قراءات عسكرية » قبضة بوتين الحديدية: لماذا يفشل «تنظيم الدولة» في ضرب روسيا وينجح في أمريكا؟

مازال تنظيم الدولة يتوعد برفع الراية السوداء أعلى مبنى «الكرملين»، تزامنًا مع تهديد المرشحة الخاسرة، «هيلاري كلينتون» بتحرك بلادها عسكريًا ضد روسيا في حال إثبات تورطها في تزوير الانتخابات الأخيرة، في نفس الوقت الذي قام الاتحاد الأوروبي بتمديد العقوبات الاقتصادية ستة أشهر إضافية ضد بوتين، بينما استعدت فرنسا برفع حالة الاستعدادات الإلكترونية لديها خوفًا من عبث الاستخبارات الروسية في الانتخابات الرئاسية القادمة، وتبعتها ألمانيا.

وفي الشرق الأوسط نيرانٌ اشتعلت غضبًا وصل حدّ الكراهية لدى جموع الدول العربية المُعارضة لنظام بشار بعد فشلها في الإطاحة به؛ بسبب تهديد بوتين بإشعال حرب عالمية ثالثة في حال دخول دبابة عربية أو أمريكية لأرض سوريا.

وفي إطار الصراع الروسي الغربي، قبل التغيرات التي حدثت بوصول ترامب للسلطة؛ قام حلف الناتو في نوفمبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وقبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بتحريك جيش قرب الحدود الروسية؛ أملًا في وضع الملف الروسي ضمن المهام العاجلة للرئيس الجديد.

في الواقع ربما ستبتهج الكثير من الدول والقوى حول العالم، إذا ما رحل «بوتين» عن السطلة التي تمسك بها 16 عامًا، وربما أكثر من ابتهاجهم في حال مقتل «أبي بكر البغدادي» نفسه.

وهذا التقرير يستعرض خطوات الدب الروسي، الذي يكرهه كل هؤلاء، في تحصين بلاده من استهداف تنظيم الدولة، بنجاح كبير.

 

سياسة «عراك الكلاب»

تقول عنه مُعلمته منذ كان طفلًا «إنه كان يرد فورًا على من يؤذيه، مثل القط، ويتعارك بيديه ورجليه وأسنانه».

يتقارب ذلك الوصف جدًا مع ما تقوله صحيفة »صنداي تايمز» البريطانية عن بوتين، من أنه يرى السياسة «عراك كلاب»، ولا يتراجع أبدًا ليتفاوض؛ ويفرض كلمته، ولا يخشى التهديد، لذلك فهو عندما يتعرض لضغط؛ فإنه يقوم بتحريك أسطوله الحربي على الفور، مثلما فعل في أوكرانيا وسوريا، ومثلما كان سيفعل ضد تحركات حلف «الناتو» على حدوده؛ إذا زاد الخطر.

عندما لوّح «تنظيم الدولة في العراق والشام» (داعش) برسالة نذير لروسيا مفادها «سنأتيكم وسنقتلكم في دياركم»، ردت روسيا بأن التنظيم لا يمثل تهديدًا حقيقًا لها؛ كان مفاد ذلك الرد الهادئ بأن الروس لديهم الكثير من الأسرار، وأنهم قد أعدّوا خطتهم الاستخباراتية مسبقًا، والعسكرية لاحقًا لمحاربة التنظيم.

يتشابه ذلك الرد كثيرًا مع الرد الروسي بعد تهديد الاتحاد الأوروبي روسيا بفرض عقوبات اقتصادية – والتي أقرتها عليه لاحقًا – حيث رد بوتين بأنه «يجب علينا ألا نخشى التهديد»؛ وحتى الآن فما زالت روسيا داخليًا خارج إطار التهديدات منذ إعلان تأسيس تنظيم الدولة في يونيو (حزيران) 2014.

ومنذ بداية عام 2016 الذي يوصفُ بأنه عام الدماء، تبنى «تنظيم الدولة» 80 عملية إرهابية، بواقع انفجار واحد كل خمسة أيام، واستهدف 19 دولة، معظمها لها علاقة بالتحالف الدولي، منهن أربع دول كبار، وهن الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا عاصمة الاتحاد الأوروبي، بينما فشلت الذئاب المنفردة في توجيه ضربة واحدة لروسيا، عكس أمريكا التي تلقت ثلاث ضربات، منها واحدة تسببت في مقتل 120 شخص.

وبوتين يختلف عن كل رؤساء أمريكا المعاصرين له في خلفيته العسكرية؛ فهو كان ضابطًا سابقًا في «كي جي بي»، الذي تم تعديله مؤخرًا إلى «FSB»، أقوى جهاز مخابرات في العالم، والذي أسسه الزعيم الراحل «ستالين»، الديكتاتور الأشهر في القرن العشرين، لذلك فهو يحكم بلاده على أساس استخباراتي في صورة سلطوية مختلفة، تبدو ديموقراطية الشكل؛ كي تليق بروسيا البيضاء؛ فغير أنه يراقب الحكومات والجيوش، فإنه أيضًا يراقب المواطنين، وتنتقد الدولة وسائل الإعلام حين تقوم بإذاعة رسائل التنظيم، التي تجد لنفسها صدى في الأوساط الأمريكية، ويفرض قيودًا ثقيلة على الصحافة، وبفضل صلاحيات الجهاز وتطوره، فإن دخول أي عميل أجنبي ـ دون كشف هويته ـ أمر غير اعتيادي، ولا يخطر على ذهن الروسيين إمكانية حدوثه؛ ففي عام 2015 أعلنت مكافحة التجسس عن وضع 400 جاسوس أجنبي ـ على الأقل ـ تحت الرقابة المشددة، بينهم أمريكيون.

وبلغت قبضة الجهاز الأمني في نجاحه في تتبع 20 مليون مسلم روسي، بينما فشلت أمريكا في مراقبة ثلاثة ملايين مسلم على أراضيها؛ وقصص النجاح في ذلك كثيرة.

اعترضت هيئة الأمن الفيدرالية الروسية سابقًا تحويلًا ماليًا بقيمة 45 ألف روبل – لا يتجاوز 700 دولار- أرسلته فتاتان إلى العراق بغرض تمويل «تنظيم الدولة»، كما ألقى جهاز الأمن القبض على سبعة من عناصر تنظيم الدولة يقودهم أحد المقاتلين العائدين من تركيا، وكانوا يخططون لشن هجمات في العاصمة موسكو؛ وكان العملاء السريون يراقبون جمهورية داغستان القريبة من الحدود الجنوبية الروسية، وفي ديسمبر(كانون الأول) من عام 2016، قامت القوات الفيدرالية بتصفية أمير التنظيم في شمال القوقاز مع أربعة آخرين، وهى بلدة معظم أهلها مسلمون.

خطوات تأمين الكرملين

لم يكتفِ بوتين بقبضته الصارمة داخل حدود إمبراطوريته القديمة، فقد قام بعدة خطوات سياسية بعيدة المدى؛ من شأنها خنق تنظيم الدولة ومنع تسلله إلى أراضيها، كالذي يقوم بتقييد خصمه في لعبة الشطرنج، ويحاصره في بلاطات محددة لا يستطيع الخروج عنها؛ وهذا يختلف عن السياسة التي اتبعتها أمريكا وبروكسل، وما ترتب عليها من اعتداءات؛ ففي اجتماع قيادة جهاز الأمن الفيدرالي طالب بوتين بالتصدي لمحاولات مقاتلي تنظيم الدولة للتسلل إلى أراضي روسيا أو إلى دول الاتحاد السوفييتي القديم المجاورة والقريبة من أفغانستان، في إشارة إلى تركمانستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وبحسب صحف روسية، فإن أفغانستان تشهد انتشارًا ملحوظًا لـ»تنظيم الدولة« في 25 ولاية من أصل 34، لذلك قامت روسيا بتعزيز تواجدها العسكري في طاجيكستان صاحبة أطول حدود مع أفغانستان.

وفي الوقت الذي أغلق فيه بوتين حدود هذه الدول أمام أفغانستان، قام هو نفسه باختراق أفغانستان للوصول إلى إتفاق سري مع جماعة طالبان، عدوه القديم الذي لم يعد خطيرًا بالنسبة لكونه جماعة مُسلحة بمقارنته بكيان كـ«تنظيم الدولة»، وبحسب التصريحات الرسمية من وزارة الخارجية الروسية التي خرجت فيما بعد، فإن طالبان تقوم بتزويد روسيا بالمعلومات الاستخباراتية عن عدوهما المشترك، إضافة إلى وجود قنوات للاتصال بين الطرفين، وعلى الرغم من عدم توضيح طبيعة الاتصال، إلا أنه يبدو على الأغلب دعم أموال أو سلاح، فطالبان ورقة رابحة لمحاربة التنظيم، ومنع تقدمه من جهة، وتقويض حلف الناتو من جهة أخرى، بينما روسيا تعتبر شريكًا مفيدًا بما يمكن أن تقدمه لطالبان من أدوات تستخدمها ضد الهجمات الأمريكية.

وتجدر الإشارة إلى أن «تنظيم الدولة» تشكل في أفغانستان وباكستان في بداية عام 2015، ومعظم أعضائه ليسوا عربًا، إنما أعضاء سابقين في طالبان انشقوا لأسباب عدة، أهمها غضبهم من قادة الحركة الذين أخفوا عنهم موت الملا محمد عمر زعيم طالبان، والأب الروحي، والرئيس السابق لأفغانستان، والذي توفي في 2013، بينما أعلنت الحركة وفاته في 2015.

ويبدو أن روسيا قد اطمأنت لعدم وصول »تنظيم الدولة» خارج النطاق الذي حددته له، فقامت في أغسطس (آب) من العام 2016، بالتوجه إلى إيران، واستخدام قواعدها العسكرية لاستخدامها في قصف سوريا؛ وبحسب نائب في البرلمان الإيراني، فإن بلاده قد قامت بخرق الدستور الإيراني الذي لا يسمح لأية دولة باستخدام قواعدها العسكرية حتى للأسباب السلمية، ويعتبر ذلك نجاحًا في استخدام ورقتها السياسية في منع انتقال العمليات الإرهابية إلى أماكن بعيدة من أراضيها، ولأن الحقائق دائمًا هي التي تبقى على الأرض؛ فإن السياسة الأمريكية فشلت تمامًا في تقدير الموقف، وفي معالجة الأخطاء.

ملاك الانتقام

منذ عام 2011 ورجال الاستخبارات الروسية يقاتلون رجالًا ونساءً ضمن صفوف »تنظيم الدولة الإسلامية»، وانخرطوا كمقاتلين في المواقع المتفرقة في سوريا والعراق، واستمروا عدة سنوات دون أن يتم الكشف عن هويتهم، وكانت مهمتهم الرئيسة معرفة الأشخاص الذين يريدون العودة إلى القوقاز لقتال الروس، وخطط التنظيم لمهاجمة لروسيا؛ أهداف تلك العملية كانت الأهم لدى الروسيين، هذه المعلومات تم الكشف عنها مؤخرًا من قِبَل الرئيس الشيشاني، وأكدتها قناة روسيا اليوم في سياق آخر، وتم كشف أول جاسوس روسي في أواخر ديسمبر (كانون الأول) من العام 201، وتم كشف آخرين، إضافة إلى جاسوسة كانت مهمتها هى الزواج من المجاهدين، ثم قتلهم.

وبحسب تصريحات الرئيس الروسي، فإن عدد الذين انضموا إلى صفوف التنظيم من روسيا ودول الاتحاد السوفيتي بلغ 5000 مقاتل، ويرى بوتين أن محاربتهم في سوريا والعراق أفضل من انتظارهم حين عودتهم إلى بلادهم، في إشارة إلى الخطأ الكبير التي ارتكبته أمريكا وبلجيكا من وجهة النظر الروسية.

وفي تقرير نشره الكونغرس الأمريكي مستندًا إلى معلومات استخباراتية في سبتمبر (أيلول) عام 2015، أكد أن حوالي 30 ألف أجنبي بينهم أكثر من 250 أمريكيًا انضموا لـ«تنظيم الدولة»، وأن هناك بضع عشرات من المسلحين عادوا دون أن يتم الكشف عنهم، وكشف أن هناك خمسة آلاف مقاتل حاليًا يحملون جوازات سفر غربية، تتيح لهم دخول الولايات المتحدة دون تأشيرات، وشهدت البلدان الأوروبية حصاد ذلك الخطأ في عام 2016 المشهور بعام الدماء.

وعلى الرغم من أن «تنظيم الدولة» نجح في الاختراق الأمني، وتمكن من تضليل المخابرات الأمريكية والفرنسية والألمانية والبلجيكية في أرضهم، إلا أنه بالمقابل يتلقى كل يوم ضربات شرسة من مجهولين في صفوفه يقومون بتسريب المعلومات ذات القيمة العالية، وتسبب أولئك العملاء في استهداف 26 قائدًا من الصفوف الأولى للتنظيم خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، وكان أبرزهم العقل المدبر ونائب الخليفة البغدادي «أبا بكر العراقي»، ووزير الحرب «عمر الشيشاني»، والمتحدث الرسمي ذا الشعبية الكبيرة أبو محمد العدناني.

وينتقم التنظيم، الذي لا زال يسيطر على مدن كبيرة في شمال وغرب العراق، وأخرى في شمال وشرق سوريا، لنفسه بشن حملات شرسة داخليًا لاصطياد الجواسيس، ويقوم بوضعهم في الحمض، أو قتلهم وصلبهم في الميادين؛ ليمارس حربًا نفسية على الذين لم يسقطوا بعد.

والاستخبارات الروسية لا تمتلك فحسب أسرار التنظيم، بل إنها تجاوزت ذلك بكثير وصولًا إلى الدول الكبرى، وهذا حدّ خطير من الحقائق لا يمكن وصفه إلا بالأحداث؛ فالمخابرات الروسية هى الوحيدة التي علمت بمخطط »تنظيم الدولة» لاستهداف بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي بسلسلة التفجيرات التي نفذها بالفعل في مارس (آذار) من العام الماضي، وكانت قد أبلغت السلطات البلجيكية قبلها، وبحسب تحقيق صحفي مطوّل لـ«البي بي سي»، فإن المخابرات الروسية قامت بعدة اغتيالات في تركيا نفذها عملاء روس ضد أشخاص، وصفتهم بأنهم »خطر على الأمن الروسي».

وتحرص الولايات المتحدة على عدم مشاركة تقاريرها الاستخباراتية عن الوضع في سوريا والعراق مع الجانب الروسي، الذي يمتلك الكثير من المعلومات والقرارات في الأرض والجو؛ ومنذ بدأت روسيا حملتها العسكرية في سوريا في آخر سبتمبر (أيلول) عام 2015، وهى تحصد المكاسب لكل حلفائها من إيران والعراق ونظام بشار، الذي صمد على أنقاض الدولة السورية، وكانت واحدة من أبرز الغارات الروسية التي سددتها لـ»تنظيم الدولة»، تلك التي تسببت في مقتل الرجل المهم «أبي محمد العدناني»، وتلك المعلومة المُسربة التي كشفت أكبر حركة تهريب للنفط يقوم بها تنظيم الدولة، وقامت على إثرها الطائرات باستهداف 500 ناقلة للبترول الخام أثناء تهريبهم من سوريا إلى العراق تمهيدًا لوصولهم تركيا للبيع، وهنا سددت روسيا ضربة موجعة للتنظي من جانم، وللتحالف الدولى الذي اتهمته بأنه تحالف شكلي من جانب آخر، على إثر نجاحها.

 

حصاد النهايات

في رأي العديد من المحللين فإن سياسة بوتين جعلت روسيا من أكثر الدول التي تحظى بعدد كبير من الأعداء في العالم، لكنها على الجانب الآخر حصدت له العديد من الأرباح، واستطاع على جانب آخر تحصين نفسه من عديد المخاطر، على الرغم من فتحه للعديد من جبهات القتال بينه وبين خصوم مختلفين.

وفيما يتعلق بـ«تنظيم الدولة»، فعلى الرغم أن التنظيم أصبح يستهدف الروس خارج حدود بلادهم، مثلما حدث مع حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سيناء بوضع قنبلة في داخلها؛ مما تسبب في مقتل 224 شخصًا، إلا أن بوتين نجح في السيطرة داخليًا ضد أي أفكار أو أشخاص لديهم ميول جهادية أو عدوانية تضر بدولته، كما أنه عزز من الأوضاع العسكرية والاستخباراتية في بلاد الاتحاد السوفيتي القديم تركمانستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وطاجيكستان، وقام بالتعمق في أفغانستان والتحالف مع جماعة طالبان لدعمه في تعطيل »تنظيم الدولة»، وبسط مساحة كبرى من نفوذه في حال تقدم حلف الناتو، ثم توجه إلى إيران وأضاف مكسبًا آخر إليه، ووضع أربعة آلاف جندي في سوريا لحماية آخر حصونه في الشرق الأوسط.

وبحسب صحيفة روسية، فإن روسيا لن تغطي نفقاتها على العملية العسكرية في سوريا والبالغة نحو 500 مليون دولار، إضافًة إلى أرباح ستجنيها من صفقات بيع السلاح، وتبلغ المكاسب حوالي سبعة مليار دولار، ويرجع السبب في أن الأسلحة الجديدة التي استخدمت في سوريا أثبتت فاعليتها؛ وبذلك يصبح بوتين الفائز الوحيد في حصاد النهايات، حتى »تنظيم الدولة» التي رفعت شعارها »باقية وتتمدد»، توقف شعارها عند أعتاب روسيا.

 

www.sasapost.com

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية