قراءات سياسية » لوبيات المال المظلم: حينما يصبح ترامب دمية تحركها الأصابع من خلف الستار

إذا كان لديك استثمارات ضارة بالبيئة مثل صناعات الفحم، أو ضارة بالصحة مثل التبغ أو المشروبات الغازية، فمن غير المجدي أن تدخل معركة بنفسك ضد الجماعات والمنظمات المناهضة لهذه الصناعات، لنفي ضررها من أجل إقناع المستهلكين أو صناع القرار.

على سبيل المثال، فشركة للتكسير الهيدروليكي أو استخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة، مع ضررها الواضح للعيان على البيئة، إذا ما ملأ أصحابها الدنيا ضجيجًا من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي بأنهم لا يشكلون خطورة، فلن يستمع إليهم أحد، ولكن إذا ما قاموا بتوظيف سياسيين ومسؤولين ومتخصصين، للدفاع عن استثماراتهم في المحافل والمنابر المسموعة ودوائر صنع القرار، فعندها فقط يربحون المعركة، ويتم توظيف هؤلاء الأفراد للتحدث نيابة عنهم مقابل دعمهم بالمال في برامجهم الانتخابية أو خططهم المستقبلية أو مؤسساتهم غير الهادفة للربح، ليسمَّى هذا المال بالمال المظلم.

المال المظلم «Dark Money» هو مصطلح اقتصادي سياسي. وهو يصف الأموال الممنوحة للمنظمات غير الربحية، مثل مجموعات الرعاية الاجتماعية ورابطة التجارة، والتي يمكنها تلقي تبرعات غير محدودة من الشركات أو الأفراد أو النقابات، ليتم إنفاق الأموال للتأثير على الناخبين، وذلك دون إلزام القانون لها بالكشف عن المصادر أو الجهات المانحة لهذه التبرعات.

استُخدِمَ المصطلح لأول مرة من قِبل مؤسسة صن لايت لوصف الأموال غير المعلنة التي تم استخدامها في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة عام 2010، ولكن لوبيات المال المظلم في الحقيقة بدأت في التكون والتبلور بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأ أفراد من أغنى طبقات الشعب الأمريكي في تكوين شبكة من المؤسسات من أجل تعزيز مصالحهم، وهدفها دعم الآراء التي تصب في مصلحة استثماراتهم أمام الرأي العام والتي تتبنى توجهات من يقومون بتمويلهم، وهم بالطبع لوبيات المال المظلم هنا.

 

المال يحكم

وتعتبر شبكة أباطرة الأعمال تشارلز وديفيد كوخ من أكبر وأعقد جماعات المال المظلم، ففي عام 2012 شكلت تلك الشبكة نحو ربع إنفاق المال المظلم في الولايات المتحدة. وقد ساعدت قرارات المحكمة العليا عام 2008 و2010 في الولايات المتحدة على صعود جماعات المال المظلم بعد قضائها بأحقية الشركات والنقابات في إنفاق أموال بشكل غير محدود من أجل الدفاع عن أو ضد المرشحين السياسيين.

وتشكل جماعات المال المظلم لوبيات تتحرك جماعيًا لتحقيق مصالح معينة، ويتناسب حجم إنفاقها طرديًا مع درجة تغلغلها في السلطة. وإذا كانت الانتخابات الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 التي أفرزت اعتلاء ترامب للسلطة أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد شهدت أكبر عمليات تمويل للمال المظلم في تاريخه وفقًا لمراكز بحثية، على جانبي المحيط الأطلسي؛ فإنه يمكن القول إن هذه اللوبيات أضحت المتحكم الحقيقي في السلطة سواء الأمريكية أو البريطانية؛ من خلف الستار.

الشبكة المعقدة

ووفقًا لتقرير استقصائي صادم أعده جورج مونبيوت في صحيفة الجارديان البريطانية ونشر في الثاني من فبراير (شباط) 2017؛ فإن لوبيات المال المظلم وجدت في ترامب الفرصة الأمثل لتحقيق وتعزيز مصالحها، ومن ثم عرضت ورصدت المال الوفير لاستغلال هذه الفرصة، وقد تم إعداد دونالد ترامب ليس فقط لدعم هذه المؤسسات والشركات داخل الحكومة، وإنما لتحويل الحكومة نفسها إلى ما يشبه الشركة، حيث يديرها ويتحكم فيها مديرون وجماعات ضغط.

يمكن رؤية كيف تعمل هذه اللوبيات من خلال مثال بسيط من بريطانيا؛ فهناك شخص سياسي بريطاني يسمى ليام فوكس، كان قد بدأ حياته السياسية قبل ست سنوات، واستقال من منصب وزير الدفاع بسبب ضبطه وهو يقوم بخلط المصالح العامة بمصالحه الشخصية ليستفيد من ذلك الوضع، وكان من المنطقي بعد هذه الواقعة أن تنتهي حياته السياسية للأبد، ولكنه اليوم يعود ليتصدر الصفوف الأولى، مع حقيبة وزارية حساسة هي وزارة الدولة لشؤون التجارة الدولية، وبالبحث في تاريخ فوكس، تبين أنه في العام 1997 كان قد أسس منظمة تدعى «جسر الأطلسي»، وكانت ترعاها مارجريت تاتشر.

فوكس الذي يدعم الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بقوة، قال وهو يصف مهمة جسر الأطلسي، وهي مجموعة من السياسيين الذين يدعمون الخروج البريطاني، ومنهم مايكل غوف المرشح المحتمل لرئاسة الوزراء بعد ديفيد كاميرون، قال فوكس إن مهمة جسر الأطلسي هي: «جمع الأشخاص الذين لديهم مصالح مشتركة معًا»، والدفاع عن هذه المصالح يتمثل في مواجهة «الاندماج الأوروبي الذي يريد أن يسحب بريطانيا بعيدًا عن علاقاتها مع الولايات المتحدة».

وتم تسجيل جسر الأطلسي جمعيةً خيريةً بعد ذلك، وهي في الواقع جزء من شبكة المال المظلم. وكان لها داعم وراعٍ رئيسي فاحش الثراء هو مايكل هنتزا، الذي كان يعمل في بنك جولدمان ساكس قبل إنشاء صناديق التحوط (CQS)، فيقوم بتقديم المنح النقدية والقروض لها.

يعد هنتزا واحدًا من أكبر الممولين لحزب المحافظين البريطاني، وفي العام 2012 كشف النقاب عن أنه هو الممول لمؤسسة سياسات الاحتباس الحراري (GWPF) للتوعية وتقديم الأبحاث حول هذه الظاهرة، وهو الأمر الذي يلقي بظلال من الشك على مصداقية هذه المؤسسة، وهناك ممول آخر لجسر الأطلسي، هي شركة فايزر للأدوية، بحيث إنها تدفع لباحث يعمل في جسر الأطلسي يسمى غابي بيرتن، الذي يجلس الآن في مجلس اللوردات.

في عام 2007 قالت جماعة تطلق على نفسها مجلس التبادل التشريعي الأمريكي والمعروف اختصارًا بـ«أليك»، إنها أنشأت منظمة شقيقة تدعى مشروع جسر الأطلسي. أليك هو أكثر مركز أبحاث – ممول من الشركات – إثارة للجدل في الولايات المتحدة، وهو متخصص في الجمع بين لوبي الشركات ومشرعي الولايات الفيدرالية للتعاون في إعداد نموذج تشريعي، يتم تقديمه ومناقشته في المجالس التشريعية للولايات المختلفة.

تزعم أليك أن هناك حوالي 1000 تشريع من تشريعاتها يتم تقديمه من قبل المشرعين كل عام، ويصبح واحدٌ من كل خمسة تشريعات؛ قانونًا، وتزيد الشكوك كثيرًا حينما نعلم أن أليك ممولة بشكل كبير من قبل شركات التبغ، وشركة النفط أكسون، وشركات الأدوية، وتشالز وديفيد كوتش أيضًا الذين أسسوا أول منظمات لحزب الشاي.

شركة فايزر التي مولت منظمة جسر الأطلسي في الماضي؛ تقبع الآن وسط الشركات الممولة لأليك. وهناك تشريعات مثيرة للجدل تم تقديمها مؤخرًا من قبل أليك مثل تشريع خفض الحد الأدنى للأجور، وتشريعات تمنح الشركات حصانة من الملاحقة القضائية وقوانين إي جي جاج الأمريكية (eg-gag laws) التي تمنع الأشخاص من التحقيق في صناعات الممارسات الزراعية.

ومن بين أعضاء المجلس الاستشاري للذراع الأمريكية في مؤسسة جسر الأطلسي، أعضاء من مجلس الشيوخ المحافظين مثل جيمس إنهوف، وجون كيل، وجيم ديمينت. وتفيد التقارير أن إنهوف كان قد تلقى أكثر من مليوني دولار أمريكي لتمويل الحملات الانتخابية من شركات الفحم والنفط. وكانت صناعات كوتش وإكسون موبيل هما الجهتين المانحتين الرئيسيتين.

ترامب الوسيط وليس الرئيس

أعضاء هذه الشبكة الضخمة متغلغلون بشدة في إدارة ترامب. جون كيل مثلًا الذي تقاعد من مجلس الشيوخ، يعمل مرشدًا توجيهيًا للمرشح جيف سيجنس من أجل تعيينه مدعيًا عامًّا في إدارة ترامب، وجيم ديمنت قام بالاستقالة من مجلس الشيوخ ليرأس مؤسسة التراث، وهي مركز أبحاث ومن أكبر مراكز الفكر في الولايات المتحدة، كما يعمل المستشار الخاص السابق لـليام فوكس في وزارة الدفاع البريطانية، في نفس المؤسسة.

مؤسسة التراث بأكملها الآن موجودة في قلب إدارة ترامب، وتكون جزءًا كبيرًا من فريقه الانتقالي. وعلى الفور بدأت تتحرك داخل الإدارة، فخطة ترامب الاستثنائية لخفض الإنفاق الاتحادي إلى 10.5 تريليون دولار، تم هندستها وصياغتها من قبل مؤسسة التراث. وهي الخطة التي إذا ما تم تمريرها، فتعني حدوث تراجع مدمر على الإنفاق على الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، والمساعدة القانونية، والتنظيم المالي، والحماية من البيئة، والقضاء على برامج منع العنف ضد المرأة، والدفاع عن الحقوق المدنية، وخصخصة مؤسسة البحث العام. ومن ثم يبدو ترامب من هذه القصة وكأنه وسيط وليس رئيسًا، ينفذ الأجندة التي تصدر له.

وكما ختم مونبيوت تقريره في الجارديان برسالة تحذير أرسلها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى الكونجرس في أبريل (نيسان) عام 1938 يقول فيها «إن الحرية الديمقراطية ليست آمنة، إذا تسامح الأفراد مع نمو قوَى خاصة إلى نقطة تصبح معها أقوى من الدولة الديمقراطية نفسها. وهي قوى في جوهرها فاشية»، وكان يقصد جماعات المال المظلم. فيمكن القول إنه في أقل من ثمانية عقود، تحقق على الأرجح ما كان يخشاه الرئيس روزفلت.

يقول نورمان إيسن، الذي ابتكر قواعد صارمة لمواجهة صراع المصالح، والذي يعتبره البعض القيصر الأخلاقي للرئيس السابق باراك أوباما: «إذا كان لديك شخص في الفريق الانتقالي ولديه علاقات مالية عميقة تدخل في الصناعات التي ينبغي تنظيمها وضبطها؛ فإنه يثير التساؤل حول ما إذا كانوا سيخدمون المصلحة العامة أو مصالحهم الشخصية».

ويبدو أن الرئيس أوباما كان أكثر حصافة من ترامب، حيث قام باستبعاد أعضاء الفريق الانتقالي الذين تتضارب مناطق أعمالهم مع المصلحة العامة، أو حتى عند ظهور هذا التضارب. فكان يقول: «نحن لا ندعي الكمال، ولكننا حاولنا تنظيف ساحة اللعب».

والمثير للمفارقات أن حملة ترامب قامت على مهاجمة كبار المانحين، ولوبيات الشركات، ووصم لجان العمل السياسي بأنها «فاسدة جدًا». ووعد بتطهير واشنطن من الفساد أو تجفيف المستنقع كما يقول. أما على أرض الواقع، فيقول آن رافيل، العضو الديمقراطي في لجنة الانتخابات الاتحادية، والذي يتزعم إصلاح المال السياسي: «إن التماسيح تتضاعف»، في إشارة إلى ازدياد جماعات الضغط، وكبار المانحين، والمال المظلم في عهد ترامب.

تأثير المال المظلم على قرارات ترامب واضح بما لا يدع مجال للشك أنه أطبق على مقاليد الأمور بمقدار لم يصل إليه مطلقًا في وقت سابق. يظهر جليًّا في مجالات الطاقة والبيئة، بما يعكس آمال وطموحات منتجي النفط والغاز والفحم، وفي تعهده بالانسحاب من اتفاقية المناخ، وإزالة القوانين التي تحد من انبعاثات الكربون، وفي تقنين التنقيب عن النفط والغاز في الأراضي الاتحادية وفي البحار، وفي الموافقة على خط الغاز كيستون إكس إل، وفي إضعاف وكالات حماية البيئة. وحينما تم توجيه أسئلة إلى الفريق الانتقالي في إدارة ترامب حول قواعد تنازع المصالح، لم يتم الرد عليها.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية