوطني العربية. ولكن القوى الوطنية والقومية العربية التي وصلت الى السلطة وضعت مسألة الاحتفاظ بالسلطة فوق مسألة تحرير فلسطين، فرفعت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ليس لاجل خوض حرب تحرير شعبية عربية ضد اسرائيل، بل لاجل إخراس اي معارضة للسلطة وتحويل بلدانها الى سجون كبيرة وانتهاج ستراتيجية "الحرب النظامية" ــ اي حرب نظام الدولة والجيش النظامي المأمور ــ لخوض الحرب ضد اسرائيل. وهذا بالضبط ما كانت تريده اسرائيل والدول الاستعمارية والامبريالية الغربية. فكانت الهزائم المتتالية لجميع الدول والانظمة والجيوش النظامية العربية، امام "اسرائيل" التي كانت بمثابة "مخلب قط" للدول الاستعمارية والامبريالية الغربية. وتحولت الانظمة الوطنية العربية من قوة تحرير الى قوة خنق وسحق ضد التوجهات الثورية الشعبية العربية والاقليمية، بالتحالف مع الرجعية العربية العميلة ذاتها (القائد والمناضل الفلسطيني جورج حبش اعتقل في سوريا، والفدائيون الفلسطينيون الذين نسفوا خط التابلاين الواصل الى حيفا، في الجولان المحتل، تعرضوا للتعذيب وماتوا في السجون السورية). وبلغت قمة الانحراف في قيام النظام البعثي بقيادة صدام حسين في العراق، بنقل البندقية من كتف الى كتف، وحرف الصراع من وجهته الصحيحة ضد اسرائيل وتحويله ضد الثورة الشعبية الاسلامية في ايران، وخوض الحرب الظالمة ضد الشعب الايراني، الذي اثبتت الوقائع التاريخية انه السند الاقليمي الرئيسي لنصرة قضايا التحرر الوطني العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ولكن التاريخ لا يقف عند نقطة محددة، بل يتابع السير الى الامام. وانطلاقا من القانون الديالكتيكي الطبيعي عن التحول النوعي للتراكم الكمي، فإن تراكم الهزائم النظامية للانظمة الوطنية العربية ذاتها، قاد مختلف حركات التحرر الوطني العربية، ومن ضمنها الحركات الاسلامية التحررية الصادقة، الى تبني ستراتيجية حرب التحرير الشعبية، وهي الستراتيحية التي اثبتت صحتها ونجاحها التجربة الثورية في روسيا والاتحاد السوفياتي السابق، وفي الصين الشعبية، وفي كوريا وفيتنام، وفي كوبا، والجزائر العربية.
ومع تعمق وتوسيع وتطوير تطبيق ستراتيجية حرب التحرير الشعبية، تمكنت المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله في لبنان، من إنجاز مهمة تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة وإجبار جيش الاحتلال الاسرائيلي على الانسحاب بدون قيد ولا شرط، في 25 ايار 2000، لاول مرة في تاريخ الصراع مع "اسرائيل". ثم تمكنت ــ ايضا لاول مرة ــ من إفشال العدوان "الاسرائيلي" الوحشي على لبنان وعدم تمكين المعتدين من احتلال شبر واحد من الاراضي اللبنانية في الحرب المظفرة بين المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله و"اسرائيل" في تموز ــ اب 2006. ومنذ     ذلك التاريخ المشرّف في السجل التاريخي لحركة التحرر الوطني العربية، برز حزب الله ليس فقط كقوة تحرير وطنية شعبية محلية، بل كقوة تحرير شعبية عربية واسلامية، اقليمية ــ عالمية، وركيزة اساسية لمحور المقاومة الذي نشأ في اللوحة البانورامية العامة للجيوسياسة العالمية، والذي تدعمه وتقف على رأسه القيادة الثورية الايرانية، الشجاعة والحكيمة والصادقة.
وبنتيجة هذه التغيرات التاريخية، تحولت الدولة "الاسرائيلية" القائمة من اداة للحفاظ على المصالح الامبريالية العامة، الى عبء مالي وسياسي و"اخلاقي" وعسكري على الكتلة الامبريالية الغربية برمتها، وصار من الافضل لهذه الكتلة الاستغناء عن هذه الاداة، لاجل تأمين استمرار المصالح الامبريالية في المنطقة والعالم.      
ولكن بطبيعة الحال ليس من المتوقع ان تعلن الولايات المتحدة الاميركية تخليها عن دعم اسرائيل في جرائمها الفظيعة ضد الاطفال والنساء والمدنيين والشعب الفلسطيني عامة، وان تدعو هيئة الامم المتحدة لعقد اجتماع طارئ لمجلس الامن ثم للجمعية العامة لاتخاذ قرارات بالتنديد باسرائيل وسحب الاعتراف الدولي بها كدولة، والدعوة الى رحيل وترحيل المستوطنين اليهود والعودة الى البلدان التي جاؤوا منها او اي بلدان اخرى يمكن ان تستقبل هذه "التحف البشرية" على اراضيها.
فالامبريالية الاميركية ــ اليهودية، ومن ورائها الكتلة الامبريالية الغربية، ستشرع في التخلي التدريجي عن "اسرائيل" من ضمن خطة عامة يمكن البدء بها و"تطويرها" مع الوقت تبعا للصراعات القائمة، ونعني خطة ايجاد بدائل تحل محل اسرائيل وتأخذ دورها في تأمين المصالح الامبريالية الغربية عامة والاميركية ــ اليهودية خاصة.  
وفي رأينا المتواضع ان بعض عناصر هذه البدائل اصبح الان جاهزا، وبعضها الاخر هو قيد التجهيز الحثيث او البطيء.
ونورد في ما يلي بصورة عشوائية لائحة بأهم تلك العناصر:
1 ــ ان الذي يحكم الولايات المتحدة الاميركية اليوم هو "الثنائي" الامبريالي الاميركي ــ اليهودي، الذي يتألف من مركزين امبرياليين هما: المركز الانكلو ــ ساكسوني البروتستانتي (وحزئيا الكاثوليكي) المتهود، والمركز اليهودي الاعلى (المالي ــ الديني).
والولايات المتحدة الاميركية (بوصفها الدولة الامبريالية الاعظم والاعلى في العالم الامبريالي ــ الرأسمالي) تمر الان في "مرحلة مخاض" للانتقال من حالة التعاون الوثيق والتداخل والتدامج بين مركزيْ "الثنائي" الامبريالي الذي ذكرناه آنفا، نحو ولادة المركز الامبريالي الاعلى الواحد الاحد، ونسميه مجازا "الامبريالية الاسرائيلية العظمى او العليا" نظرا لانه يتبنى الايديولوجية الاسطورية التوراتية حول "شعب الله المختار"، ولكنه يختلف جذريا عن "اسرائيل" الحالية وعن اليهودية العادية، لان هذه اليهودية العادية (الملحدة او المتدينة) تفتصر او تخص اسطورة "شعب الله المختار" بمن ولدوا يهودا دون سواهم من البشر، وسواء كان هؤلاء اليهود صهاينة متدينين او ماركسيين ملحدين معادين لليهودية "من راسها الى كعبها". اما "شعب الله المختار" لـ"اسرائيل العظمى" الاميركية الجديدة، فسيقتصر الانتماء اليه على "المولتي ــ مليارديرية" (Multibilionaires) ، اولا، وايا كان منشأهم الاتني او القومي او الديني ومن اي بلد كانوا، ثانيا، وليس فقط المولودين يهودا. وهذه "الاسرائيل العظمى" كما سميناها مجازا، والتي يمكن ان نسميها ــ مجازا ابضا ــ الامبريالية الاسرائيلية، ستكون امبريالية كوسموبوليتية تماما، لا اميركية ولا انكلو ــ ساكسونية، ولا "يهودية"، ولا اي انتماء آخر سوى الانتماء لذاتها، وان كانت في المرحلة التاريخية الراهنة تستخدم الارض الاميركية والدولة الاميركية كقاعدة انطلاق لها. وبصورة ما يمكن القول ان هذه "الامبريالية الاسرائيلية" ستكون المرحلة الاعلى في الامبريالية، التي هي بدورها المرحلة الاعلى في الرأسمالية حسب التعريف اللينيني.
وهذه "الامبريالية الاسرائيلية"، بمكونها الثنائي الحالي، الانكلو\ساكسوني البروتستانتي ــ اليهودي، هي حريصة على اقامة علاقات وثيقة مع "النخبة المالية الاعظم" في المنطقة العربية، وبالاخص في الدول النفطية ــ الغازية:  السعودية والخليجية. وتأمل "الامبريالية الاسرائيلية" انها ــ بالتعاون الوثيق مع "النخبة المالية" في هذه الدول "العربية!؟" ان تشكل آلية مشتركة للتحكم والسيطرة على قطاع النفط والغاز في المنطقة العربية، ولا سيما في شرقي المتوسط. وان يتم توجيه استخراج وتصدير النفط والغاز في شرقي المتوسط الى اوروبا، من اجل استمرار وتعزيز الهيمنة الامبريالية "الاسرائيلية العظمى" على القارة الاوروبية وعزلها عن روسيا. وان يتم توجيه تصدير النفط والغاز من السعودية والخليج نحو الهند والصين، لاضعاف حاجتهما الى النفط والغاز من روسيا وايران. وبنتيجة ذلك كله ان يتم عزل روسيا وايران وتضييق الخناق عليهما اولا اقتصاديا ومن ثم ابعد من ذلك.
وبخصوص تسمية "الامبريالية الاسرائيلية العظمى" كما سمييناها، فهي تسمية مجازية للدلالة على الجوهر، اما بروباغندياً فيمكن اطلاق اي اسم جميل آخر عليها مثل: "جمعية الام ــ الارض"، "كنيسة الله الواحد"، "جمعية الصليب والهلال المقدسة"، "جمعية الإخاء الانساني"، "جمعية نور العالم"، "الجمعية النورانية"، او اي اسم نوراني ــ انساني جميل آخر.
2 ــ ان الامبريالية الاميركية ــ اليهودية تتصرف انطلاقا من قاعدة جيوسياسية تقول ان "اتفاقية سايكس ــ بيكو" قد ولى زمانها، ومن ثم فهي تعمل على تفكيك وتجزئة البلدان والدول العربية التي أقيمت بناء على تلك الاتفاقية، من جهة، وعلى تجاوز حدود تلك البلدان، من جهة اخرى، لاجل خلق "دول داعشية" جديدة، و"اسرائيلات" صغيرة او كبيرة جديدة.
3 ــ واول "اسرائيل جديدة" تعمل الامبريالية الاميركية ــ اليهودية على استيلادها، في المرحلة التاريخية الراهنة، هي: "اسرائيل الكردية". فبدون نسيان الدور الثقافي لعدد كبير من المثقفين والمتنورين الاكراد في اطار الحضارة العربية ــ الاسلامية، فإن القيادات الاقطاعية العسكرية والسياسية الكردية كانت على الدوام، ومنذ ايام السفاح صلاح الدين الايوبي،   تتميز بالشوفينية الكردية العمياء، والعداء والاحتقار تجاه العرب بصورة خاصة، والسير في ركاب الطورانيين السلاجقة والزنكيين واخيرا العثمانيين، والقتال في صفوفهم، وتصدر الصفوف الاولى في المجازر ضد الارمن واليونانيين والعرب الاقدمين: الاشوريين والسريان. وحتى شخصية توضع في مرتبة رموز المقاومة العربية ضد الاستعمار الفرنسي، كيوسف العظمة الكردي، فهو كان، قبل 3 او 4 سنوات من معركة ميسلون التي استشهد فيها، ضابطا في الجيش التركي ومن انصار جمال باشا السفاح، وحينها ايد يوسف العظمة تعليق المشانق للمثقفين العرب الاحرار بتهمة كونهم "خونة". وهو قد قاتل في ميسلون ليس "كعربي" بل "كضابط تركي" يريد اعادة النير التركي الى البلدان العربية.
