أوراق إستراتيجية » لبننة سوريا: تقرير حول الجهات الفاعلة في الأزمة السورية

(Centre International de Recherches et duEtudes Sut Le Terrorisme & LuAide aux Vctimes du Terrorisme  - ( CIRET-AVT
 باريس ـ كانون الثاني/ يناير 2012

شكر
يشكر المؤلفون المواطنين السوريين الذين قبلوا اللقاء بنا والإجابة عن أسئلتنا، إضافة إلى الموظفين الديبلوماسيين العرب والأوروبيين، رؤساء الوكالات الاستخبارية، أعضاء المنظمات الإنسانية وصحافيين من الصحافة الدولية كنا قد أجرينا مقابلات معهم.

ملاحظات تمهيدية
بتنظيم وحث من المركز الفرنسي للأبحاث الاستخبارية- CF2R ( Centre Francais de Recherche sur le Renseignment ) والمركز الدولي للأبحاث والدراسات حول الإرهاب ومساعدة ضحايا الإرهاب – CIRET-AVT ( Centre internationalde recherché et duetudes sur le terrorismee et duaide aux victims du terrorisme)، سافر وفد دولي من الخبراء إلى سوريا من 3 إلى 10 كانون الأول لتقييم الوضع هناك بشكل مستقل ونزيه ومقابلة الفاعلين في هذه الأزمة الممتدة منذ تسعة أشهر. وأنهى الوفد مهمته التقييمية بلقاءات مع مختلف الممثلين للمعارضة السورية في الخارج، إضافة إلى هيئة من الخبراء بشؤون الشرق الأوسط من أوروبا.
تألف الوفد من  الأفراد التالية أسماؤهم:
ـ السيدة سعيدة بن هابيل( الجزائر)، وزيرة التضامن السابقة، عضو سابق في مجلس الشيوخ، عضو مؤسس لمركز CIRET-AVT، حاصلة على جائزة الأمم المتحدة للمجتمع المدني؛
ـ السيد ريشار  لابيفيير ( فرنسا)، كاتب ومستشار دولي، مختص بشؤون الشرق الأوسط، رئيس تحرير سابق في راديو فرنسا الدولي ( RFI)، من مجلة " الدفاع" الصادرة عن معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني ( IHEDN) وعضو مؤسس لمركز CIRET-AVT؛
ـ السيد إيريك دينيسي ( فرنسا)، مدير المركز الدولي للأبحاث الاستخبارية ( CF2R).
ـ السيدة آن ماري ليزان ( بلجيكا) شاركت أيضاً في تحضير وكتابة مسودة هذا التقرير، رغم أنها لم تكن قادرة على السفر إلى سوريا مع أعضاء الوفد الآخرين بسبب التزامات سابقة على جدول مواعيدها.
آن ماري ليزان رئيسة فخرية لمجلس الشيوخ البلجيكي ونائبة رئيس الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ( OSCE). كانت نائبة أوروبية ( 1979-1988)، وزيرة خارجية الشؤون الأوروبية ( 1988-1992)، نائبة وسيناتور ورئيسة مجلس الشيوخ البلجيكي (أول امرأة تتسلم هذا المنصب).

كانت المبادئ التوجيهية لعمل الوفد كالتالي:
• الالتزام والتقيد بالمبادئ الديمقراطية: الحرية، حقوق الإنسان وحقوق المرأة، مقاومة القمع وفق قرارات وعمل الأمم المتحدة؛
• أمن وحماية السكان المدنيين؛
• الحياد بما يخص الصراع؛
• معارضة أي تدخل عسكري أجنبي ينتهك القانون الدولي، أو تدخل وفقاً لحق مفترض بالتدخل الخارجي الذي يتناقض والمبادئ التأسيسية للأمم المتحدة؛
• ممارسة  تفكير منطقي حاسم؛
• رفض أعضاء الوفد الترويج لمصالحهم الوطنية الخاصة.

بما يتعلق بالنقطة الأخيرة، نود أن نشير إلى أن أعضاء الوفد لديهم خبرة قديمة وعميقة في تحليل  وفك رموز أوضاع الأزمات إضافة إلى خبرتهم في تقنية المعلومات. وبالنسبة لفترة المهمة، وفي صراع هو عبارة عن حرب إعلامية أكثر مما هو صراع عسكري، كان الوفد متنبهاً، بالتحديد، لمخاطر التلاعب به من قبل الذين أجريت معهم المقابلات. ونجح في الحفاظ على إبقاء مسافة آمنة بينه وبين كل من المتمردين وأولئك الذين يدعمون، بدون أدنى شك، النظام في دمشق.
أخيراً، كانت المهمة مستقلة بما يتصل بالترجمة، بسبب وجود ومشاركة سعيدة بن هابيل في الحوار، ويود أعضاء الوفد الآخرون انتهاز هذه الفرصة لتقديم الشكر لها.

ملحوظة:
يغطي التقرير التالي الأحداث حتى نهاية عام 2011، عشية نشر مهمة المراقبين للجامعة العربية.

                                          
ملخص تنفيذي
بدأت الأزمة السورية في 15 آذار، 2011. ووفقاً للأمم المتحدة، لقد مات 5000 شخص تقريباً في الأزمة ( حتى كانون الأول 2011). يمكن وصف الأزمة في سوريا بأنها " لبننة " للبلد بالقوة.
لقد حدثت الأزمة على ثلاث مراحل متتالية:

• بداية حركة اجتماعية مع شعب يسعى إلى حريات مدنية وسياسية أكبر، مردداً أصداء "الثورتيْن" التونسية والمصرية في كانون الثاني وربيع 2011؛
• التأكيد على التطرف المذهبي الذي يقود إلى عمليات إرهابية وتأسيس ثلاث مناطق للصراع المسلح  ما يعتبر صدىً  للحرب الأهلية- الطائفية اللبنانية ( 1975-1989): درعا، حمص وإدلب؛
• بلورة مواجهة سنية- شيعية تعكس ازدواجية الإيديولوجية الجيوسياسية الأميركية للمحافظين والمستمرة في إعلامها وإيحاءاتها السياسية لإدارة أوباما، ما يعني الفصل بين ما يسمى ببلدان " الاعتدال" العربي ودول ومنظمات هي ضمن " محور الشر": إيران، سوريا، حزب الله، وحماس.

 إن ملاحظتنا الرئيسة تقول بأن القضية الإيرانية هي التي تشترط، وإلى حد كبير، الطريقة التي تتم بها معالجة الأزمة السورية.
هذه " اللبنة المصنعة" لسوريا هي نتيجة أعمال تقودها ثلاث مجموعات:

• النظام السوري، وحداته العسكرية وأجهزته الأمنية المختلفة؛
• الجماعات الدينية والسياسية، بما في ذلك الإخوان المسلمون وقادة الجماعات السلفية بدعم من حكومات وقوى سياسية في بلدان مجاورة: الأردن، لبنان، تركيا، والعراق، بدرجة أقل؛
• قوى إقليمية ودولية متورطة في المنطقة: قطر، السعودية، الولايات المتحدة، وفرنسا، بدرجة أقل.

أصبحت الشبكات الإعلامية التابعة لدول الخليجية، بدعم من الوكالات الصحافية الأنكلو- أميركية الكبرى ونظيراتها الأوروبية والفرنسية، اللاعبين الأماميين في هذه الأزمة، مع تغطية " عالمية" هدفت بشكل رئيس للإطاحة بنظام دمشق، بشكل مشابه لما حدث في ليبيا.

المقدمة
منذ شتاء 2011 وبلدان العالم العربي تهتز بفعل اضطرابات وتحركات شعبية مع القيام بتظاهرات شعبية ضد النظام الموجود: طموح للحصول على ديمقراطية وحريات أكبر، توزيع أكثر عدلاً للثروة، رد على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، والنقمة على أنظمة الأقارب، الخ. وعلى امتداد العالم العربي  نجد نفس الأسباب للاحتجاجات والتظاهرات.
مع بداية الأحداث في تونس، مصر، ليبيا، البحرين واليمن، تأثرت سوريا بدورها بالظاهرة. إلا أن " الربيع" السوري، وهو تعبير لحركة شعبية حقاً  تولدت من مطالبات مشروعة بحريات سياسية أكبر، سرعان ما تحول إلى نهاية للربيع، نظراً لعجز التحرك عن إضعاف النظام، ودخوله في أزمة مسلحة بين معارضة تحمل صيغ التطرف وبين نظام أمني.
ورغم أن الأزمة بدأت كجزء من ديناميكية الربيع العربي، فإن الوضع السوري مختلف بشكل كبير عن " الثورات" العربية الأخرى بسبب تشعباته  الدولية.
الواقع هو أن سوريا كانت حليفة لإيران على مدى ثلاثة عقود. فإيران هي رمز "محور الشر" كما قضت بذلك واشنطن، وبلد يسعى الأميركيون لزعزعة استقراره بأية وسيلة ممكنة، بسبب برنامجه النووي ودعمه لحزب الله اللبناني ونفوذه الإقليمي المتزايد.
وفقاً لذلك، فإن القضية الإيرانية تشترط، وإلى حد كبير، المقاربة الدولية للأزمة السورية، أزمة برزت على خلفية انسحاب الجيش الأميركي من العراق وبسبب الهواجس المتزايدة من جانب  الدول العربية في الخليج الفارسي في وجه محور محتمل بين دمشق / بغداد / طهران.
إذن، تلعب التأثيرات الخارجية دوراً أساسياً وجوهرياً في الأزمة السورية – أكثر من ليبيا حتى-  ويمكن ملاحظة تدخل اللاعبين الدوليين كل يوم، سواء في دعمهم لجزء من المعارضة أم في الحرب الإعلامية التي تشن ضد دمشق عن طريق الشبكات الإعلامية العربية والأنكلو- أميركية.
إن النظام السوري ليس نموذجاً للديمقراطية، وهذا واضح، لكن أعداء سوريا يحرضون ويضعون كل جبروتهم بالتصرف لتشويه صورتها والتأثير على الرأي العام الدولي الموجود خلف قوى المعارضة الخارجية لتبرير إجراءات متخذة ضد النظام، بأمل تسريع سقوطه.
هذا التزييف للحقائق يسعى لإخفاء الدعم – المتردد غالب الأحيان- عن الرأي العام العالمي – الموجود لدى أكثرية السوريين للنظام الحالي ولإخفاء الحقيقة بأن المعارضة الخارجية ليست صاحب الشأن الأكثر شرعية ( بصفتها معارضة لجماعات المعارضة المحلية القديمة)، ولا هي تتبنى المثل الديمقراطية التي تتظاهر بترويجها أيضاً ( نظراً لصفتها الإسلامية القوية).
إن الهدف من التقرير الحالي هو توفير معلومات موضوعية حول الأزمة التي تم تشويهها بشكل أساسي بسبب السيطرة التي يملكها أعداء سوريا على الشبكات الإعلامية الدولية. ولهذه الغاية، سوف يغطي التقرير النقاط التالية:

• الجدول الزمني للأحداث منذ بداية " الربيع" السوري؛
• عناصر المعارضة المختلفة، شرعيتهم، أهدافهم، وإستراتيجياتهم؛
• رد النظام، مسؤولياته، وموقف الشعب من الحكومة المركزية؛
• التغطية الإعلامية وأبعاد الأزمة، تحديداً الكيفية التي تتم بها تقديم التغطية بأسلوب منسق ومضلِّل؛
• " اللعبة الكبرى" التي تلعبها قوى خارجية، والتي تواصل العمل على أهداف سياسية خارجية لا تعكس الوضع داخل البلد والمبنية على دعم لا يتزعزع لمعارضي النظام.

أصل الثورة وسياقها
 
النظام الأمني
إن القوة السياسية السورية مبنية على ركيزتين: إيديولوجية ماركسية قومية التوجه يروج لها حزب البعث الحاكم والطائفة الدينية العلوية الأقلية التي تعتبر عائلة الرئيس بشار الأسد من عدادها.
أما رسمياً، فإن سوريا جمهورية برلمانية متعددة الأحزاب. هناك ائتلاف من ثمانية أحزاب سياسية يدعى " الجبهة التقدمية الوطنية" يهيمن عليه حزب البعث. إلا أن أعضاء المجلس، المسمى "مجلس الشعب السوري"، المنتخبين لمدة أربع سنوات ليس لديهم سلطة حقيقية. أما الرئيس، المنتخب لمدة سبع سنوات، فهو رئيس " الجبهة التقدمية الوطنية" والأمين العام لحزب البعث الذي يمسك بكل المراكز والمواقع المطلوبة لقيادة وتوجيه سياسة الدولة والمجتمع المدني. بالواقع، لا يمكن لأحد معارضة الحكومة ورئيسها.
إن الجيش والقوى الأمنية هم حجر الزاوية للنظام. فأجهزة الدولة مبنية على  عدد كبير من الأجهزة الخاصة وحرس الدولة. إن قادة هذه المؤسسات، رغم أنهم يفضلون البقاء بعيداً عن الأضواء، هم أقوى الشخصيات في البلد. ورغم أن لدى الرئيس السيطرة التامة رسمياً ، فإن  عليه التعامل مع وجهاء  النظام الذين بإمكانهم القيام بانقلاب عسكري في أية لحظة إذا لم تكن قراراته تتوافق معهم.
منذ وصوله إلى السلطة، واجه بشار الأسد – الذي لم يطمح إلى منصبه - نظاماً هو بالكامل بأيدي كبار الشخصيات القيادية للنظام. وكان ملزماً بأن يؤلف حكمه مع كبار البيروقراطيين الذين لم يكونوا يمسكون بدعامات السلطة السياسية فحسب من خلال الأجهزة السرية والجيش، وإنما  يمسكون بمفاتيح الاقتصاد أيضاً، من خلال سيطرتهم على البيروقراطية الحكومية الضخمة المتصلبة.
إضافة لذلك، كان الرئيس قادرا ً على تنفيذ إصلاحات اقتصادية فحسب، والتي برغم أنها قد تبدو أساسية، لكنها كانت بطيئة التطبيق جداً. ولم تنفذ تلك الإصلاحات إلا في الفترة ما بين عامي 2006- 2007. هناك فساد على كل مستوى في الدولة. وقد أدان الرئيس نفسه الفساد الموجود تكراراً بصفته أحد الإخفاقات البنيوية المزمنة للنظام.
وكوالده من قبل، يملك بشار دعم الأقليات الدينية، سكان الأرياف، الطبقة البرجوازية السنية في المدن وقسم كبير من الأجهزة المدنية المنتفخة.

التحرر السياسي القصير الأجل
في العاشر من تموز عام 2000، عندما خلف بشار الأسد والده حافظ الأسد، كان هناك أمل كبير بخضوع النظام لعملية تحررية. يمكننا تسمية هذه اللحظة بـ " ربيع دمشق". فعلى امتداد البلاد، كانت هناك آمال ببروز مجتمع مدني حقيقي، يؤدي إلى خلق حقبة جديدة من الانفتاح السياسي. وقد آمن كثير من السوريين من المجتمع المدني والمعارضة المحلية بوجود هكذا فرصة للانفتاح، أو حتى آمنوا بأن التغيير في نظام البلد أمر ممكن. وتزايد عدد جماعات النقاش والحوار على امتداد الوطن ووضعوا قوائم بالشكاوي .
لكن في شباط 2001، وضعت الأجهزة الأمنية حداً لهذه المنتديات وسجنت معظم منسقي الجماعات. إذ اعتقدت دوائر السلطة المختلفة – أجهزة الاستخبارات، كبار الضباط في الجيش، قيادة البعث، " الحرس العلوي" القديم- بأن " ربيع دمشق" قد ذهب بعيداً وأن ذلك سيقود إلى بيريسترويكا سورية تطيح بالنظام.
هذه الأشهر الستة القصيرة، التي شهدت جدلاً اجتماعياً وسياسياً جديداً، تركت تأثيراً دائماً على نخب البلد، بما فيه النفوذ داخل أجهزة الدولة التي يمكن تقسيمها إلى تياريْن رئيسييْن، المحازبون القدماء لصالح الوضع القائم حيث يستمر الاحتكار السياسي لحزب البعث، وسلك أكثر " اعتدالاً" ، لصالح تحديث النظام وانفتاحه.
أدى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى تصلب النظام ، الذي تشدد مجدداً في العام 2005، عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ( 14 شباط) والاستنتاجات الأولى للجنة التحقيق الدولية التي اتهمت النظام السوري بالوقوف خلف الاغتيال.
وتم اعتقال حسين العودة، الناطق باسم هيئة التنسيق الوطنية الذي أعاد جمع المعارضين المحليين للنظام في ذلك الحين. وسعت المعارضة إلى إعادة تجميع وتنظيم نفسها، لكنها فشلت. ويقول العودة بأن النظام فعل كل ما بوسعه لإعاقة بروز حركة معارضة وطنية مسؤولة. " يتلاعب خدم النظام ، بشكل دائم، بالواقع ويعطون معلومات مزيفة. لم يعد لدى المواطنين السوريين نقاط مرجعية توافقية: لا حرية، لا ديمقراطية، لا مساواة، لا فصل بين السلطات، لا سيادة للقانون. هذا نظام تأسس على الأجهزة الأمنية التي لديها كل المجال للمناورة وبإمكانها القيام بأي شيء مع وجود كامل الحصانة. كل مبادرة ينبغي أن تكون مقدمة للحصول على ترخيص: هناك 113 مهنة تتطلب مصادقة الأجهزة قبل البدء بالعمل ( كبار الموظفين المدنيين، المعلمين،الخ.) هذا نظام أمني تأسس على الفساد المستشري وسياسة محاباة الأقارب: فالنواب، والقضاة، والموظفون القضائيون يعينهم النظام. ليس هناك من عدالة اجتماعية، لا تغيير في السلطة السياسية. كما أن الحكومة السيادية لم تظهر كفاءتها أبداً في أي مجال على الإطلاق".

المشاكل الاقتصادية والاجتماعية البنيوية
واجهت سوريا تحديات اجتماعية واقتصادية كبرى على مدى السنوات العديدة الماضية: بطالة مزمنة، ارتفاع ضخم في كلفة المعيشة وتدفق اللاجئين العراقيين ما أدى إلى تضخم أعداد اللاجئين الفلسطينيين الموجودين أساساً في البلد.
تؤثر البطالة على 25% بالمئة من السكان ( عدد السكان 23 مليون نسمة) بمن فيهم الكثير من الشباب ( 75% من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم ما بين 14 و 24 عاماً). 60% من السكان تحت سن الـ 20 . كما يشكل اللاجئون الفلسطينيون ( 435000) وقبل كل شيء، اللاجئون العراقيون ( 1.2 مليون) ، إضافة إلى 305 آلاف من المهجرين من مرتفعات الجولان منذ العام 1967 فجوة ضخمة في اقتصاد البلاد أيضاً.
غالباً ما يكون الموظفون المدنيون الأدنى مستوى ملزمين بالعمل في وظيفة ثانية في القطاع الخاص لتلبية متطلبات الحياة. ورغم أن البوتيكات الفخمة الغربية الطابع تتزايد من حيث العدد، فإنها تبقى بعيدة عن متناول أيدي الناس العاديين. أما أرقام التضخم الرسمية فتقف عند حدود 5.5 %، لكن التضخم، في واقع الأمر، يصل إلى 25%! بالنتيجة، يعيش ثلث السكان تحت خط الفقر كما أن هناك 10% ( أكثر من مليونيْ إنسان) من السكان ممن لم يعد لديهم ما يؤمِّنون به حاجاتهم الأساسية.
بعض الأمثلة على ارتفاع الأسعار: ارتفعت الإيجارات بحدود 300% في العام 2007؛ تضاعف سعر بعض أنواع الخضار والفواكه؛ في تشرين الأول 2007، ارتفع سعر البنزين في محطات الوقود حوالي 20%. ورغم أن هذا التضخم ترافق مع إجراءات مساعدات اجتماعية، إلا أن التوجه السلبي زاد في عاميْ 2009 و 2010 مع معدل تضخم وسطي للسلع الأساسية من 10 إلى 15%.
إضافة لذلك، كانت هناك " مافياوية" في أوساط ورثة كبار موظفي النظام من أيام حافظ الأسد. لقد تسللوا إلى كل مراتب السلطة لمصالحهم الشخصية. وقد استفادوا من تفكك بنية الدولة لتشجيع نظام رأسمالي فردي، ليخلقوا بذلك مجالاً لأنفسهم ضمن مجتمع استهلاكي طري العود هم يتحكمون به. بدأ هذا التوجه مع استيلائهم على السلطة وسيطرتهم على الصناعات التكنولوجية الجديدة وعلى قطاع الخدمات ( تحديداً قطاع الاتصالات الهاتفية). وانتهى الأمر عبر الشراء التدريجي  للصناعات التقليدية ووضع اليد على الأراضي والأملاك. هذا الكادر الجديد من رجال الأعمال ، القادمين بمعظمهم من دمشق وحلب، لديه الدعم من نخبة السلطة الحاكمة.
استرعى انفلات " الثورات" العربية من عقالها اهتمام النخبة الحاكمة، نظراً إلى أن معظم النخب السياسية، والعسكرية، والاقتصادية كانت لا تزال تعتقد بأن سوريا معزولة بخطيْن: البلد مهد القومية العربية ما يضمن هوية اجتماعية ووطنية لا جدال فيها والاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان (منذ حزيران 1967) عامل يقوي الهوية الوطنية يتيح للنظام إطالة مدة دولة الطوارئ إلى ما لا نهاية.

الأحداث

اندلاع " الربيع السوري الجديد"
اندلعت أحداث الشغب المتفجرة بداية الثورة السورية في 15 آذار، 2011، على حدود بلدة درعا:  هذه هي " طريق الأسلمة المتطرفة، التي تقود إلى عمان والسعودية"، كما يقولون في دوائر السلطة في دمشق. إذ لم تتقبل العشائر السنية العابرة للحدود أبداً سلطة دمشق كما أن الإخوان المسلمين الأردنيين ناشطون في المنطقة. ومنذ أحداث البحرين، عاد المستثمرون السعوديون إلى المنطقة لتقديم كميات من الهدايا السخية لزعماء العشائر، في مقابل الحصول على ولائهم.
لقد اشتعلت الأحداث بالأساس بسبب فضيحة أطفال درعا. أول تظاهرة حدثت أمام المسجد في وسط المدينة. إذ كتب بعض الأطفال شعارات على الجدران تنتقد النظام وتطالب بسحب المحافظ. وتم اعتقالهم فوراً وتعذيبهم ( سحب أظافر الأصابع، الخ.). قُتل ثلاثة من الأطفال. وعندما جاء أهاليهم يطالبون بإطلاق سراحهم، قال لهم المحافظ: " كل ما عليكم القيام به هو إنجاب المزيد من الأطفال. وإذا لم تكونوا قادرين، أحضروا نساءكم إلى هنا ونحن سنقوم بذلك بأنفسنا". ودعا الأهالي، الذين أهينوا وذلوا علناً، زعماء العشائر الذين قاموا بتنظيم تظاهرات أمام قصر المحافظ. وسرعان ما تحولت التظاهرات إلى عنف. أقيل المحافظ لاحقاً بأمر من بشار الأسد الذي التقى بأقارب الضحايا.
اتخذ الجيش إجراءات صارمة ضد التظاهرات، في حين بدأت تظاهرات مشابهة في بلدات أخرى من البلاد، رغم أن ذلك لم يحدث في المدينتين الرئيسيتين للبلد، دمشق وحلب، اللتين تشكلان نصف سكان سوريا تقريباً. وبالنسبة لشهر نيسان، اشتدت التحركات وحدثت أولى الانشقاقات للجنود عن الجيش لصالح المتظاهرين في درعا، ودير الزور ( شمال شرق البلاد) وفي أماكن أخرى على طول الحدود الشمالية الغربية. عموماً، لقد حدثت التظاهرات في جوار مساجد سنية بعد صلاة الجمعة.
وكما هو الحال في تونس ومصر، كانت التظاهرات عبارة عن تحركات اجتماعية تطالب بحريات مدنية أكبر. في هذه المرحلة، أعطى غياب التنظيم السياسي الواضح التظاهرات شعوراً ارتجالياً انتظم من خلال التضامن بين أفراد العائلات والجيران.
في المرحلة الثانية، أصبح التحرك أكثر مذهبية. فقد لعبت المساجد السنية دوراً مبلوراً في الوقت الذي دعا فيه الممثلون عن الإخوان المسلمين في الخارج ( إي لا شابيل، لندن، وواشنطن) إلى توسيع التحرك، لكن من دون إعطاء توجيهات واضحة. أما الناجون من " ربيع دمشق" الأول  وقادة المعارضة المحليون فلم يكونوا جاهزين. وتم استخدام " الشبكات الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي" بشكل واسع لتنظيم التحرك.
بسبب تقوض الحكومة المركزية جراء خدماتها العاجزة وغير الكفوءة وبسبب العنف المتصاعد من قبل المسؤولين المحليين الفاسدين، فإنها فشلت في فهم المستوى الحقيقي للتحرك. لقد كان الفشل في درعا أيضاً أحد أعراض إخفاقات الحكومة السورية. ولم ينتهز بشار الأسد الفرصة لتهدئة الوضع ويعيد فتح حوار وطني. وتحت تأثير المتشددين في النظام، اختار الأسد طريق القمع واتهم الخارج بالتأثير والنفوذ.

مراكز التظاهرات
إندلع التمرد في مناطق ذات تاريخ طويل وممتد من التنافس مع الحكومة المركزية ( مشابه لوضع بنغازي في ليبيا). وكانت نقاط وبؤر التظاهرات، في أكثر الأحيان، هي البلدات الواقعة على حدود الأردن، تركيا، ولبنان. إذ كانت درعا وحمص المدينتان اللتان شهدتا أبرز التظاهرات وأعنف الصدامات.
حمص بلدة ذات أكثرية سنية. إنها قريبة من لبنان ( 20 كلم) وهناك الكثير من الأعمال التجارية عبر الحدود ( تجارة مشروعة وغير مشروعة). كما أنها متاخمة لمدينة حماه، مسرح الثورة المسلحة للإخوان المسلمين ( ما بين 10000 و 20000 ضحية). وهي أكبر محافظة في سوريا. إذ تغطي 25% من أراضي البلاد، وفيها أكبر المساحات الزراعية، حدودها مرسومة من لبنان حتى العراق.
في حمص، تقليدياً، أعلى نسبة في معدلات الجريمة ( الاتجار بالمخدرات وتهريب السلع الاستهلاكية). وقد بدأت العصابات المسلحة بالعمل هناك منذ أيار 2011. وفي حزيران، تم تأسيس ما يسمى بجماعات ميليشيا الدفاع عن النفس، التي تحولت من حماية المناطق السنية إلى مهاجمة المناطق العلوية، ومراكز الشرطة ومباني الجيش. في تلك المرحلة، ظهرت جماعات " سلفية" مسلحة أعلنت عن نفسها بأنها كذلك، مستلهمة النموذج اللبناني بما يتعلق بالتجنيد، والمتطلبات والتكتيكات التنفيذية، وهذا يستدعي تذكر حصار نهر البارد. وفقاً لذلك، وفي 8 آذار، 2011، هاجم مسلحون مصفاة النفط في حمص لجعل وضع إمدادات النفط أسوأ والتحريض أكثر على النقمة الشعبية. وسيطر المتمردون على عدة أحياء ومناطق في حمص وأعلنوا عن تأسيس الجيش السوري الحر.
درعا. كان لدرعا ( جنوب البلاد، على بعد أربعة كيلومترات من الحدود الأردنية على الطريق المؤدية إلى عمان والسعودية)، سمعة المدينة المتمردة ضد هيمنة حزب البعث والأقلية العلوية الحاكمة، وتستمد شرعيتها من المناطق الريفية وعملائها. وكشعب عابر للحدود، لم تتقبل العشائر السنية أبداً سلطة دمشق، ولطالما كان مركز التآمر الإسلامي هذا جسر عبور للإخوان المسلمين الأردنيين، المدعومين من قبل الرياض، الثابتين بشكل جيد في المدينة.
في كل الأحوال، لم ينزل الكثير من الناس إلى شوارع دمشق وحلب، وفي العاصمة لم تشعر بالقلق سوى مناطق الضواحي التي تسكنها الطبقة العاملة والموجودة في شمال شرق وجنوب شرق المدينة. هذا الاستقرار يمكن تفسيره، تحديداً، بالتحالف الموجود بين طبقة التجار البرجوازية السنية والنظام. وطالما أن الأعمال التجارية غير متأثرة بالوضع وأولاد هذه الطبقة المتميزة من رجال الأعمال لا يقومون بتحرك ما، فسيحافظ هذان المركزان الحضريان – ركيزتان حقيقيتان للنظام والبلد –  على الاستقرار الذي ينسحب أيضاً على الأقليات المسيحية، الكردية، والدروز، إلى حد ما.

تطرف التحرك
في 18 آذار، 2011، وبعد ثلاثة أيام من بداية التحرك، رُصد وجود أسلحة عسكرية ليس فقط في درعا، وإنما في حمص، وحماه وفي بلدات مختلفة أيضاً قرب الحدود التركية. في كل الأحوال، كانت التظاهرات سلمية بمعظمها. ولم يستخدم المسلحون أسلحتهم، مع وجود روابط بينهم وبين شبكات التهريب، وإنما أسسوا مخازن للأسلحة وحفروا الأنفاق بغرض التخزين واللجوء.
قبل بدء التظاهرات، حدد النظام وجود 65000 مهرب تقريباً يعملون من دون مضايقة أحد على طول حدود البلاد، بتواطؤ من قبل سلطات محلية، في غالب الأحيان، ( أجهزة المحافظة، الشرطة والقوى الأمنية، إضافة إلى الجمارك والعشائر). لقد جاءت أسلحة الحرب إلى داخل البلد عبر هذه الشبكات المختلفة.
بعد عدة أسابيع من التمرد والقمع، تم اعتقال عدد من المتظاهرين السلميين، الذين تركوا الشوارع ليصبحوا عناصر أكثر تطرفاً. ثم لاحظ السكان ظهور متظاهرين مسلحين بدعم من الخارج، بداية حصول الانشقاقات عن الجيش تماماً. وبما يتعلق بحزيران، 2011، بدأ التحرك بالتطرف في معظم مراكز التظاهرات وبدأت النشاطات تطالب باستقالة بشار الأسد وإنهاء النظام.
ووفقاً لعدد من تقارير شهود العيان الصادرة عن ممثلي المعارضة المحلية وقادة الطوائف الدينية، بعد ظهور هذه النشاطات المسلحة صيف 2011، لم تعد التظاهرات سلمية وكان المتظاهرون يسعون إلى مواجهة مباشرة مع القوى الأمنية وبدأوا يستخدمون معداتهم العسكرية.
يعتقد البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الكاثوليك، بأن  "هذه ليست ثورة طبيعية لشباب لديهم هدف وتوجه محدد، وإنما ثورة لديها استعداد للتدمير والتحريض بغرض تصعيد العنف والإضرار بصورة سوريا". ففي قريته، الموجودة على بعد حوالي 10 كلم من دمشق، تحدث البطريرك عن التظاهرة الأولى التي قام بها حوالي 300 متظاهر في أيار 2011. لقد سعى المتظاهرون إلى مواجهة مع الجيش الذي رد بنفس الطريقة. قتل ثلاثة أشخاص. وفي اليوم التالي، حضر 10000 شخص، سلمياً، جنازة الضحايا الذين تم إطلاق الرصاص عليهم قبل يوم و" لم يحصل شيء".
لا يعرف قادة المعارضة المحلية هؤلاء " المتظاهرين الجدد"، الذين لم يكونوا منخرطين في " ربيع دمشق" في صيف 2000. ففي نظرهم، هؤلاء  الناس جزء من هذا " الجيل العفوي" الذي تعززت هويته من خلال استخدام الشبكات الاليكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، كما حدث في تونس ومصر.
إن حركة الاحتجاجات ليست موحدة. فهي ارتجالية إلى حد كبير، من دون تنسيق مركزي، وتستخدم أشكالاً من التضامن المحلي: العائلات، الجيرة، العشائر، الطوائف الدينية. وتشدد صلاة الجمعة، التي تعتبر نقطة المرجعية، من حالة المذهبية المتنامية للتحرك.
يبقى من الصعب تحديد المتمردين المسلحين المستفيدين من تلاقي المجرمين العاديين، والمهربين، والجماعات السلفية ( سوريين، عراقيين، أردنيين ولبنانيين).
إن تطرف حركة الاحتجاجات هو، وبشكل رئيس، نتيجة ثلاثة عوامل متفاعلة: ارتفاع عدد اللاجئين في المخيمات الموجودة على طول الحدود التركية ( شمال شرق سوريا)، تزايد عدد الجنود السنة المنشقين واستيلاؤهم على ضواحي حمص.


الانشقاقات والجيش السوري الحر
إن الانشقاقات عنصر قديم وبنيوي ملازم، تقريباً، لكل جيوش التجنيد الإجباري العربية. والجيش السوري ليس استثناءً وقد اعتاد على هذا الواقع. في البداية، ترك المنشقون وحداتهم العسكرية للعودة إلى عائلاتهم. في المرحلة الثانية، ترك المنشقون مع أسلحتهم وعتادهم للالتقاء بمجموعات مسلحة والذهاب إلى مناطق موجودة بأيدي المتمردين. وفي كانون أول 2011، قدر خبراء عسكريون موثوقون أعداد المنشقين بأقل من 20000 جندي، ظاهرة يمكن تصنيفها هامشية لجيش يبلغ تعداده 450000 جندي تشكل وحدات النخبة فيه نظاماً يتألف من 40000 جندي من المدربين والمسلحين جيداً.
أما الجيش السوري الحر فلديه 3000 مسلح تقريباً. وكان هناك مبالغة واسعة حول أهميته التنفيذية كما أن التغطية الإعلامية الواسعة التي نالها لا تعكس قدراته العملانية الحقيقية. وكونه حاضر في مخيمات اللاجئين على طول الحدود التركية، فإنه يقول إن لديه قيادة وحدات منظمة في المناطق السنية في مدينة حمص. وحتى نهاية عام 2011، لم يكن الجيش السوري الحر قادراً على الثبات في أي قتال على جبهة أمامية ما مع الجيش الموالي للنظام. ومع تسلحه بالأسلحة الخفيفة، والمسدسات، وبنادق الصيد والكلاشينكوف، حصل هذا الجيش ، وبالتدريج، على قذائف الآر بي جي الصينية وقذائف المورتر من العراق ولبنان.
برزت مجموعات مسلحة أخرى على طول الحدود التركية، واللبنانية، والأردنية لشن حرب الجهاد في سوريا ضد " النظام البعثي المهرطق". أما التجنيد الجاري في صفوف المتطرفين السنة فيأتي، في الأعم الأغلب، من إعادة تجميع أفراد جند الشام، وعصبة الأنصار، وفتح الإسلام. هذه الجماعات، التي هي في حالة تخبط وفوضى، وجدت ملاذاً لها في منطقة طرابلس ( لبنان)، إضافة إلى تركيا والأردن، ولديها تمويل من السعودية وقطر.
وحتى كانون أول 2011، لم يكن لدى هذه الجماعات منطقة تحت سيطرتهم ما عدا بضعة أحياء في حمص ومعسكرات اللاجئين الموجودة في تركيا. ويظل خط الحدود السورية – التركية،  وهو قطاع بعمق 20 كلم، في أيدي الجيش الموالي للنظام.

تنامي نفوذ الجماعات السلفية
في العام 2009، نشرت أسما كفتارو – منسقة منتدى المرأة السورية المسلمة، عضو منظمة المرأة السنية وحفيدة المفتي الأعلى لدمشق أحمد كفتارو- مقالة تشير فيها إلى وجود جماعات سلفية في دوما ( الضاحية الشمالية الشرقية لدمشق) ودرعا.
تنتشر السلفية، بشكل أساسي، في المناطق المتطرفة التي تخلت عنها الحكومة المركزية حيث الفقر والفساد مستوطنان. " قبل ثلاث أو أربع سنوات، لم تكن اللحى السلفية ومسألة ارتداء النقاب لها وجود في سوريا. لقد تم استيراد هذه العادات من السعودية وقطر، من قبل رجال أعمال ومنظمات غير حكومية. والآن وعند أقل شيء، يسمع المرء كلمة الله أكبر، وهذه الكلمات يساء استخدامها  وتشويهها"، قالت كفتارو.
تعتقد أسما كفتارو بأن النظام السوري غذى هذا التطرف من خلال سياسته الدينية، بتعيين أئمة معروفين بوجهات نظرهم المتطرفة في الهيئات والمؤسسات الإسلامية السنية الرسمية المختلفة الذين قاموا بنشر أفكار متعصبة. وأضافت كفتارو تقول إنه على مدى الثماني سنوات الماضية تم تحييد المعتدلين وإفقادهم مصداقيتهم.
وأشارت كفتارو إلى أن " هذه هي استراتيجية وزير الشؤون الدينية محمد سيد، وليست استراتيجية الرئيس. فقبل أربع سنوات سهل الوزير بطريقة متمردة تعيين السلفيين، في حين كان يتظاهر بأنه يفعل العكس. أنا نفسي تم إقصائي عن هيئات عديدة بسبب إدانتي لهذه الاستراتيجية الساعية إلى تقسيم المواطنين السوريين".
سعت سوريا، مدة طويلة، لعزل نفسها عن أخطار الإرهاب عن طريق منح الجماعات الجهادية في المنطقة تنازلات معينة. لقد كانت سوريا مركزاً ، وداعماً حتى، لمنظمات معينة تعهدت، بدورها، تجنب القيام بهجمات على الأراضي السورية. هذا النوع  من السياسات ليس علماً تماماً، وقد ارتكبت أخطاء مما قوض هذه السياسة وظلت إحدى أسباب السمعة السلبية للبلد في الخارج.
قبل 5 سنوات، ادعى  تنظيم أبو كاكا المسؤولية عن الهجوم التفجيري على مكاتب شبكة التلفزيون الوطني. في ذلك الوقت، يمكننا تفسير هذا النوع من الهجمات بسياسة سوريا " توقف وامض" في العراق، مسرح حرب خاضع لشكل من أشكال الرهان الثلاثي للانقسامات: القوى الأنكلو- أميركية / مجموعات المقاومة؛ السنة/ الشيعة؛ القاعدة/ الدعوة، التي يمكن إضافة  الفئات الكردية لها المدعومة من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي يشكل أيضاً شكلاً من أشكال التحالفات غير المتكررة مع عناصر سلفية.
دخلت مجموعات سلفية أخرى إلى درعا بعد الإجراءات السعودية المتخذة ضد " ربيع البحرين". فقد كان الممولون السعوديون في ذلك الوقت يشجعون الجماعات المسلحة الأردنية، ذوي العلاقات الوثيقة بالإخوان المسلمين، على القيام بعمل ما في منطقة درعا. وكانت درعا تعاني من جفاف شديد وكان هناك اضطرابات اجتماعية قادت المزارعين الذين كان قد مضى عليهم 4 أشهر من دون دفع رواتبهم إلى التظاهر. وقد حفرت هذه الجماعات الأنفاق والمخابئ والتحصينات لإخفاء أسلحتها، بشكل مشابه للتقنيات المستخدمة من قبل الجماعة الاسلامية المسلحة الجزائرية (المعروفة بالأحرف الأولى الفرنسية –GIA) خلال العقد الممتد من 1988-1998.
كانت التقنيات نفسها مستخدمة في حمص، مدينة أصبحت بؤرة النزاع المسلح ضد النظام بفضل جغرافيتها الفريدة وسماتها الديمغرافية.

دعوات للجريمة والنزاع المذهبي
قبل نهاية العام 2011، أصبحت حمص رمز التطرف الديني السني/ العلوي و" لبننة" الصراع. ويتقاسم النظام والجماعات السلفية المسؤولية بخصوص هذه العملية " المصنعة" للبننة، وهذا يجعل الرد الأمني من جانب واحد أمراً ممكناً، ما يضع الحل السياسي للأزمة على الرف لوقت لاحق.
وبحسب رأي أسما كفتارو، فإن الشبكات الإعلامية العربية والغربية، إضافة إلى القادة الدينيين في كل من قطر والسعودية، تتقاسم جميعاً المسؤولية بخصوص هذه " اللبننة الإجبارية" لسوريا.
إضافة إلى حملات التضليل الإعلامي المتكررة التي تديرها الجزيرة، تدعو شبكة التلفزيون القطرية المحلية – قطر TV- لمواجهة دينية بزعم أن "بشار الأسد هو خائن للمسلمين".
في ربيع 2011، خلع شيخ في حماه جلبابه قائلاً إنه لن يضعه عليه مرة أخرى إلا عندما يتم إعدام 300 علوي. وقد ارتداه مرة أخرى بعد مجازر وصدامات حزيران/ تموز، التي حدثت قرب الحدود التركية.
وفي عدد من النصوص التي نشرها الإخوان المسلمون في لندن منذ بدء الثورة السورية، وُجهت الرسالة التالية إلى المتظاهرين في سوريا: " إذا أردتم رفع القضية السورية إلى الأمم المتحدة، ينبغي أن يموت عدة آلاف من الناس على الأقل". وتم إطلاق فتاوى مختلفة في مساجد في  "فينسبوري" وأماكن أخرى للصلاة في منطقة " ماربل آرك"، صرَّحت بوجوب موت ثلث السكان، تحديداً العلويين، كحل وحيد لإنقاذ الثلثين الباقيين.
وتعتقد أسما كفتارو بأن هدف السلفيين والراعين الخارجيين لهم هو تدمير سوريا ونموذجها الاجتماعي المتعدد الأبعاد، النموذج الاستثناء في العالم العربي. " هذه الخصوصية للأمة السورية كانت، ولوقت طويل، لا تطاق بالنسبة للمتطرفين في الدول الخليجية، الذين يصرون على انتماء كل العرب إلى المذهب الوهابي، في حين ينظر للشيعة في سوريا باستهجان. علينا الاستمرار بحماية أنفسنا من السلفية ودول الخليج". وتأمل أسما كفتارو بألا تنتشر الحرب الأهلية إلى خارج حمص، "إذا ما  انتشرت عملية اللبننة في كل سوريا وتحولت إلى حرب أهلية حقيقية، فإنها ستصبح أكثر دراماتيكية وأطول من الحرب الأهلية في لبنان"، تقول كفتارو.

يعتقد معظم قادة المعارضة المحلية بأن شعار " العلويون في التابوت والمسحيون إلى بيروت "، قد اخترعته السلطات لإخافة الأقليات. إضافة إلى التهديدات المتنوعة للصراع المسلح، تنفذ مجموعات صغيرة من المحرضين تصرفاتها الاستفزازية في الأحياء المسيحية في مدينتي حماه ودمشق، من دون أن يكون هناك من هو قادر على تحديد هوياتهم أو أصولهم بشكل مؤكد. " إن البلد يشهد انتشاراً للعنف المجاني ولأسباب من الصعب التحقق منها، في حين تظل هوية المحرضين على العنف غير معروفة"، قال أحد الديبلوماسيين الأوروبيين الموجودين في دمشق.

أعمال الإرهاب
منذ أيلول 2011، أصبح الصراع على الطريقة الجزائرية: عنف مجاني، عمليات قتل مجهولة الهوية، مع وجود ثلاث مناطق ساخنة من الصدامات المسلحة المتكررة: حمص، درعا، وإدلب. لقد تم ذبح عدد من الضباط العلويين وأولادهم في أيار 2011، أمر لم تتنازل الصحافة الغربية وتغطيه. وحاول ممثل سوريا في الأمم المتحدة أن يشرح عدة مرات مقتل حوالي 1100 شرطي وضابط في الجيش منذ آذار 2011، لكن كلامه لم يلاق إلا التكذيب.
أما على الفايسبوك وشبكات الإنترنت الأخرى فيتم تداول القوائم السوداء بأسماء المحكوم عليهم بالموت من قبل متمردين قرروا من يعتقدون وجوب موته، وقرروا من هو " المتعاون" ومن ليس كذلك. ووفقاً للأم آغنيس ميريام دو لا كروا، وهي الأم الكبيرة الكرملية في رهبنة سان جايمس  (منطقة دمشق)، كان يوم 6 تشرين أول 2011 في حمص أسوأ يوم. إذ قتل أكثر من 100 شخص في قتال مذهبي، بمن فيهم عدد كبير من الناس الذين تم تقطيع أوصالهم. " كانت هناك مشاهد مرعبة، نساء مغتصبات، أثداء مقطوعة، أفراد مقطعي الأوصال. تم اغتيال عريس مسيحي شاب لأنه رفض المشاركة في تظاهرة إلى جانب المتمردين. قتل صاحب دكان سني فقط لأنه باع سلعة لضابط شرطة"، قالت الأم آغنيس شارحة الوضع.
 شرح عمر أوسي، الزعيم الكردي، لنا قائلاً إن هذا النوع من القتل الانتقامي غريب تماماً عن ثقافة سوريا وتاريخها وإنه يعتقد بأن هذه الممارسات قد تم استيرادها من قبل السلفيين. ويرتدي المتمردون بزات الشرطة أو الجيش الرسمية لتنفيذ عملياتهم الانتقامية. ولمواجهة هذه التكتيكات، ارتأت القوى الأمنية تغيير بزاتها الرسمية على أساس منتظم.
أكد بعض محاورينا بأن المتشددين السلفيين يموهون أنفسهم، يحلقون لحاهم ويحملون إشارات وشعارات موالية للحكومة للتسلل إلى التظاهرات الداعمة لبشار الأسد. ووفقاً لعدد من المصادر الأمنية المؤيدة، فقد تسلل متشددون ليبيون ( بربر من جبل نفوسة، محازبون لعبد الحكيم بلحاج) إلى كتائب الجيش السوري الحر. لقد دخلوا عبر مخيمات اللاجئين الموجودة على طول الحدود التركية.

رد القوى الأمنية
رغم وساطة الجنرال محمد ناصيف، مستشار بشار الأسد – كان أيضاً مستشار والده حافظ الأسد –فقد دفع قادة علويون معينون من الجبل، وبشكل واضح، للقيام برد " أمني" متشدد منذ بداية الأحداث. فهم يعرفون بأن الإجراءات الصارمة المتخذة في حماه ( 1982) لا تزال مطبوعة في ذاكرة السنة وبأنهم سوف يكونون في خطر لو خسروا السلطة. إنهم متخوفون من رد فعل ويتصرفون بشكل لا إرادي لحماية مجتمعهم، أمر يمكن أن يفسر قسوة ووحشية الحملات في البداية.
اعترف عدد من محاورينا المحابين للنظام بأنه " في البداية، تم ارتكاب عدد من الأخطاء في التقييم والرد"، وشجبوا قوة القمع، معترفين بأن الحملة المتخذة أدت لأن يصبح الوضع أسوأ مما هو عليه ليس إلا.
إلا أن شهريْ أيار وحزيران أشارا إلى حصول تحول بعدما بدأت القوى الأمنية تجد نفسها في خطر. لقد تم إعدام عدد من الضباط في منازلهم وعلق عدد من جنود الصف ما بين فكي كماشة ضباطهم الآمرين ومجتمعهم حيث مسقط رأسهم. إذ أصبح الجنود المعروفون بأنهم علويون هدفاً وبدأت حالة من انعدام الثقة بالنمو بين الأفواج العسكرية المتعددة الطوائف. كان هناك عدد من حالات التمرد، تحديداً في شمال غرب وشمال شرق البلد. أدت حالات التمرد هذه إلى حصول معارك بالرشاشات، مع توجه المتمردين رأساً إلى مخيمات اللاجئين على الحدود التركية.
ووفقاً لأسما كفتارو، فإن الاتهامات المتكررة الموجهة للمخابرات ترتكز، أحياناً، على واقع في الحقيقة، لكن " رغم أن  رجال الأجهزة السرية ليسوا بقديسين، فإن المتمردين المسلحين غالباً جداً ما قاموا بما هو أسوأ بكثير". وإن المزاعم حول وحشية الشرطة، كما يحصل غالباً في مثل هذا الوضع، غالباً ما ترددها المعارضة بشكل رئيس العاجزة عن تقديم دليل يدعم رواياتها.
"رغم أن هذه الرواية للحقائق غير مسموعة اليوم في السفارات الغربية والإعلام، يحاول عدد من القادة الأمنيين المماطلة وكسب الوقت، أو على الأقل تجنب تفاقم الوضع"، قال أحد الملحقين الدفاعيين الأوروبيين الموجودين في دمشق. بالواقع، بإمكان الوحدات المدرعة تخفيض عدد مناطق التمرد في حمص. لقد تم تقديم خطط عديدة لبشار الأسد الذي اختار إستراتيجية " الاحتواء " بدلاً من حل المواجهة لاجتثاث قوى التمرد، بحسب ما شرح لنا المصدر نفسه. وبنفس الطريقة، وأثناء مسيرات الاحتجاج السلمية النادرة المستمرة، تحمل وحدات النظام أوامر بتجنب الاحتكاك  و"شق" وتفريق تحركات الحشود ببساطة.
في أيار 2011 في دير الزور، طلب بشار الأسد من عدد من الوحدات الأمنية تفريق الحشود من دون استخدام السلاح. وعندما رأى المتشددون أنهم لم يكونوا مسلحين، استفادوا من الوضع وبدؤوا بإطلاق النار على القوى الأمنية. وقتل عدد من الجنود وفر الجنود العاديون. هذا الأمر أحدث اضطراباً في أوساط القوى الأمنية الذين اعتقدوا بأن الرئيس قد تخلى عنهم. لكن الأوامر احتُرمت وتم جلب الجنود الذين أطلقوا النار إلى المحاكم العسكرية. لم يتحدث الإعلام عن العقاب الذي تلقاه هؤلاء الجنود تجنباً لزيادة المتظاهرين من استفزازاتهم  بعد مشاهدتهم لذلك، ولتجنب، قبل كل شيء، حال الإحباط في أوساط الجنود العاديين.
في كل الأحوال، لا تزال لدى أجهزة الاستخبارات وسلاح الجو سمعة سيئة جداً نظراً لتورطها المباشر في الحملة. وقد فسرت شخصيات قيادية عديدة للمعارضة المحلية لنا بأن هناك "متظاهرين معينين يفضلون الموت على التعرض لخطر الاعتقال الأمر الذي قد ينتهي بتعذيبهم ورميهم في السجن لفترة طويلة. هذا الموقف يفسر، جزئياً، هذا التطرف في السلوك وطبيعة دوامة العنف هذه التي تتصاعد وتشبه محاكمة من دون دفاع".

حصيلة عدد قتلى الحملة 
حتى انتهاء مهمتنا، وقبيل انتشار المراقبين من قبل الجامعة العربية،  كانت الأمم المتحدة قد صرحت بأن هناك  5000 شخص قد ماتوا وجُرح عشرات الآلاف في هذه الأزمة، رغم أن من الصعب تحديد هذه الأرقام. وتم اعتقال أكثر من 14000 شخص من المعارضة وترك حوالي 12000 البلد.
ووفقاً للمعارضة المحلية، فقد تم اعتقال آلاف الناشطين وتعذيبهم. ويصر ممثلوهم على عدم امتثال أجهزة الأمن التابعة للنظام للحقوق المدنية والسياسية الأساسية. لكنهم يعترفون أيضاً بأن تقرير الأمم المتحدة قد صيغ بظل ظروف مشكوك بها وبناء على معلومات لا أساس لها من الصحة.
على سبيل المثال، تم اعتقال لؤي حسين، شخصية علوية معارضة تاريخية ورئيس " جبهة إعادة بناء سوريا"، أمام منزله في 22 آذار، 2011 في الساعة 11:15 صباحاً. لقد تم توضيبه داخل سيارة لا تحمل علامات وذلك بعد ضربه. ثم ذهبوا إلى منزله ، كسروا بابه، صادروا حاسوب ابنته وفتشوا كل شيء قبل أن يأخذوا بعض الأقراص المدمجة والكتب. وأحضروه إلى القسم 215  (مركز الاستجواب). وضرب مرة ثانية خلال الطريق. ثم أحضرته المخابرات إلى مكتبه حيث صادروا ثلاثة حواسيب أخرى، إضافة إلى كتب ووثائق أخرى قبل جلبه مرة أخرى إلى القسم 215. وخلال الاستجواب، سألوه عن اتصالات هاتفية أجراها ( كان هاتفه مراقباً). ثم أطلق سراحه بعد ثلاثة أيام. وهناك عدد من القادة والشخصيات الوجيهة الأخرى في المعارضة ممن عوملوا على هذا النحو. " هذا النوع من السلوك يقود إلى تطرف الشخصيات القيادية للمعارضة"، قال لؤي حسين معلقاً.

الجزء الثاني

الجزء الثالث

موقع الخدمات البحثية