مقالات » شبح العطش يحاصر دمشق.. ما الذي يحدث في وادي بردى الآن؟

شهدت معظم جبهات القتال في سوريا هدوءًا نسبيًا بعد تمكن قوات النظام السوري من إحكام السيطرة على الأحياء الشرقية لمدينة حلب في واحدة من أهم وأكبر معارك الحرب، وتجدد الحديث عن المفاوضات والمسار السياسي لحل الأزمة، إلى أن تفجرت الأوضاع مرة أخرى، لكن هذه المرة في ريف دمشق، بعدما تبادل الجيش السوري والمعارضة المسلحة –كالعادة- الاتهامات حول مسؤولية ما يجري في وادي بردى، الذي يضم خزان عين الفيجة المزود الرئيسي لدمشق بالمياه، ما يهدد العاصمة بحصار عطش قد يمنح الحرب السورية بعدًا آخر لم تشهد مثيلًا له طوال السنوات الست الماضية.

ما الذي يجري في وادي بردى؟ وما مدى أهمية الوادي الإستراتيجية؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يحصل؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في التقرير التالي:

وادي بردى.. أهمية قصوى للأطراف المتقاتلة

اختلفت المصادر حول الأصل الحقيقي لاسم بردى، فبينما تشير بعضها إلى أن الاسم مشتق من كلمة البرودة، يؤكد ابن عساكر في تأريخه لدمشق أن النهر كان يعرف قديمًا باسم نهر باراديوس، أي نهر الفردوس، فيما أطلق عليه الإغريق اسم نهر الذهب، ورفعوه إلى مرتبة القداسة.

يتبع وادي بردى قطاع القلمون في الشمال الغربي للعاصمة السورية دمشق، طبيعته جبلية قاسية ويتصل مباشرةً مع السلسلة الغربية لجبال لبنان، كما يشكل أهم منطقة للمصايف والسياحة في الريف الدمشقي.

يقع نهر بردى بريف دمشق الغربي، وينبع من الزبداني، ويصب في بحيرة العتيبة بعد قطعه 84 كيلومترًا، كما تتكون منطقة الوادي من 13 قرية تتقاسم قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة السيطرة عليها، فيما تتوزع قرى الوادي على أربع مناطق إدارية، هي عين الفيجة، ومضايا، وقدسيا والزبداني.

يسير في وادي بردى خط القطار التاريخي المسمى قطار المصايف، وتشكل منطقة وادي بردى أهم منطقة مصايف وسياحة في ريف دمشق، حيث توجد بها أعرق المصايف الدمشقية مثل دمر والهامة وعين الخضرة وعين الفيجة وغيرها الكثير من مناطق السياحة الواقعة ضمن خط سير الوادي.

تعتبر منطقة وادي بردى في الريف الغربي لدمشق امتدادًا جغرافيًا وطبيعيًا لمنطقة سهل الزبداني التي يحاصرها الجيش السوري، وكانت من بين المناطق التي اكتسبت أهمية كبرى بالنسبة لأطراف الصراع السوري، كونها تقع على الطريق الرابط بين دمشق والحدود اللبنانية التي تشكل خط إمداد رئيسي لـحزب الله اللبناني الذي يساند نظام بشار الأسد في حربه ضد قوات المعارضة المسلحة.

تحتوي المنطقة أيضًا على ينبوع مياه رئيسي في عين الفيجة، يوفر مياه الشرب لأكثر من أربعة ملايين شخص في مدينة دمشق وحدها، وبما أن العين واقعة في قبضة المعارضة، فقد حاولت هذه الأخيرة تحويلها إلى ورقة ضغط على بشار الأسد السوري، مقابل تلبية بعض المطالب، إلى أن تفجر الوضع بشكل واضح، مباشرة بعد انتهاء معركة حلب المفصلية بهزيمة قوات المعارضة المسلحة ودخول قوات بشار إلى الأحياء الشرقية للمدينة.

 

تفجر الأوضاع بعد معركة حلب

بدأ كل شيء بعد انتهاء معركة حلب، والتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار في كافة أرجاء سوريا، مع استثناء »تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام« (داعش)، وجبهة النصرة من الاتفاق، حينها سُلِّط الضوء على وادي بردة وعين الفيجة التي أُعلن عن توقفها عن ضخ المياه، فتوقفت عن العمل أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما خفض إمدادات المياه إلى 70 بالمئة لسكان دمشق والمناطق المحيطة بها.

تقدر الأمم المتحدة أن 45 ألف شخص يعيشون في وادي بردى وتعتقد أن سبعة آلاف شخص على الأقل نزحوا من المنطقة في الآونة الأخيرة بسبب القتال، وقالت إن النبع تضرر لأن بنيته التحتية استُهدفت بشكل متعمد، رغم أنها لم تحدد من المسؤول عن ترك الملايين في دمشق وريفها بدون إمدادات آمنة لمياه الشرب.

وحذرت الأمم المتحدة أيضًا من أن نقص المياه قد يؤدي إلى تفشي أمراض تنقلها المياه، وقالت إن تخريب إمدادات المياه للمدنيين يرقى إلى ما يمكن اعتباره جريمة حرب.

قالت وسائل الإعلام السورية الرسمية التابعة لبشار، أن تخريب المضخات وتوقف إمداد العاصمة بالمياه ناجم عن تسميم عناصر من جبهة النصرة لمياه النبع بالديزل في رد على هزيمة حلب، فيما قالت المعارضة المسلحة بأن التوقف ناجم عن قصف الجيش السوري وحزب الله لنبع الفيجة، نافيةً وجود مقاتلي جبهة النصرة في المنطقة.

يمكن القول أنها ليست المرة الأولى التي تُقطع فيها مياه نبع الفيجة عن العاصمة، منذ سيطرة قوات المعارضة على المنطقة سنة 2012، ما حولها إلى ورقة ضغط قوية في يدها لمنع الجيش من استعادة السيطرة عليها، رغم سماحها للمهندسين التابعين للحكومة بالدخول إليها أكثر من مرة لإصلاحها وصيانتها.

حدث انفراج في الأزمة عندما أعلن علاء إبراهيم محافظ ريف دمشق أنه جرى التوصل لاتفاق مبدئي مع مقاتلين محليين في أجزاء من وادي بردى لتسليم أسلحتهم للحكومة، مع التحضير لإجلاء المقاتلين الذين لا ينحدرون من الوادي، وأضاف أن الجيش السوري سيدخل المناطق المستهدفة لإزالة المتفجرات بينما سيقوم الفنيون بإصلاح الأضرار التي لحقت بالنبع.

من جهته قال المرصد السوري المعارض إن ورش الصيانة وصلت إلى وادي بردى غرب دمشق بانتظار دخولها إلى محطات الضخ ونبع المياه، في خطوة هي جزء من الهدنة التي أُعلن عن التوصل إليها، بعد استعادة جيش النظام السوري لضهرة النحيل، ما مكّنه من الإشراف ناريا على وادي بردى، كما شهدت المنطقة هدنة قصيرة دخل خلالها وفد روسي إليها للتفاوض مع بعض النشطاء، وتم إيفاد اللواء المتقاعد في الجيش السوري النظامي أحمد الغضبان، وهو أحد أبناء المنطقة، ليتولى رسميًا ملف إدارة شؤون منطقة عين الفيجة التي ينحدر منها ومسؤولية أمن نبع عين الفيجة وضمان تدفق المياه إلى العاصمة دمشق.

اغتيال اللواء أحمد الغضبان.. وعودة إلى نقطة الصفر

أُعلن يوم السبت الماضي عن اغتيال اللواء الغضبان إثر إصابته برصاص قناصة أثناء خروجه من نبع الفيجة، وذلك بعد دخوله إليها برفقة عدد من المهندسين لإكمال المرحلة الأولى من إصلاح الأضرار التي لحقت بالنبع وتثبيت اتفاق الهدنة، ما أعاد التوتر مرة أخرى إلى وادي بردة، وسط أنباء عن خروج ورش صيانة مياه عين الفيجة التي تغذّي العاصمة السورية دمشق بمياه الشرب، بعدما أصبحت سلامة أفرادها مهددة، ما يعني بالتالي بالضرورة في نظر بعض المراقبين انهيار الحل السلمي وعودة الاشتباكات إلى المنطقة.

مرة أخرى، تبادل الجيش السوري والمعارضة السورية الاتهامات حول المسؤولية عن اغتيال الغضبان، فبينما اتهم الجيش المجموعات المسلحة بقتل اللواء المتقاعد لنسف الاتفاق، اتهمت المعارضة أطرافًا لم تسمها بالغدر، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام مجموعة من التكهنات حول علاقة ما يحصل بالمسار السياسي للتفاوض، والمزمع إحياؤه عبر اجتماعات الأستانة برعاية روسيا.

تنطلق مفاوضات الآستانة ابتداءً من 23 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويشير مراقبون إلى أن تطورات ما يجري في وادي بردى لا تنفصل عن هذا المسار، نظرًا لوجود انقسامات وخلافات في أوساط فصائل المعارضة حول مسألة إعادة المياه إلى العاصمة.

يرى البعض أنه مهما اختلفت الأسباب وأيًا كان المسؤول، فإن نتيجة اغتيال اللواء أحمد الغضبان ستكون على الأرجح إعادة الملف إلى نقطة البداية، فقد سُحبت ورش الصيانة، وتوقفت عملية إصلاح المضخات، ما دامت حياة المهندسين معرضة للخطر، كما بدأ هجوم عسكري موسع لاستعادة بسيمة ونبع الفيجة بالقوة، وهو ما سيوقع المزيد من الضحايا من الجانبين، ويساهم ربما في استمرار أزمة المياه في العاصمة.

 

http://www.sasapost.com

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية