أوراق إستراتيجية » لماذا تشكل حلب كل هذه الأهمية بالنسبة إلى أطراف الصراع في سوريا؟

منذ الأسابيع الأولى للتدخل العسكري الروسي في سوريا مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، فقد كان نظام الأسد شديدا الوضوح في إعلانه أن استعادة حلب هي هدفه الأول (1)، حيث أعلن النظام مبكرا في أكتوبر/تشرين الأول أن يستعد لشن حملة كبيرة لاستعادة السيطرة على كامل المدينة التي يقتسم النظام والعارضة السيطرة عليها منذ عام 2012. حيث كان النظام يسيطر على قرابة 40 في المائة من المدينة ويتركز تواجده في الجزء الغربي، في حين تسيطر المعارضة على النسبة الباقية من المدينة ويتركز تواجدها في المنطقة الشرقية.

لا تستمد حلب أهميتها من الأهمية الاستراتيجية للمعارك الدائرة حولها فحسب، بل إن البلدة تحمل أهمية رمزية كبيرة أيضا، فهي ثاني أكبر المدن السورية، وقد كانت أكبر المراكز الاقتصادية في البلاد قبل أن يتم تدميرها بفعل الحرب. وهي المدينة السياحية الأولى في البلاد، وقد الموقع المفضل للعديد من البعثات الدبلوماسية لفترة طويلة من الزمن.

وتعد حلب واحدة من أقدم المدن في العالم، وقد تمت الإشارة إليها في النصوص المصرية القديمة منذ أكثر من 20 قرن قبل الميلاد (2)، وقد تم العثور على بقايا معبد يعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد في موقع قلعة العصور الوسطى الشهيرة في حلب، ازدهرت حلب سياسيا واقتصاديا خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد قبل أن تسقط في يد الحثيين. وخلال الحقبة الهلنستية، أصحبت حلب موقعا تجاريا هاما بين دول البحر الأبيض المتوسط وبين الشرق، كما أن حلب قد ازدهرت كمركز لحركة القوافل تحت الحكم البيزنطي، وقد خضعت حلب للحكم الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي، قبل أن تسقط في يد الإمبراطورية البيزنطية خلال القرن العاشر، ثم يستعيدها الأيوبيون خلال القرن الثاني عشر.

وقد عانت حلب من عدة كوارث منها تفشي الطاعون والغزو المدمر الذي قاده تيمورلنك، قبل أن تخضع لسيطرة الإمبراطورية العثمانية وتقلصت أهمية المدينة حين تم اقتطاعها عن جنوب تركيا وشمال العراق أثناء تقسيم الدول العربية الحديثة خلال القرن الثامن عشر، وبعد استقلال سوريا تحولت المدينة إلى مركز صناعي حيث بلغ عدد سكانها حوالي 2.3 مليون نسمة.

معظم سكان عرب من المسلمين السنة ومعظمهم من العرب مع أقلية سنية كردية وتركمانية، كما حوت المدينة أكبر جالية مسيحية في سوريا، إضافة إلى أقليات شيعية وعلوية.

وبعيدا عن هذه الأهمية التاريخية والجغرافية، فإن المدينة الآن تقع في قلب الصراع الجيواستراتيجي الدائر في سوريا، حيث تمثل المعركة حول حلب أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الأطراف المتنازعة.

(1) بالنسبة إلى روسيا ونظام الأسد


المصدر: وكالة الأنباء الفرنسية


على الرغم من أن المدينة قد تحولت بفعل القصف السوري منذ عام 2011 ثم القصف الروسي مؤخرا إلى ما يشبه كومة من الأنقاض، إلا أنها تمثل ركنا هاما من الاستراتيجية الروسية في سوريا، من ناحية فإن حلب تمثل أهم المراكز الحضرية في البلاد بعد العاصمة دمشق ما يجعل السيطرة عليها من الأهمية بالنسبة للنظام الذي يرغب في أن يحكم سيطرته على مدن البلاد الرئيسة (3) إضافة إلى تأمين دولة روسية مصغرة يسيطر عليها الأسد في سوريا يمكن أن تكون معقلا للهجمات التي تهدف إلى السيطرة على باقي البلاد.

قام النظام السوري خلال الأسبوع الماضي بتأمين طريقه إلى عدة مدن سورية شمال مدينة حلب، أبرزها مدينتي نبل والزهراء اللتين عجز النظام عن استرادهما على مدار أكثر من 3 أعوام (4) وذلك بفضل الغارات الجوية الروسية المكثفة التي بلغ عددها أكثر من 270 غارة خلال يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين فقط، وباستيلاء النظام على هاتين المدينيتن فإنه يكون بذلك قد نجح في عزل حلب عن ريفها الشمالي، بعد أن نجح في وقت سابق في السيطرة على المداخل الجنوبية للمدينة ما تسبب في هروب آلاف السكان (يقدر عددهم المبدئي بثلاثين ألفا) تجاه باب سلامة على الحدود مع تركيا.

وتكمن أهمية هذا التقدم أنه يأتي أيضا بعد أسابيع قليلة من نجاح قوات النظام مدعومة بالقصف الروسي في السيطرة على محافظة اللاذقية، حيث توجد قواعدها الرئيسة، بعد استعادة مدينة سلمي آخر معاقل المعارضة في المحافظة. حيث فضل النظام التوجه بعد ذلك إلى حلب بدلا من التقدم بشكل تقليدي في إدلب وحماة.

يشير تحليل ميداني نشره مركز أتلانتيك كاونسل إلى أن استراتيجية النظام في الوقت الحالي لا تعمد إلى السيطرة على الأراضي بشكل متصل بقدر ما تهدف إلى عزل المعارضة في جبوي صغيرة يسهل التعامل معها لاحقا، وقطع خطوط إمداداتها وعلى الأخص مع تركيا. وهو ما يفسر التركيز نحو حلب بدلا من إدلب وحماة. ويرجح المركز أنه بعد أن يطمئن النظام بشكل تام إلى نجاحه في قطع خطوط الإمداد التركي عن المعارضة في حلب عبر معبر باب السلامة من خلال إحكام السيطرة ممر عزاز، فإنه ربما يؤجل خطته في التقدم نحو المدينة ويقوم بنقل تركيزه إلى منطقة أخرى وسوف تكون إدلب، المنفذ الآخر للمعارضة مع تركيا هي المرشح القادم للعمليات.

وبالرغم من أن النظام يعطي الأولوية لمحاربة الفصائل المعارضة من غير تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن خبراء يرجحون أن استيلاء النظام الوشيك على حلب قد يمنحه الفرصة لتحقيق انتصار رمزي ضد تنظيم الدولة الإسلامية على الأطراف الشرقية للمدينة، وهو ما قد يمنحه نقطة إضافية في تعزيز صورته أمام الغرب، وتكريس ثنائية الأسد أو الدولة الإسلامية التي تسعى سوريا إلى تعزيزها من خلال قصف سائر فصائل المعارضة، وليس الدولة الإسلامية كما تزعم.

من ناحية أخرى، فإن تحقيق الانتصار في حلب سوى يقوي الموقف الداخلي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخل بلاده، في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع العملة المحلية، والتشكيك في جدوى الاستثمار في الحملة الروسية في سوريا.

(2) بالنسبة إلى المعارضة

من الواضح أيضا أن المعارضة تفطن بشكل جيد إلى حجم الخطر الذي يمكن أن تمثله الهزيمة في حلب لذا فقد سارعوا إلى إصدار بيانات يدعو المعارضة إلى نجدة حلب بالمقاتلين خاصة في ظل خوض الحرب على جبهتين ضد النظام، وضد تنظيم الدولة الإسلامية.


حصار المعارضة في حلب


من ناحية، فإن حلب هي أحد معقلين كبيرين للمعارضة على الحدود الشمالية مع تركيا، والمعقل الآخر هو إدلب. وتعتمد المعارضة في الشمال بشكل كبير على تأمين المساعدات والإمدادات عبر تركيا إلى حلب وإدلب من خلال معبري باب السلامة وباب الهوى على الترتيب. ومع قطع طريق الإمدادات في حلب فإنه لا يبقى سوى المعارضة سوى طريق إدلب للحصول على الإمدادات مع المعلم أن جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة تتمتع بنفوذ كبير في إدلب مقارنة بحلب.

إضافة إلى ذلك، فإنه ووفقا لتقارير عدة (5) فإن المعارضة تعاني في الوقت الحالي نقصا شديدا في إمدادات الأسلحة اللازمة لخوض معركة حيوية بهذا الحجم تحت القصف الروسي. وخاصة بعد أن تعرضت المعارضة لتضييق شديد على إمداداتها تحت ضغط من الولايات المتحدة من إجبارها على حضور محادثات جنيف، كما أن سقوط حلب، إضافة إلى كونه نكسة استراتيجية، فإنه سوف يمثل انتكاسة معنوية كبيرة للمعارضة خاصة بعد الخسائر المتتالية خلال الأسابيع الماضية في اللاذقية ودرعا وحمص وريفها (6).

(3) بالنسبة إلى تركيا والدول الداعمة للمعارضة

وفقا لما نقلته صحيفة واشنطن بوست (7)، فإن كلا من السعودية وتركيا قد تعرضتا لضغوط كبيرة لمنع تقديم الأسلحة للقوى السورية المعارضة، من أجل إجبارها على حضور المفاوضات وهو ما ترك المعارضة في موقف هش في مواجهة الطيران الروسي. ويبدو أن السعودية وتركيا قد دفع ثمن ترددهما في المقام الأول وخضوعها للضغوط الأمريكية ثانيا، في الوقت الذي لم يتوان فيه النظام وحلفاؤه عن مواصلة معاركهم غير آبهين بشروط التفاوض، حتى الإنسانية منها. وهو ما قد يضع تركيا والسعودية في موقف متخاذل أمام حلفائهم، وهو ما يبرر الاندفاع الشديد في التصريحات السعودية والتركية بشأن التطورات في حلب خلال اليومين الماضيين.

على الجانب السعودي، فإن سقوط حلب في يد النظام سوف تتم قراءته على أنه انتصار لجديد لإيران في سوريا، وهو انتصار لحزب الله أيضا، أحد الشركاء الرئيسين في معارك حلب، وهو انتصار قد يلقي بظلاله على لبنان وفقا لتحليل أحد الخبراء لموقع عربي 21، وبخاصة في الوقت الذي ميل فيه كفة المرشح المدعوم من إيران وحزب الله ميشيل عون بعد حصوله على دعم خصمه سمير جعجع إثر خلافه مع تيار المستقبل حول دعم سليمان فرنجيه.

على الجانب التركي تبدو الأمور أكثر وضوحا، فمن ناحية فإن سقوط حلب سوف يضع النظام السوري وروسيا في مواجهة مباشرة مع تركيا. وهو يعني وصول الحرب فعليا إلى الأراضي التركية عبر تطويق حدودها بحزام علوي كردي، خاصة في ظل المحاولات التي تشير إلى سعي روسيا لاستقطاب حزب الاتحاد الديموقراطي السوري المعادي لتركيا، بما يعني ذلك أن ريف حلب الشمالي قريب من الوقوع في حصار كامل بين تنظيم الدولة الإسلامية، ووحدات “حماية الشعب”
الكردية المتمركزة في بلدة عفرين شمال غربي حلب، وقوات النظام السوري.

يهدد تقدم النظام داخل حلب بتفاقم مشكلة الأكراد في تركيا بشكل أكبر، خاصة مع التقدم المحتمل حزب الاتحاد الديموقراطي، ووحدات حماية الشعب الكردي إلى المناطق التي
يسيطر عليها حاليا الجيش السوري الحر والمجموعات الإسلامية بين الحدود التركية والجبهة الأمامية للنظام شمال نبل والزهراء، وهذا من شأنه وضع تلك القوات في مواجهة «الدولة الإسلامية» وربما يدفع نحو إغلاق كامل للحدود مع تركيا، ومن ناحية الأخرى فإن التعداد الكبير للمدنيين المحاصرين في حلب (حوالي 400 ألف مدني) يهدد بموجة جديدة هي الأعنف من تدفق اللاجئين على تركيا، خاصة بعد أن بدأوا بالتدفق بالفعل نحو كيليس، على الحدود التركية من ممر عزاز. وفي ظل صعوبة إنشاء المنطقة العازلة التي طالما بها تركيا في الوقت الراهن، بعد التدخل العسكري في روسيا وقيم روسيا بنشر المنظومات الصاروخية المتطورة من طراز إس -300 و إس -400 فإن تركيا قد صارت مهددة بشكل كبير.

(4) الغرب والولايات المتحدة

لن تقتصر تداعيات سقوط حلب المحتمل على المنطقة فقط، بل ستمتد إلى خارجها. وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية فإنه على الغرب أن يستعد لموجة جديد من اللجوء أعنف من سابقتها. كما أن عليه أن يكون مهيئا كي يعي أن استئناف الجهود الدبلوماسية قد صار أمرا أكثر تعقيدا من ذي قبل في ظل وضوح النوايا الروسية.

على الجانب الأمريكي، فإن حجم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على المعارضة للمشاركة في جنيف في الوقت الذي يواصل فيه النظام حملته ضد المدينة قد أسهمت في تدني مصداقية الولايات المتحدة في الصراع إلى أدنى مستوياتها ما يرجح أن الولايات المتحدة لن تعد قادرة على ممارسة نفوذ كبير على المعارضة في المرحلة المقبلة، وهو ما يعني أم مسار المفاوضات قد تم تعليقه إلى أجل غير مسمى.
المصدر: ساسة بوست

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية