قراءات سياسية » القلم الذي فضح المنشار

يوسف الشيخ

الزخم الدولي الذي رافق قضية خاشقجي بعد اختفائه ومقتله في قنصلية بلاده باسطنبول سواء في دوائر البحث في واشنطن وأوروبا أو الشرق الأوسط ينبع من أدواره التي مارسها كمستشار لكبار أمراء آل سعود النافذين، وكصحفيّ سعودي خرج دومًا عن الهيئات التقليدية التي صبغها نظام آل سعود ، بالإضافة لإجادته الإنجليزية التي أتاحت له نسج علاقات واسعة مع كبار الدوائر الفكرية في واشنطن.

ولم يكن جمال خاشقجي يومًا بعيدًا عن أمراء آل سعود؛ فهو السعودي الذي أجاد فنون الكتابة ونسج العلاقات معهم ليستأمنوه على إدارة كُبرى وسائل الإعلام التي تُعبر عن الصوت الرسمي للمملكة ويصير رئيسًا لتحرير كُبرى الصحف السعودية، وينتقل بعد ذلك ليعمل مستشارًا إعلاميًا للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي السابق في بريطانيا، ثمّ في الولايات المتحدة.

توطدت علاقة جمال خاشقجي، الذي عرف الكثير من الأسرار عن مطبخ القرار السعودي، مع تركي الفيصل إلى درجة أنّ الأخير اصطحبه إلى واشنطن عندما عيّن سفيرا فيها في العام 2003 خلفا للأمير بندر بن سلطان. وفي العام 2005، انتقل جمال خاشقجي إلى لندن بعد أن أصبح تركي الفيصل سفيرا للمملكة العربية السعودية في بريطانيا .
وقد أتاحت خدمته كضابط استخبارات سعودي عمل تحت ساتر مراسل ميداني في (أفغانستان – باكستان – الجزائر – البوسنة ) فضلاً عن إجادته للغة الإنجليزية، ودراسته للصحافة في كُبرى الجامعات الأمريكية بولاية إنديانا، لجمال خاشقجي النفاذ لدوائر الأمراء من آل سعود المُخول لهم التواصل مع الغرب؛ ليرى فيه تركي الفيصل، الذي كان رئيسًا للمخابرات السعودية وسفيرًا للمملكة في الولايات المتحدة وبريطانيا الوجه الذي يبحث عنه؛ فهو ضابط استخبارات سعودي الجنسية، مُتقن للإنجليزية، مُثقف، عاش في أمريكا ويعي الخلفية الثقافية ومناطق النفوذ السياسي داخل واشنطن؛ ليُعينه مستشارًا له في لندن ثم واشنطن، ويستعين بوجهة نظره في هندسة السياسة الخارجية للمملكة في العواصم الغربية، ويمنحه الصلاحيات ليواجه الصحافة ودوائر الإعلام الأمريكي باسم السعودية بشأن أي اتهامات كانت توجه للرياض في الصحافة الغربية .

ولم تنحصر صلات خاشقجي بتركي الفيصل فقط، إذ شكلت خصوصية العلاقة التي جمعته بسعود الفيصل، وزير الخارجية الأكثر تأثيرًا في تاريخ المملكة محطة مهمة في تاريخ الصحفي السعودي؛ لينتقل ويتحرك ويتحدث عن الشأن السعودي في الداخل والخارج بصلاحيات واسعة وثقة من سعود الفيصل ، الذي أمتدح في أكثر من مناسبة  قدرات الخاشقجي الواسعة في صياغة مواقف متماسكة في الدفاع عن المملكة تجاه الغرب.

لمعت أدوار خاشقجي باعتباره منظّرًا ومستشارًا لجيل من الأمراء، الذين منحهم الملك عبد الله صلاحيات واسعة لهندسة سياسة المملكة خارجيًّا وأمنيًا، بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ إذ لعب دورًا في الرد على كُل الشكوك والاتهامات التي طالت المملكة؛ حتى خرج بكتاب يتناول فيها الأزمة بعنوان بعنوان «علاقات حرجة: السعودية بعد 11 سبتمبر»، كان عاملًا مساعدًا للخارجية السعودية في رسم ملامح سياساتها تجاه واشنطن، كما ذكرت وثائق «ويكليكس»، وراج انتشاره في الأسواق.

