قراءات سياسية » تاريخ مسكوت عنه...ومستقبل مجهول

نسيب شمس
يعيش لبنان فراغاً رئاسياً منذ أشهر، في ظل انقسام على كل المستويات والمكونات السياسية، وتحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة في البلاد، ومؤسسات الدول تتداعى وتنهار كأحجار الدومينو. مما بات يشكل خطراً وجودياً على لبنان الواحد الموحد السيّد، وفي ظل انقسام وتشرذم طائفة الرئاسة، ما بين تيارين يلتقيان في أكثر من موقف في التعطيل ويفترقان في الخيارات الاستراتيجية. يحضرني في هذه العجالة مشهد لبنان في 25 كانون الأول 1941، عندما تنادت المعارضة أنداك الى عقد مؤتمر لها في بكركي، ودُعي يومذاك بمؤتمر "الطوائف" برئاسة البطريرك عريضة، وكانت مخرجات ذاك المؤتمر، المقررات الآتية:

ـ استقلال لبنان استقلالاً فعلياً يمكنه من تغيير مصيره بملء الاختيار.
ـ حرية لبنان بالتعاقد مع الدول الأجنبية كدولة مستقل.
ـ سن قوانين دستورية تكفل الحريات الخاصة والعامة تفرق بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وهذه تؤمن بواسطة مجلس سياسي منتخب انتخاباً حراً تتمثل فيه كل الطوائف والمناطق اللبنانية تمثيلاً عادلاً.
ـ تسليم الأحكام الى أبناء البلد يحملون مسؤوليتها ويقومون بأعبائها.
ـ اعتبار كل عمل تأتيه الحكومة الحاضرة من شأنه أن يقيد البلاد، لاغياً.
ـ إعلان الثقة بالبطريرك لتحقيق هذه الأهداف بمؤازرة شخصيات تمثل الطوائف والمناطق اللبنانية.

بعد هذا المؤتمر برز تيارين أساسيين داخل الطائف المارونية نفسها:

ـ التيار الأول بزعامة البطريرك عريضة، وفيه بشارة الخوري وجماعة الكتلة الدستورية.

ـ التيار الثاني بزعامة المفوضية الفرنسية في بيروت، ويرأسه داخلياً المطران أغناطيوس مبارك كمنافس للبطريرك عريضة ومعه إميل إده وحزب الكتلة الوطنية.

وفي 24 كانون الثاني/ يناير 1943، صدر قرار حكومة فرنسا الحرة بإجراء الانتخابات في لبنان، وتولى المهمة الجنرال كاترو، الذي أرسل الى الجنرال شارل ديغول في 8 آذار 1943 مُقترحاً ضرورة توقيع معاهدة فرنسية لبنانية وذلك عبر استخدام المشاعر الطائفية لدى المسيحيين نحو فرنسا، واستغلال غرائز الدفاع عن لبنان حيال المشاريع الوحدوية العربية.

وفي 8 آذار/ مارس 1943، تم إقالة رئيس الجمهورية ألفرد نقاش، وتم تعيين البروتستانتي أيوب تابت تمهيداً للانتخابات نيابية تليها انتخابات رئاسية، وكان تابت يدعو الى " جعل لبنان وطناً قومياً مسيحياً تضمن سلامته فرنسا".

فيما أصدر الرئيس أيوب تابت صباح 19 آذار/ مارس 1943 المرسوم رقم A.T/1، عين بموجبه الأمير خالد شهاب وزيراً للمالية والتربية الوطنية والتجارة والصناعة والزراعة والبرق والبريد، وعيّن جواد بولس، وزيراً للأشغال العامة والصحة والإسعاف العام والشؤون الخارجية، على أن يتولى رئيس الدولة، أيوب تابت، وزارات الداخلية والعدلية والتموين.

وحدد الرئيس تابت منهاج حكومته بنقطتين: تنظيم الإعاشة وإجراء انتخابات نيابية حرّة وفقاً لقانون جديد.

في هذا الوقت، صرح الجنرال كاترو للصحافة أن المجلس الجديد سيواجه معضلات السلم، ويعقد معاهدة لبنانية – فرنسية، وبناء مستقبل لبنان على صخرة الصداقة اللبنانية – الفرنسية.

وبالفعل بدأت المعركة الانتخابية في لبنان في عهد أيوب تابت، وذلك بين نهجين ونزعتين، نهج اميل إده الذي يريد استقلال لبنان الفعلي لكن بضمانة فرنسية ودولية من خلال معاهدة، ونهج يريد استقلال لبنان من دون أي ضمانة فرنسية ودولية، ولا أي معاهدة، وترى الكتلة الوطنية غياب المعاهدة مع فرنسا تعريض مصير الوطن للمجهول.

أصدرت حكومة أيوب تابت المرسومين الاشتراعيين رقم 49 و50 تاريخ 17 حزيران 1943، حدّد بموجبهما المجلس النيابي، ووزع المقاعد النيابية على 54 نائباً على أساس مقعد نيابي واحد لكل 2300 مواطن من الأهالي كمعدّل انتخابي، وذلك استناداً إلى عدد سكان لبنان بموجب الإحصاء الذي أُجري العام 1943، إذ بلغ عدد السكان 1,242,148 نسمة. يشمل هذا الرقم اللبنانيين المقيمين المقيّدين في سجلات الأحوال الشخصية حتى 31 كانون الأول 1942، بالإضافة الى المغتربين اللبنانيين الذين اختاروا الجنسية اللبنانية وحصلوا عليها. وقد وزّعت مقاعد المجلس النيابي بين المحافظات على الشكل التالي: بيروت 8 مقاعد – جبل لبنان 19 – لبنان الشمالي 11، لبناني الجنوبي 10، والبقاع 6، أما على الصعيد الطائفي؛ 32 مقعداً للمسيحيين مقابل 22 مقعداً للمسلمين.

احتج معظم المسلمين على هذا التوزيع وعلى إشراك المغتربين اللبنانيين بالانتخابات النيابية. وعقدوا مؤتمراً طالبوا فيه بإلغاء المرسومين 49 و50 وإجراء إحصاء جديد لا يشمل المغتربين وبإشراف لجنة محايدة، وإجراء انتخابات على أساس الإحصاء الجديد، أو على أساس عدد الأعضاء المنتخبين لمجلس 1937 وهو 42 (22 للمسيحيين و20 للمسلمين) وتأليف لجنة تحقيق المطالب وحفظ الحقوق الإسلامية، وإذا لم تُستجب هذه المطالب فلن يشترك المسلمون في الانتخابات النيابية".

هذه الصور من التاريخ اللبناني المعاصر، تبدو فيها الطائفية، والتدخل الأجنبي، وصناعة النخب السياسية، ورغم مرور الزمن لكنها لا تزال تتكرر، ولعل ما يلفت هو الإحصاء المعتمد لتقسيم المقاعد النيابية، واليوم وفق أي إحصاء يتم تقسيم المقاعد النيابية، واي مستقبل لمشاريع التنمية في بلد لا يملك أرقام موثقة وموثوقة...لا بد من التنبه واليقظة...ولات ساعة مندم.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد البشري


موقع الخدمات البحثية