والقيادات الكردية الحالية تعمل على كسر الحدود بين ما يسمى "كردستان العراق" و"كردستان سوريا" والتنسيق وتوحيد آليات الحكم في المنطقتين تمهيدا لدمجهما. كما تعملان لتحويل المنطقتين الى قواعد مخابراتية وعسكرية سرية وغير سرية لاسرائيل واميركا. وتستند هذه القيادات الكردية الى الوجود المخابراتي والعسكري الاسرائيلي والاميركي،  للتحلي بصلف ووقاحة في التعامل مع غير الاكراد، داخل المنطقتين، ومع السلطات المركزية الشرعية العراقية والسورية "خارجهما". ولاجل استيلاد "اسرائيل الكردية" تستخدم الامبريالية الاميركية ودول الناتو كل نفوذها لتدوير زوايا التناقضات السطحية بين تركيا الاردوغانية والقيادات الكردية. والان فإن شروط تفجير حرب انفصالية كردية صارت مكتملة، بانتظار اوامر القيادة الامبريالية الاميركية ــ اليهودية التي تمسك بيدها صاعق التفجير.          
4 ــ وفي الوقت ذاته تعمل الدوائر المخابراتية والسياسية والعسكرية الامبريالية الاميركية والاسرائيلية والناتوية جميعا، لاستيلاد: اسرائيل مسيحية في جزء من لبنان وعبره، واسرائيل درزية في اجزاء من فلسطين التاريخية وسوريا ولبنان وصولا الى الجية والدامورعلى الساحل الشرقي للمتوسط، واسرائيل علوية، واسرائيل داعشية "عباسية" في العراق، واسرائيل داعشية "اموية" في سوريا، واسرائيل سعودية ــ نيومية في "السعودية"، واسرائيل "مشيخانية عربية متحدة" لشيوخ النفط والغاز في الخليج، واسرائيل  قبطية واخرى مصرية فطرية (على قاعدة شعار "مصر اولا" لانور السادات) في مصر، واسرائيل او اكثر امازيغية و"اندلسية" في شمال افريقيا، وسلسلة من الامارات الاسرائيلية الداعشية الصغيرة والمتوسطة على كامل مساحة الجغرافيا العربية.
وطبعا ان كل هذه "الاسرائيلات البديلة" لن تحمل اسم اسرائيل، بل ستحمل تشكيلة اخرى من "الاسماء الجميلة".
وستتميز هذه الاسرائيلات في ما لا يحصى من الصفات، الا انها ستتشارك في ثلاثة مميزات هي:
أ ــ الابتعاد عن فكرة العروبة، والامة العربية، والحضارة العربية، والوحدة العربية.
ب ــ الاستبعاد التام لفكرة "التحول شرقا" والتعاون مع روسيا والصين وايران.
ج ــ استمرار الانضواء في فضاء "العالم الغربي" كمدى حيوي للكتلة الامبريالية الغربية. واقامة علاقات انصياعية وثيقة مع "اسرائيل العظمى" التي تقود "العالم الغربي" وتهيمن عليه.
*****
ولكن التاريخ لا تصنعه فقط الكتل المالية الامبريالية العليا، بل تصنعه ارادة الشعوب المناضلة من اجل التحرر من الامبريالية، ايا كانت صفاتها "الدينية" او "القومية"، او "فوق الدينية" و"فوق القومية".
وقد اثبتت "حرب اوكرانيا" الحالية التي بدأتها روسيا القومية ــ الاورثوذوكسية، وحرب "طوفان الاقصى" التي بدأتها "حماس" والمقاومة الفلسطينية بمجملها، والشعب الفلسطيني المظلوم والبطل، ان التاريخ لم يعد يسير على توقيت دقات الساعة الغربية والاستعمار الغربي للشرق العربي، مهد الحضارة الانسانية، وقلب العالم القديم والمعاصر، بكل الابعاد والمقاييس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب لبناني مستقل 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد البشري


موقع الخدمات البحثية