قراءات سياسية » لا ينبغي أن تدار منظمة الدول الأمريكية من قبل عشاق الفوضى

بقلم لورا كارلسن(*)

في خضم الأزمات في فنزويلا، والهجرة، والمناخ، عانت قيادة المنطقة الإقليمية الرئيسية في نصف الكرة الغربي من قيادة مؤيدة لترامب.

صراع الأجنحة

مع أعلان زعيم المعارضة الفنزويلي نفسه رئيساً للبلاد ودعم إدارة دونالد ترامب لهذا الانقلاب، تتجه فنزويلا نحو مرحلة جديدة من الأزمة. ويمكن أن تتفاقم تلك الأزمة بسبب القيادة المتشددة لمنظمة الدول الأمريكية (OAS)، أقدم منظمة إقليمية في العالم وأكثرها نفوذاً.

أعلن مؤخراً عن التجديد لـ "لويس ألماغرو"، أميناً عاماً لمنظمة الدول الأمريكية، لمدة 5 سنوات أخرى على رأس المنظمة. وسيكون ذلك بمثابة نكسة كبيرة للحكم الرشيد في المنطقة. فطوال فترة ولايته السابقة، عمل "ألماغرو" ضد العديد من المبادئ الأساسية لدول المنظمة لأنه تعامل مع مصالح الولايات المتحدة على انها فوق مصالح جيرانها الامريكيين، فدعم عمومًا حلفاء الحكومة الأمريكية وعاقب خصومها وسعى وبنشاط على وجه الخصوص لتغيير النظام في فنزويلا.

إن ادعاءات "ألماغرو" التي لا سند لها في كثير من الأحيان ضد فنزويلا وكوبا تعكس تأثير إرهابيين خطرين مثل لويس بوسادا كاريليس. فتدخلاته المفتوحة في السياسة الداخلية للبلدان قد ناقضت تماما مبدأ العمل الدبلوماسي في حل الخلافات، وقسمت القارة، وقادت تياره السياسي في أوروغواي لطرده والدعوة إلى إقالته من قيادة منظمة الدول الأمريكية.

مكافحة الفساد والدكتاتورية

علاوة على ذلك ، وضع " ألماغرو"  نفسه كحكم في الشؤون الداخلية للدول التي يحكمها اليسار (بينما غض الطرف عن التجاهل الصارخ للقانون في الأنظمة اليمينية)، وتواجه قيادته اتهامات فساد خطيرة تتعلق بكيفية إدارة أموال لمهمة مكافحة الفساد في هندوراس.

في خطوة غير معتادة ، عيّن " ألماغرو" نفسه رئيسا غيابيا لبعثة دعم مكافحة الفساد والإفلات من العقاب في هندوراس (MACCIH)، للحفاظ على نفوذ واشنطن وسيطرتها المالية على مقدرات هذا البلد .
بعد سحب صلاحيات فريقه الأمنية وخلافه مع " آلماغرو " حول ميثاق " الإفلات من العقاب" استقال الممثل الرئيسي لـ (MACCIH)، رئيس وزراء بيرو السابق خوان خيمينيز مايور في شباط/ فبراير 2018 ، مشيرا إلى احباطه من دعم  "آلماغرو" .

كما اتهم خيمينيز علنا آلماغرو بتوظيف أشخاص مقربين منه برواتب كبيرة في البعثة على الرغم من حقيقة أن البعثة في هندوراس لا تعرف ماذا يفعلون. مع وجود علامات الفساد داخل بعثة منظمة الدول الأمريكية لمكافحة الفساد ، طلب محامو MACCIH مراجعة من قبل المفتش العام وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء أقرت الطلب ، لم يتم إجراء أي مراجعة !

التوترات بين ألماغرو ولجنة مكافحة الفساد استمرت لعدة أشهر. وقد أجرت (MACCIH) مؤخرا بعض التحقيقات الرئيسية في خضم الأزمة السياسية التي تعيشها الهندوراس منذ انقلاب 2009 .

عانت هندوراس من سلسلة من فضائح الفساد في ظل أنظمة ما بعد الانقلاب، وتدهورت سيادة القانون ، وارتفعت أعمال العنف والجريمة المنظمة في البلاد.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 ، أعيد انتخاب رئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز في تصويت اعتبر غير شرعي من قبل غالبية السكان والعديد من الخبراء.

وعلى الرغم من إعلان منظمة الدول الأمريكية أن الانتخابات غير ملائمة بالدرجة الأولى ، فقد انتقدت المعارضة في هندوراس المنظمة لدعمها ضمنياً لدعم هرنانديز ، حيث نظمت المعارضة احتجاجات الكبيرة ودعت هرنانديز للتنحي ، فقامت القوات الحكومية بقتل 16 متظاهراً على الأقل.

في أوائل عام 2018 ، مع استمرار الصراع بعد الانتخابات، كشفت (MACCIH) عن ملف فساد يشمل أعضاء في برلمان  هندوراس. وزعمت القضية أن المشرعين قاموا بتحويل مئات الآلاف من الدولارات من الأموال العامة (في بلد يعيش فيه 25 في المائة من السكان على 5.50 دولارات في اليوم أو أقل). وقد رفع مركز (MACCIH) عدة قضايا مماثلة ضد فساد الحكومة منذ ذلك الحين ، وآخرها في 11 كانون الأول/ديسمبر.

عندما هاجمت البعثة الفساد، بدأت تتلقى تهديدات وتواجه ما وصفه أحد أغضائها، وهو المدعي العام في بيرو خوليو أربيزو، بـ "عوائق خطيرة" لعمله مباشرة من " الماجرو" .

يوافق تقييم في حزيران/ يونيو 2018 من قبل خبراء في الجامعة الأمريكية أن الكثير من اللوم لعقبات وفشل (MACCIH) يمكن أن يعزى مباشرة إلى "ألماغرو". وخلصت الدراسة في تقريرها إلى أن "المسار السياسي لـ (MACCIH) قد كشف عن أن منظمة الدول الأمريكية فد أضعفت وانقسمت، بتوجيه من أمينها العام المتهور وغير المتناسق " لويس آلماغرو " .

يقتبس التقرير شهادة لأحد أعضاء لجنة مكافحة الفساد يقول إن "ألماغرو" أمضى مزيدًا من الوقت في التجسس على أعضاء اللجنة ليرفع  تقريراً إلى واشنطن حول ما فعله خيمينيز. "

وقد ساهمت قرارات "ألماغرو"  في التغاضي عن الأزمة السياسية في هندوراس والتراجع عن مقاضاة الدولة على فسادها وجرائمها ، مما أدى إلى تقويض مهمة اللجنة الخاصة ،وهجرة الآلاف من سكان هندوراس إلى الولايات المتحدة.

وحيث أن مراجعة مكتبه والاتصال به من قبل أعضاء (MACCIH) والدول المانحة قد تم حظره ، فإن المزاعم ضد شراكة "ألماغرو" بإساءة استخدام الأموال لم يتم دحضها أو تبرئته منها .

تقسيم نصف الكرة الأرضية

دعم "ألماغرو" لزعيم هندوراس الذي اعتبر دكتاتورا من قبل شعبه يتناقض بشكل حاد مع حملته الشديدة العدوانية ضد فنزويلا.

في تناقض مروع مع وظيفته  الدبلوماسية، هدد "الماغرو"  "في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي" بالتدخل العسكري للإطاحة بحكومة مادورو.

ينتهك هذا الموقف ميثاق منظمة الدول الأمريكية وسبب وجوده في المنظمة، المنصوص عليها في المادة 21: "أراضي الدول مصونة؛ لا يجب أن تكون عرضة، ولو مؤقتاً، للاحتلال العسكري أو غيره من تدابير القوة التي تتخذها دولة أخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأي سبب كان."

وتنص المادة 3 على" احترام حرمة وسيادة واستقلال الدول".

وعلى نطاق أوسع، فإن الصقور في مجموعة "ألماغرو" يقفون بوجه العديد من الالتزامات التنظيمية للمنظمة بحل النزاعات من خلال الدبلوماسية والوسائل السلمية.

وأدى تصريح "ألماغرو"، غير المتوقع، إلى إثارة الكثير من النقد من جانب حزبه، "الجبهة الواسعة لأوروغواي"، فصوت بالإجماع لطرده، وأعلنت حكومة أوروغواي أنها ستعارض إعادة انتخابه.

وفي وقت لاحق، فإن اعترافه الفوري بزعيم الجمعية الوطنية، "خوان غوايدو"، بوصفه "الرئيس المسؤول" في فنزويلا، وهو انقلاب يدعمه دونالد ترامب، يطرح علامات استفهام على أزمة يمكن أن تنفجر عنفاً بسهولة رغم أن القنوات الدبلوماسية كانت مفتوحة. لحلها بسهولة دفع التشجيع على التدخل بالتحالف مع إدارة ترامب إلى دق إسفين بين الدول والقوى في نصف الكرة الغربي. كانت محاولات "الماغرو"  لتغيير النظام في فنزويلا مؤيدة  بثبات من قبل الحكومتين المكسيكية والكولومبية ، لكن الحكومة المكسيكية الجديدة لأندريس مانويل لوبيز أوبرادور قررت بحكمة عدم الاستمرار في لعب دور عصابة "ألماغرو ـ ترامب" في منظمة الدول الأمريكية وامتنعت عن مسايرة غالبية مجموعة ليما بعدم الاعتراف بإعادة انتخاب مادورو.

على الرغم من أن "ألماغرو" قد وجد حليفًا جديدًا في حكومة "بولسونارو" البرازيلية الجديدة، إلا أن هذا التحالف لن يؤدي إلا إلى جعل الطبيعة المسيَّسة لإستراتيجيته أكثر وضوحًا وجرأة .

لقد أدى هاجس رئيس منظمة الدول الأمريكية مع فنزويلا إلى تآكل قيادته وإلهاء المنظمة عن مواجهة التهديدات المشتركة للمنطقة. علاقته الحميمة بإدارة ترامب تعني التقليل من الحاجة إلى تعزيز التدابير المشتركة لإبطاء تغير المناخ. كما لم تتخذ المنظمة تحت قيادة "  ألماغرو"  موقفاً قوياً للدفاع عن حقوق المهاجرين رغم آلاف الوفيات وانتهاكات حقوق الإنسان.

مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات الدولية بشأن تغير المناخ والهجرة والمصالح المشتركة الأخرى ـ والبرازيل التي تليها ـ هناك فجوة حوكمة متنامية حول القضايا الأكثر إلحاحًا التي تواجه نصف الكرة الأرضية. يجب على منظمة الدول الأمريكية أن تكثف جهودها لسد هذه الفجوة ، مع حلول مبتكرة للعمل الجماعي قبل أن يؤدي عدم المساواة واللامبالاة إلى انزلاق الكوكب إلى حالة من الضعف.

كان" ألماغرو" مهتماً  بالتغيير المناهض للديمقراطية أكثر من اهتمامه بمواجهة التحديات الحرجة التي تواحهها منظمته . لدى المنطقة فرصة لاستعادة التعاون الإقليمي بشأن الأولويات المشتركة. لكن هذا سيتطلب تغييرًا في القيادة.
(*) المصدر: https://fpif.org/the-organization-of-american-states-shouldnt-be-run-by-regime-change-enthusiasts/

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية