أوراق إستراتيجية » جائزة نواة للمقالة الصحافية - حزب الله والحرب الناعمة

لواء دندش
يُعد مفهوم الحرب الناعمة من المفاهيم الجديدة التي استحدثت في عالم الحروب باستخدام وسائل وأساليب للتأثير في الآخرين تخلو من الاستخدام المباشر للقوة العسكرية. هذا ما عبّر عنه جوزيف ناي المتخصص في الشؤون العسكرية ووكيل وزارة الدفاع الأميركية السابق الذي تحدث عن الحرب الناعمة بقوله: «استخدام كل الوسائل المتاحة للتأثير في الآخرين باستثناء الاستخدام المباشر للقوة العسكرية».
إنّ المرتكزات التي تقوم عليها الحرب الناعمة هي:
1- استخدام الأساليب الأقل كلفة قياساً إلى تكلفة الأساليب العسكرية والأمنية.
2- اعتماد الطرق التي تستدرج الآخرين من دون أدنى مقاومة.
3- استخدام البدائل التي غالباً ما تترك آثاراً إيجابية بعيداً عن الأساليب الصدامية.
تركِّز الحرب الناعمة بأساليبها على الاستمالة والإغواء والجذب، من دون أن تظهر للعيان، ومن دون أن تترك أي بصمة. الوسائط والأدوات المستخدمة اليوم في هذه الحرب متوافرة وفي متناول الجميع من دون استثناء، ودخلت إلى كل البيوت 24/24 ساعة وعلى مداره. فهي تستهدف الجميع، وفي كل الأوقات، وبوسائل متنوعة جداً، وبجاذبية الذي يُظهر لنا كم هي قدرة القوة الناعمة على أن تدخل إلى كل تفاصيل حياتنا بدءاً من الأطفال وانتهاءً بالشيوخ من دون تمييزٍ بين الرجال والنساء .
تستهدف الحرب الناعمة العقل والنفس الإنسانية، ويتجاوز تأثيرها الأفراد لتطال الجماعات، فالإنسان بطبعه يتأثر بالأمور المادية والإغراءات، فتسيطر مؤثرات الجسد في كثير من الحالات على منطق العقل، مما يؤدي إلى اختلال في المقاييس والمعايير، فلا تكون النظرة واحدة عند الناس في السلوك أو المناقشة أو الحوار، ما يُسبب الخلل والإرباك والضياع في المجتمع. جاءت هذه الحرب لتخدم المشروع الاميركو صهيوني الا وهو إقامة شرق اوسط جديد. لقد مثّلت المنطقة الإسلامية والعربية عموماً، و«حزب الله» خصوصاً، نقطة البداية في شن هذه الحرب من قبل الولايات المتحدة، فهذا الأسلوب من الحرب فتي في نوعه، لكنه أشد فتكاً في الممارسة والاستعمال. ولطالما ارتبط اسم «حزب الله» بالقوة العسكرية. منذ بداياته، تبنى القضية الفلسطينية ودعمها وتولى مواجهة الكيان الإسرائيلي، فكان التحرير في 2000، تلاه التحرير في 2006. لكن سرعان ما أدرك الحزب أهمية وجود القاعدة الجماهيرية السياسية الشعبية التي أمنت له - إلى حد ما - غطاء قانونياً أمام كل هذه التحديات التي واجهها وما زال. هذا ما دعّم وثبّت وجوده وبرنامجه السياسي والعقائدي والعسكري ....
يعتبر الإعلام والاتصالات بعناوين مختلفة (فايسبوك، تويتر، ووسائل الاتصال المختلفة، والتلفزة، والقنوات الفضائية العالمية...) من الأدوات الرئيسة التي استخدمها «حزب الله» في الحرب الناعمة عليه. لوسائل الإعلام والاتصال وظيفة التكرار للقصة التي تريد نشرها، وضخ المعلومات الكثيفة من أجل التأثير على بعض الشخصيات والناس، بحيث يصبح ما تنشره هذه الوسائل هو الحقيقة التي يجب تبنيها والتعويل عليها، وبالتالي، الترويج «المحترف» للصور والرسائل والأهداف التي من شأنها تفكيك المجتمع. إذ يتعرض الجمهور لوسائل الإعلام بمعدل 3-4 ساعات يومياً، أي ما يوازي 1000 ساعة سنوياً، مقابل 800 ساعة يقضيها التلامذة والطلاب في المدارس أو الجامعات في مدارسهم أو جامعاتهم كل سنة، ولنا أن نتصور مدى التأثير. يقول غوستاف لوبون: «ومن هنا خطورة الإدمان والتعرض السلبي لوسائل الإعلام، فالتكرار والتوكيد يصنعان التصورات والمعتقدات، خاصةً إذا ما شحنّا بجرعات عاطفية ومؤثرات بصرية إيحائية».
من هنا بدأ الحزب يواجه إعلامياً لمعرفته ودرايته للآثار السلبية المترتبة ما لم تتم المواجهة بالشكل الصحيح، فكان حاضراً في ساحة المواجهة. هكذا، أنشأ العديد من المواقع والصفحات الإلكترونية التي تتم محاربتها هي الأخرى. وهكذا، لم تكن القوة العسكرية هي العامل الوحيد في وصول «حزب الله» الى ما عليه الآن. الى جانب ذلك، هو امتلك العديد من مصادر القوة الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية والجماهيرية. في خضم كل هذه المواجهات الدولية والإقليمية والمحلية، أثبت «حزب الله» أنّه تتطور منذ نشأته إلى اليوم على الأصعدة كافة، ولم تضعفه الحرب الناعمة عليه كما كان يخطط له.
تركز التأثير في مواجهة الحرب الناعمة على البعد التربوي الثقافي (القيم) من ناحية، وعلى التأثير السياسي من ناحية أخرى، وعادةً ما يعوّل على التأثير السياسي للتغيير، لأنه يُحدث انقلابات ومتغيرات في الواقع المستهدف. فقد عمل الحزب على تطوير استراتيجيات بما يخدم نهجه وأهدافه: قلل إلى حد كبير من استخدام الخطاب المنفّر، ولجأ الى اعتماد سياسة الاعتدال والانفتاح واستخدام لغة الحوار والعيش المشترك والمصداقية. برز ذلك من خلال مواجهته للنعرات المذهبية التي كان يثيرها بعضهم. كما كان لوجود مؤسساته دور كبير في تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين، فكان له بذلك تمويل مادي (سلاح ومقاتلون..) وغير مادي (التدريب، الجبهة المجازية...). كما واجه بكل عزم وهدوء التهم التي وجهت له من الداخل بأنه دولة داخل دولة، فهو يعلم بأن أدوات الداخل ما هي إلا صدى للحرب الناعمة وأثبت في العديد من الميادين بأنها مجرد أكاذيب جاءت لتشوه سمعته، لكن هذا جعل القاعدة الشعبية تلتف حوله أكثر فأكثر، بعكس ما كان متوقعاً.
إضافة الى ما ذكر، علينا أن لا ننسى التحالفات الداخلية والخارجية كالعلاقة مع إيران وسوريا التي أعطت للحزب قوة مضاعفة.
ثمة عامل آخر استمد منه الحزب قوة كبيرة في مواجهة الحرب الناعمة، وهي شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي يملك قدرة كبيرة على التأثير بالناس، كونها مؤمنة بالقضية انطلاقاً من الولاء للشخص. هذا قد ظهر جليّاً في حرب تموز 2006، وما بعدها. فقد كان للخطابات التأثير الإيجابي على صمود الاهل في قراهم أثناء الحرب، وعلى الوقوف الى جانب الحزب في خياراته السياسية والعسكرية...
ختاماً، لم يعد اسم «حزب الله» فقط مرتبطاً بالأمور العسكرية. إذ أثبت خلال السنوات الست الأخيرة قوته في خوض أي معركة من أي نوع كانت: سياسية وداخلية، وإعلامية... وأصبح بالفعل حاضراً في كل ساحة.
* المقالة الفائزة بجائزة «نواة» 2016 في «مهرجان الأفكار الإبداعية» عن المقاومة. يُذكر أن فئة المقالة هي واحدة من تسع فئات علمية وفنية وأدبية يتضمنها المهرجان للسنة الرابعة على التوالي، سعياً لتوظيف المواهب والإختصاصات الجامعية في مشاريع عن المقاومة بأي شكل من أشكالها.
المصدر: الأخبار ـ ميديا
العدد ٣٠٥٣ الخميس ٨ كانون الأول ٢٠١٦

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية