مواد أخرى » توجُّهات الصحف الإسرائيلية إزاء تعيين ليبرمان وزيرًا للدفاع

بعد خلافات بدت واضحة بشكل كبير بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون؛ قدم الأخير استقالته، التي أعقبها جدل واسع بسبب تعيين اليميني المعارض أفيجدور ليبرمان خلفًا ليعلون، ليس لكونه يمينيًّا متطرفًا فقط، ولكن لكونه معارضًا لرئيس الوزراء، الأمر الذي أثار عددًا من التساؤلات في محاولة لفهم هذه الخطوة من قبل نتنياهو، في الوقت الذي يسعى فيه الأخير إلى إعادة تحسين علاقات إسرائيل مع بعض القوى الدولية التي توترت بسبب السياسات التي تبنتها حكومته، وقد انعكس هذا الجدل على تناول الصحف الإسرائيلية، واستطلاعات الرأى العام؛ إذ اتضح أن ثمة تخوفات متزايدة من تداعيات تعيين ليبرمان وزيرًا للدفاع في هذه الفترة الحرجة.

قلق واضح:

على الرغم من أن الأمن في الداخل الإسرائيلي يكتسب أولوية خاصة، وهو ما ينعكس باستمرار في اللجوء للشخصيات الأكثر يمينية لتشكيل الحكومة وتولي المناصب الأمنية والعسكرية الرفيعة؛ فإن حالة الجدل التي أعقبت تعيين أفيجدور ليبرمان وزيرًا للدفاع خلفًا للوزير المستقيل موشيه يعلون، تشير إلى أن ثمة تخوفًا من 'خطوات غير مدروسة' يُمكن أن يقدم عليها ليبرمان، في وقت تتبع فيه إسرائيل نهجًا براجماتيًّا لوقف احتمالات تفجر الأوضاع في المدن المختلطة بعد حملات الدهس والطعن للمستوطنين، ردًّا على ممارساتهم العدائية مع الفلسطينيين.

وقد عبّرت الصحف الإسرائيلية عن قلقها من تعيين ليبرمان من خلال عددٍ من الافتتاحيات والمقالات، من بينها مقال في صحيفة 'معاريف' نُشر في 20 مايو 2016، تحت عنوان 'ليبرمان لم يأت من أجل الجلوس على الكرسي بل من أجل السيطرة على اليمين واستبدال نتنياهو في رئاسة الحكومة' أشار فيه الكاتب أودي سيجل إلى أن هذه الخطوة من جانب نتنياهو تعبر عن تغيير محتمل في توجهات الحكومة لتكون حكومة 'صقور' يمينية تمهيدًا لتغيير في السياسات الأمنية 'المقيدة'، على حد تعبير الكاتب، كما اعتبر أن دخول ليبرمان الحكومة من خلال حقيبة وزارة الدفاع يعني التمهيد للإطاحة بنتنياهو والحصول على منصبه.

وفي مقال آخر بعنوان 'تعيين ليبرمان مسرحية مأساوية متعددة الأبطال تبدأ بيعلون وتنتهي بنا جميعًا مرورًا بنتنياهو نفسه' أشار ألوف بن بصحيفة 'هآرتس' إلى أن تولي ليبرمان منصب وزير الدفاع يضمن سيطرة سياسية على الجيش، مؤكدًا أن حادث إطلاق شرطي إسرائيلي النار على مواطن فلسطيني مصاب، كما فعل الضابط اليئور أزاريا في 24 مارس 2016، سيتكرر في وجود ليبرمان، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من تشويه صورة الجيش الإسرائيلي، خاصة وأنه تعرض بالفعل لانتقادات واسعة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان الدولية بعد تسريب فيديو الواقعة، لا سيما وأن ليبرمان كان قد اعتبر الضابط الإسرائيلي 'بطلا' وليس متهمًا.

كما أشار الكاتب جدعون ليفي في مقال له بصحيفة 'هآرتس' في 19 مايو 2016 بعنوان 'اختيار ليبرمان وزيرًا للدفاع هو مثابة تمزيق للقناع والكشف عن وجه إسرائيل الحقيقي'، إلى أن مجرد اقتراح اسم ليبرمان ليكون وزير الدفاع الـ18 لدولة إسرائيل يعد بمثابة 'رفع علم أسود لم يسبق أن تم رفعه'، معتبرًا أن تعيينه في هذا المنصب 'يعني أنه لأول مرة يتحول خطر الفاشية إلى خطر حقيقي وفوري'. 

ومن الواضح أن الآراء التي عرضتها الصحف الإسرائيلية تتسق إلى حد كبير مع رأى الشارع الإسرائيلي الذي عبرت عنه استطلاعات الرأى العام. فعلى سبيل المثال، أوضحت نتائج استطلاع للرأى العام أجراه د. كميل فوكس لصالح موقع 'ويلا' الإلكتروني، ونشره الموقع في 19 مايو 2016، أن 29% من الإسرائيليين يعتبرون أن ليبرمان ملائم لمنصب وزير الأمن الإسرائيلي أكثر من موشيه يعلون، مقابل 50% رأوا أن الأخير أجدر من ليبرمان في هذا المنصب.

ويبدو أن القلق من تبعات تعيين ليبرمان في منصب وزير الدفاع إنما ينتج في الأساس عن عدد من الاعتبارات: يتمثل أولها، في عدم خبرة ليبرمان في الشئون العسكرية والأمنية، فهو الذي شغل العديد من المناصب السياسية من بينها وزارة الخارجية، وهي مناصب في مجملها لم تؤهله لامتلاك خبرة إدارة الملف الأمني شديد الأهمية والحساسية لا سيما في الوقت الحالي، وفي هذا السياق كتب الخبير العسكري الإسرائيلي يوآف ليمور في صحيفة 'إسرائيل اليوم' مقالا يشير فيه إلى أن 'ليبرمان سيعلم فور دخوله مقر وزارة الدفاع أن مسألة الأمن ليست إطلاق شعارات في الهواء فحسب'. وعبر عن أمله في ألا يكون الثمن الذي ستدفعه إسرائيل لتعلم ليبرمان كيفية إدارته للمسألة الأمنية أعلى من المتوقع.

ويتعلق ثانيها، بأن تعيين ليبرمان في هذا التوقيت يأتي مفاجئًا وغريبًا في ظل التوجهات الإسرائيلية السياسية والأمنية في التعامل مع 'انتفاضة السكاكين' وحملات الدهس والطعن للمستوطنين، فلم تلجأ إلى سياسة العقاب الجماعي التي عادةً ما تتبناها في مثل هذه الظروف، فضلا عن استمرارها في التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، ومحاولات إعادة بناء علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني أن أول اختبارات ليبرمان الحقيقية ستكون عقب أول تصعيد تقوم به المنظمات الفلسطينية من قطاع غزة، أو أول عملية طعن في الضفة الغربية.

وينصرف ثالثها، إلى أن تصريحات ليبرمان ومواقفه شديدة العدائية للفلسطينيين تضع الملف الأمني على المحك، إذ سبق وأن دعا ليبرمان إلى القضاء على 'حماس' وإسقاطها في قطاع غزة من خلال التدخل البري، كما أن موقفه من الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدائي إلى حد كبير، وهو ما يزيد من احتمالات التصعيد بين إسرائيل والفلسطينيين خلال الفترة القادمة.

المصدر: المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية

 

موقع الخدمات البحثية