قراءات سياسية » قاعدة حامات العسكرية: مقاربة من زاوية تاريخية ومعاصرة!

د.علي أكرم زعيتر
من منّا لا يذكر تفاصيل ما جرى عام ٢٠٠٥، أعني تحديداً حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما رافقها من تداعيات. وقتها ملأت قوى الرابع عشر من آذار الساحات مطالبةً برحيل القوات السورية التي كانت قد دخلت إلى لبنان إبان الحرب الأهلية وبطلب مباشر من الدولة اللبنانية.

لم يكن بمقدور حلفاء سورية فعل شيء سوى التظاهر تأييداً لبقاء جيشها. وقد أبلوا بلاء حسناً وقتذاك، حيث عمت تظاهراتهم الشوارع والساحات الرئيسية في بيروت، ما جعل الأمر يبدو كأن هناك انقساماً عمودياً في البلد بين فريقين، فريق مؤيد لسورية وآخر معارض لها.

ما إن خرج الجيش السوري من لبنان في نهاية العام ٢٠٠٥ حتى سارع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مهاجمة لبنان في صيف العام ٢٠٠٦. بدا الأمر مدبراً، فقد خال قادة كيان العدو أن بخروج الجيش السوري من لبنان، تصبح هزيمة المقاومة سهلة للغاية. وكيف لا وسورية كانت بمثابة ظهير أيمن للمقاومة في لبنان. لم يكن قادة المقاومة يعبؤون كثيراً بمؤامرات الداخل، فهناك من يحمي ظهرها من أي طعنة.

المهم، لم يخيل لقادة العدو أن بمقدور حزب الله أن ينتصر عليهم في أي حرب ميدانية، حتى ولو خاض المواجهة وحيداً دون دعم أو إسناد مباشر من وحدات الجيش السوري المنتشرة على الأراضي اللبنانية، فأقدموا على مغامرتهم غير محسوبة النتائج صيف العام ٢٠٠٦، فحدث ما لم يكن في حسبانهم. خرجت المقاومة منتصرة من المعركة، بل وأقوى مما كانت. وتوالت المؤامرات على المقاومة وأهلها، والقيادة صابرة محتسبة تترصد العدو من كل ناحٍ.

شعارات كثيرة أطلقها سياديو ١٤ آذار من قبيل: ”حرية سيادة استقلال“، ”لا للاحتلال السوري الإيراني“، ”لبنان جوا جوا سورية اطلعي برّا“، وغيرها الكثير من الشعارات البراقة. كثيرون وقتها سحروا ببريق هذه الشعارات، وقد كانوا يحسبون أن مطلقيها صادقون في ما يقولون، وأنهم يسعون بشكل جدي لكنس الوجود الأجنبي من لبنان.

لسنا مهتمين كثيراً باستحضار التاريخ، ففي لبنان كلٌّ يرى التاريخ من منظوره، حتى تكاد لا تميز بين الحق والباطل من غُلَواءِ ما تسمع وترى. ما يهمنا هو مخاطبة أولئك المخدوعين، ممن لا يزالون يؤمنون بأكاذيب سياديي ١٤ آذار.

أعزائي المخدوعين، هل سمعتم همساً أو فحيحاً، لمي شدياق أو سامي أو نديم الجميل أو سامي فتفت أو فؤاد السنيورة أو أي من تلك الوجوه الكالحة التي لطالما صدعت رؤوسنا بشعارات الحرية الزائفة؟ هل سمعتم أحداً من هؤلاء يستنكر إقدام الولايات المتحدة على إقامة قاعدة عسكرية في بلدة حامات الشمالية؟

بالطبع لا، لم ولن تسمعوا أيًّا من هؤلاء يصرح ضد ما جرى! ألا يعد إنشاء قاعدة عسكرية لدولة أجنبية على أرض لبنانية انتقاصاً لسيادة الدولة اللبنانية، أم ما يسري على سورية وإيران لا يسري على أميركا بالضرورة؟!

إن لم يكن صمت قوى ”الاستقلال والحرية“، ومعهم قوى التغيير و منظمات المجتمع المدني (NGO'S) المطبق نفاقاً ودجلاً وازدواجية معايير، فماذا يكون؟

لماذا لم يخرج النائب (التغييري) وضاح الصادق على الإعلام ليدين هذه الخطوة الأميركية المسيئة لسيادة واستقلال لبنان، ولماذا لم تخرج النائب بولا يعقوبيان؟ لماذا ساد الصمت المطبق في البلد؟ ألا تستحق سيادة لبنان واستقلاله استصدار بيان شجب من قوى الرابع عشر من آذار وحلفائهم التغييريين (NGO'S)؟

فلنكن واقعيين، هؤلاء لا تعنيهم سيادة ولا استقلال! كل ما يعنيهم هو التصويب على سلاح المقاومة، ومحاولة استهدافها، بأي وسيلة كانت، امتثالاً لأوامر مشغليهم في واشنطن. ومن يعتقد بخلاف ذلك هو واحد من اثنين: إما واهم أو ساذج.

الجدير بالذكر، أن قاعدة حامات الجوية، شُيدت عام ١٩٧٦ بجهود مباشرة من الرئيس بشير الجميل، وقد أريد لها في البداية أن تكون مطاراً عسكرياً، خاصاً بالمناطق المسيحية، حيث وجد حزب الكتائب آنذاك، أنه من المناسب في ظل سيطرة فصائل المقاومة الفلسطينية على مطارَي رياق في البقاع، والقليعات في الشمال، وسيطرة القوى الوطنية على مطار بيروت الدولي، تشييد مطار خاص يؤمن الإمداد والإسناد الجوي لقوى اليمين المسيحي المتطرف.

فقاعدة حامات من حيث الموقع الجغرافي العام تقع في البترون بالقرب من رأس الشقعة، ما يجعلها بمأمن من أي استهداف قد تتعرض له من القوى المناوئة لليمين المسيحي المتطرف.

في الوقت الحالي، تُبدي الولايات المتحدة اهتماماً بارزاً بها، فهي تقع ضمن بيئة سكانية غير موالية لحزب الله، الأمر الذي يتيح لها التصرف فيها على هواها. فقد رصدت تقارير إخبارية عدة حركة نشطة لطائرات C130 الأميركية، وقد ذكرت بعض المواقع الإلكترونية أن رحلات عديدة لطائرات أميركية انطلقت من هذه القاعدة باتجاه تل أبيب، ما ينحو بنا إلى التساؤل حول طبيعة تلك الرحلات!

ويبدو أن اهتمام الولايات المتحدة بقاعدة حامات ليس جديداً، فقد سبق لمسؤولين أميركيين أن أثاروا موضوع تأهيل المطار وتحويله إلى قاعدة عسكرية متقدمة منذ العام 2005، أي مباشرة عقب انسحاب القوات السورية منه، حيث تجدر الإشارة إلى أن المطار كان قد سقط بيد الجيش السوري عام 1978، أي بعد عامين من افتتاحه، وقد بقي تحت السيطرة السورية حتى تاريخ خروج القوات السورية من لبنان عام 2005.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المطار تم افتتاحه بشكل رسمي، كقاعدة جوية عسكرية تابعة للجيش اللبناني في العام 2011، بعدما عُدَّ على مدى السنوات السابقة مطاراً جوياً. وقد شهد المطار قبيل افتتاحه كقاعدة عسكرية عدة أعمال توسعة، جرت كلها بتمويل وإشراف مباشر من قبل السفارة الأميركية، ما يعكس مدى اهتمام السفارة به.

ومؤخراً شهدت القاعدة المذكورة أعمال توسعة إضافية، بدءًا من العام 2019، وقد انتهى العمل فيها هذا العام (2023)، حيث أضيف إليها المزيد من الهنغارات ذات السعة الكبيرة، فيما زودت برادارات وأجهزة مراقبة حديثة.

وتشير تقارير الجيش اللبناني المنشورة على موقعه الرسمي إلى رحلات قامت بها طائرات عسكرية إلى القاعدة من بينها رحلة قامت بها طائرة C130، في العام 2011 (الموقع الرسمي للجيش اللبناني، العدد 318 - كانون الأول 2011).

ولا يفوت الجيش اللبناني الإشارة إلى الدور الذي لعبته القاعدة في دك أوكار الجماعات التكفيرية خلال معركة الجرود، حيث يُعزى إليها بحسب تقرير منشور على موقع الجيش بتاريخ (آذار 2015 _ العدد 357)، الدور الأبرز في ضعضعة دفاعات وتحصينات الجماعات إياها.

قد لا تكون مطارات لبنان العسكرية ذات أهمية كبرى للجيش الأميركي، كما يزعم بعض الكتاب المحسوبين على المعسكر الأميركي، لكونها مطارات صغيرة نسبياً، ولكون أميركا بالغنى عن مطارات لبنان في ظل وجود العديد من المطارات العسكرية الأكبر سعة والأكثر أهمية في الدول المجاورة، كالأردن، وتركيا، والكيان المؤقت. قد يكون ذلك صحيحاً بالفعل، ولكن من يعرف حجم القلق الذي تسببه المقاومة الإسلامية للأميركي والإسرائيلي في المنطقة والعالم يدرك مدى حرص الولايات المتحدة على تملُّك ولو بضعة أمتار في أي بقعة لبنانية، لا سيما إذا كانت بعيدة عن مناطق نفوذ حزب الله، لما لذلك من أهمية في أي مواجهة، قد تشهدها المنطقة في الأعوام المقبلة.

إن مطارات لبنان الصغيرة بحجمها والكبيرة بتأثيرها تشبه إلى حد بعيد حال لبنان الصغير بحجمه، الكبير بتأثيره، لذا لا يتوهمن أحد بأن أعمال التوسعة التي شهدتها السفارة الأميركية في عوكر مؤخراً، والتي جعلت اللبنانيين يستذكرون أيام سطوة مقار المارينز في ثمانينيات القرن الماضي، لا تهدف إلى الإطباق على المقاومة أو بالحد الأدنى إلى ممارسة نفوذ وضغوط على الجهات الرسمية اللبنانية مستقبلاً، كيما تضغط بدورها  على المقاومة وتحد من حرية حركتها، بحجة تفادي العقوبات الأميركية المالية والسياسية.

إن انتشار القواعد الأميركية العسكرية في سورية (قاعدة التنف) والعراق (قاعدة عين الأسد) والأردن والأراضي المحتلة وتركيا والخليج، ومؤخراً في لبنان إنما يهدف لأمر واحد وهو الإطباق على المقاومة وداعميها الإقليميين، الجمهورية الإسلامية وسورية وبقية دول محور الممانعة، ومن يقل خلاف ذلك، إنما هو واحد من اثنين إما ساذج مسكين، وإما متآمر عميل.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد البشري


موقع الخدمات البحثية