ولم تقف حدود العلاقة بين خاشقجي عند حقبة الملك عبدالله فقط؛ بل تأسست علاقة خاصة بينه وبين الملك سلمان بن عبدالعزيزفي بداية حكمه ، عززها التقاطع بين الخط السياسي للمملكة الداعم لتعزيز العلاقات مع تركيا، ومد قنوات الاتصال مع الإخوان المسلمين وذلك في بداية ولاية الملك، وهو ما تقاطع مع أطروحات خاشقجي آنذاك إلا أن ذلك كله توقف بعد الهجوم الكبير الذي شنه محمد بن سلمان للوصول الى منصب ولي العهد والقبض على ناصية السلطة السعودية والتحكم بكل شيء.

كان الخاشقجي قد قطع بأن أسلوب ولي العهد السعودي الجديد هو تحييد واعتقال كُل ماهو مخالفٍ لسياسته دون اعتبار لشخصيته وعلاقاته .  وقد ذكر الخاشقجي في عدة مقابلات أن هذا الشعور تعمق لديه بعدما التقى ولي العهد السعودي في منتصف 2016 حين أعلن عن رؤية 2030، مع 30 مثقفًا وصحافيًا وشيخًا من اتجاهات أيدولوجية متباينة؛ وكما يقول الخاشقجي ، فقد صدقت توقعاته بعد هذا الاجتماع وتكاملت لديه الصورة بأنه أصبح على لائحة غير المرغوب فيهم.

كان ذلك بعد أشهرٍ من اتصال تليفوني من مسؤول أمني بالديوان الملكي ومُقرب من ولي العهد يأمره بالصمت، سبق ذلك خطوات نفذها النظام السعودي لتجريد الخاشقجي من كافة صلاحياته وأدواره. كانت أولى هذه الخطوات تجميد مشروعه التلفزيوني قناة «العرب» الإخبارية التي تأسست بتمويل من الأمير السعودي الوليد بن طلال، ورئاسة  خاشقجي، والتي صدرت بشأنها أوامر بوقف البث في البحرين قبل أن ينتقل مقرها إلى قطر، التي منحتها كافة التسهيلات المطلوبة. سعى ولي العهد السعودي إلى تجميد مشروع القناة، لينجح في إغلاقها، بعد حملة انتقادات واسعة من جانب وجوه سعودية إعلامية معروفة بولائها له، كانت هذه الحملة من المجموعة الإعلامية الجديدة الموالية لولي العهد السعودي مؤشرًا على رغبة ولي العهد السعودي في إنهاء نفوذ خاشقجي عبر إسكاته تمهيدًا لاعتقاله.

إضافة إلى ذلك، فقد صدر قرار ملكي بوقفه عن الكتابة في الصحف السعودية كافة بالأمر المُباشر، وتوقيف حسابه على موقع «تويتر» حتى نجح في الخروج خارج بلاده، وواصل نشاطه الإعلامي عبر الكتابة في كُبرى الصحف الأمريكية، والظهور على المحطات الفضائية العالمية.

أدرك الخاشقجي أن النظام الجديد بات يعتبره واحدًا من المجموعة المحسوبة على الجناح القديم من العائلة المالكة ، والتي قرر ولي العهد الخروج على تقاليدها، وتنحية أغلبهم من مواقعهم النافذة مقابل إطلاق يد مجموعة نخبوية جديدة مُقربة منه وإعطائها نفوذًا واسعاً ومناصب قيادية.

وعن الفترة التي حاول فيها النظام السعودي الجديد التقرب منه لاستمالته قال الخاشقجي في احدى المقابلات :" هذه اللقاءات والاتصالات، ربما كانت محاولة للاحتواء، اعتقدوا أنني أريد شيئًا، وربما يستميلونَني، وأقول لهم: أنا لم أغادر حتى تدعوني للعودة، ولم أتخلَّ حتى تستميلوني، الذي حصل أنني لا أستطيع أن أشارك في سياسة أنا غير مقتنع بها، الصحافة باتت صحافة هجاء وشتائم، بدأت بقطر، ثم تركيا، والآن نهاجم الفلسطينيين والعرب، ونهاجم بعضنا البعض."

ويتابع الخاشقجي قائلاً : " وجدت في صفوف الحاشية مزاجاً تخوينياً ، وانتصارات وهمية، وحفلة تطبيل، لم أكن بالصحافي المثالي الشجاع، ولكن كانت هناك حدود حتى للتطبيل، كنت دومًا أحاول أن أدفع سقف الحريات عاليًا، ودفعت ثمن ذلك ثلاث مرات، خسرت وظائف يتمنَّى كثير من مطبِّلي اليوم، الذين يهاجمونني كل خمس دقائق لتسجيل موقف عند العراب الأكبر لعله يلتفت لهم، لو يحصلون عليها، ثم يأتون ويقولون: «خاشقجي تحوَّل لمعارض بعدما خسر وظائفه»، هلا يسأل لماذا خسر وظيفته رئيسًا للتحرير؟ حتى أجعل الصحافة السعودية قوية، وتحظى على قيمة مجتمعية مؤثرة، بينما كل الذي تريده رضا شخص واحد، وأنا أعرض عليك رضا شعب ومبدأ. أنا لم أتغير، هم من تغيروا."

ويبدو أن كل ذلك كان في عقل جمال الخاشقجي عندما قرر الخروج من السعودية في سبتمبر (أيلول) 2016. فقد قطع الخاشقجي أن ولي العهد الجديد لن يكون على درب أبناء عمومته الذين أسس علاقات وثيقة معهم؛  ويبدو أن أطرافاً وشخصيات نافذة في الاسرة المالكة ممن حيدها الحكم الجديد قد نصح وشجع الخاشقجي على الخروج من المملكة .

لماذا قتل الخاشقجي ؟!

في 23 تموز 2018 نشرت صحيفة واشنطن بوست  مقالا للخاشقجي تحدث فيه عن الخوف والتخويف وحملة الاعتقالات الأخيرة بالمملكة، واصفا إياها بالدرامية وأنها طالت الإصلاحيين والمحافظين على حد سواء.

وقال خاشقجي في مقاله الذي أعادت نشره العديد من الصحف والمواقع خارج الولايات المتحدة، إن ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان تعهد لدى استلامه السلطة بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي و"بمزيد من الانفتاح والتسامح" وعلاج ما يقعد بالمملكة عن التقدم مثل منع النساء من قيادة السيارات "لكننا لا نرى الآن إلا الاعتقالات".
وأوضح خاشقجي أن الاعتقالات ـ التي طالت حوالي 30 شخصا ـ تأتي قبيل صعود الأمير محمد إلى العرش، وأنها تمثل تشهيرا عاما بالمثقفين والقادة الدينيين الذين تجرؤوا وعبروا عن وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظر قيادة الدولة.

كان الخاشقجي قد توقع مصيره قبل سنة عندما زجت السلطات السعودية بالعشرات من الأمراء والنافذين في الاعتقال في حادثة فندق الريتز الشهيرة في الرياض في نوفمبر تشرين ثاني الماضي عندما تجاوز الحكم السعودي الجديد وزج بافراد من العائلة المالكة في السجن ثم قايضهم على السكوت وترك اي عمل حكومي والدفع مقابل اطلاق سراحهم وقد علق الخاشقجي على ذلك في تغريدة على تويتر حيث قال :" إذا كان الأمير يستطيع ان يدفع مليار ليحصل على حريته، مالذي سيدفعه معتقل الرأي ليحصل على حريته؟ مالذي سندفعه جميعا لنحصل على حريتنا".

انتقادات جمال خاشقجي كانت شديدة الخطورة بالنسبة لنظام الحكم السعودي الجديد ، لأنها كانت تهدد بتقويض علاقة السعوديين بقطاعات واسعة في الولايات المتحدة أهمها النخب الفكرية والاعلامية والسياسية.

في نظر المملكة، تمثل تهديد جمال خاشقجي (الذي عمل كمستشار إعلامي للسفير السعودي السابق ومسؤول الاستخبارات العامة  المخضرم السابق الأمير تركي بن فيصل) بما كان قد نسجه من علاقات واسعة مع عدد كبير من السياسيين والصحفيين والبحاثة الأمريكيين مختلفي المشارب في واشنطن مركز صناعة القرار الأمريكي ورأت مؤسسة القرار السعودي أن شخصية وازنة كخاشقجي أصبحت أكثر تهديداً بعد سفره إلى منفاه الاختياري في العاصمة الأمريكية حيث أصبح كنزاً معلوماتياً للنخبة الأمريكية حول حقيقة ما يجري في السعودية بعد استلام آل سلمان بن عبد العزيز الحكم في الرياض فمن خلال عاموده في صحيفة واشنطن بوست وإمكانية وصول أفكاره وتحليلاته إلى الجهات النافذة والمؤثرة  في الولايات المتحدة وأوروبا- غدا الخاشقجي أكثر من مجرد ناقد هادئ : لقد أصبح تهديدًا.

كان ذلك محفزاً للسعوديين (المهووسين بحماية شبكتهم للعلاقات العامة في الولايات المتحدة ) على أخذ القرار حيث اعتبروا أن هذا هو الوقت المناسب لإسكاته.
مما تقدم أصبح  الخاشقجي صيداً ثميناً عمل الحكم السعودي طوال 11 شهراً على اقتناصه حتى نجح غريمه محمد ابن سلمان في ذلك يوم 2-10-2018 وتحييده للأسباب التالية :

1- أهمية جمال الخاشقجي الأمنية والمعلوماتية باعتباره صندوقاً أسود وشاهداً على أخطر حقبتين مرت بهما السعودية في التاريخ السياسي المعاصر وهما :

أ‌-  حقبة شراكة النظام السعودي لأمريكا في خلق وتأسيس ورعاية بذور الجماعات التكفيرية والارهابية إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 والتي تفرعت منها أذرع موجة الارهاب التي اجتاحت العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي .

ب‌- حقبة استلام آل سلمان السلطة في السعودية بلافتات إصلاحية استطاعوا خداع الغرب بها ومهدوا الطريق لمحمد بن سلمان ليصبح الحاكم المطلق للسعودية .
2- خطر جمال الخاشقجي صاحب الرأي والمشورة المسموعين والعلاقة القوية التي تربطه بطيف من الشخصيات والاتجاهات السياسية المعارضة وببعض الشخصيات القوية والنافذة في العائلة السعودية المالكة التي لم يستطع محمد بن سلمان تحييدها والتي فضلت المهادنة حالياً مع الملك السعودي وولي عهده ريثما تتوفر ظروف موضوعية تسمح لها بالانقضاض عليهما .

3- الدور الذي لعبه الخاشقجي في التأثير والتخريب على حملة العلاقات العامة التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والتي فرضت على بن سلمان في احدى مراحلها إقامة طويلة في واشنطن الصيف الماضي  للتواصل مع الجهات والشخصيات والمؤسسات الفاعلة في صنع القرار الامريكي للدعاية والتسويق لنفسه في الولايات المتحدة كخليفة مرشح و(قوي) لوالده.

4- دعوة خاشقجى المفتوحة للنظام المصرى إلى مصالحة الإخوان ودفاعه الشرس عنهم ، فى محاولة إلى لم شتات قادة الإخوان مجددًا، بدعوى " صرف الجهد فى سبيل النهوض بمصر من أجل أهلها أولاً ثم من أجل العرب" كما عبر في أكثر من مناسبة . وكان الخاشقجي مع بداية ما يسمى بالربيع العربي قد أصدر كتابًا عام 2011 يدعم فيه الإخوان سماه "ربيع العرب زمن الإخوان"، أشاد فيه بما يفعله الإخوان المسلمون. واستمر الخاشقجي وحتى ما قبل اختفائه بأيام بنشر تغريدات يشيد فيها بالإخوان المسلمين رغم تصنيف القاهرة والرياض للجماعة بالإرهابية مما جعله في موضع الاتهام وخاصة بعد وفاة الملك عبد الله وتحييد بطانته ووصول أخيه سلمان وإبنه محمد إلى سدة الحكم باستراتيجية تناصب العداء لمعظم حركات الاسلام السياسي هذه الرؤية لم تنسجم مع الخريطة السياسية والثقافية التي حملها محمد بن سلمان عقب بيعته وليًّا لعهد المملكة العربية السعودية. هنا كانت المؤشرات تتجه إلى حالة جفاء بين الصحفي القريب من مؤسسة الحكم، والاستراتيجية التي تبنّتها القيادة السعودية الجديدة.

5- جمعت الخاشقجي علاقة قوية بنظامي الحكم التركي والقطري مما جعله عدواً رئيسياً لولي العهد السعودي الذي تعامل مع هاتين الدولتين بالذات باعتبارهما عائقاً استراتيجياً لمشروعه في زعامة العالم الاسلامي .

تأثير قضية الخاشقجي على العلاقات (السعودية – التركية)

لأسباب تتعلق بنفوذ السعودية وتركيا في العالم الاسلامي وما تمثله حساسية قضية الخاشقجي لهذين القطبين الاسلاميين الرئيسيين (دينياً ومعنوياً) يبدو أن تركيا والسعودية ليستا مندفعتين حتى الآن باتجاه التصعيد فبالنسبة للسعودية فإنها تضررت كثيراً من تداعيات الأزمة وبعدما كانت تتعاطى مع العالم الاسلامي بما فيه تركيا بنظرة (السيد المطلق ) وتتذرع بدورها المذهبي كزعيمة (للعالم السني) لشن حرب بلا قيود على ايران أصبحت الرياض بعد الضرر الكبير الذي ألحقته بها قضية الخاشقجي في موقف دفاعي ضعيف بسبب ضعف حجتها ومنطقها في الدفاع عن نفسها مما استدعى تدخل الرئيس الأمريكي بشكل موارب لحمايتها من المساءلة . أما بالنسبة لتركيا التي تستفيد من تراجع الزخم والصخب السعودي فإنها تتصرف بسياسة (القائد ) فلا تسمح لحدة وتشدد سياسة أردوغان بالنفاذ للخارج بل تمارس منذ بداية الأزمة كبحاً لجماح كل الرؤوس التركية الحامية وتتولى إدارة الملف باحترافية عالية .

ويبدو أن أنقرة ليست في وارد التصعيد السياسي الآن لأن الحدث فرض نفسه ورجح كفتها في الميزان وهي بتسريباتها المدروسة للاعلام تمارس حرباً ناعمة قاسية بمواجهة القيادة السعودية  دون أن تضطرإلى النزول لحلبة النزال مع السعودية وهذا ما يفسر تباطؤ رد الفعل الحكومي التركي الذي لم يخرج بشكل رسمي بعد 20 يوماً من حادثة قتل الخاشقجي واقتصر ردها كما أسلفنا على حملة اعلامية وتسريبات وتصريحات في الاوساط الحزبية والصحفية التركية . ويبدو أن دخول الاعلام الأمريكي والبريطاني وخصوصاً القطري على الخط قد أثر بشكل إيجابي على حملة تركيا الدعائية مما أضعف كثيراً من أسلحة الدفاع الاعلامي والسيبراني السعودي .

تقول صحيفة “الجارديان” البريطانية إن موقف الرئيس التركي يعكس التوازن الدقيق بين المصالح بين أنقرة والرياض، وهما ثقيلتان في المنطقة، ولا تزالان على خلاف بشأن القضايا المحورية، مثل الحصار الذي تقوده السعودية ضد قطر، ومركز الإخوان المسلمين، وما حدث في مصر عام 2013، وتظل تركيا في معسكر الدوحة على خلفية أزمة قطر، غير أن مسؤوليها يفضلون توجيه عدائهم إلى الإمارات العربية المتحدة بدلاً من الرياض، حيث يحاولون البقاء على شروط محايدة.

ما يظهر تباعاً من طيات هذه القضية أن  الانكار السعودي لم يستطع الصمود أمام البراعة التركية في إدارة القضية والغضبة الدولية العارمة التي اجتاحت صفوف المنظمات الحقوقية ووسائل الاعلام والساسة واحرجت أكثر من عاصمة غربية مؤثرة وفرضت على البيت الأبيض التصدي للأزمة ومحاولة اجتراح حل موارب لحماية (رجالها في الرياض ) ومحاولة إقناع تركيا بالموافقة على الترتيب الذي حمله وزير الخارجية الامريكي " مايك بومبيو " إلى الرياض وأنقرة والذي حمل الرياض على الكشف عن الجزء الأهم من  لغز اختفاء الخاشقجي وهو الاعتراف بمقتله في قنصليتها باسطنبول على يد " عناصر مارقة " ويبدو أن هذه المحاولة للتستر على الأمر لن تنجح نظراً للأسباب التالية :
1- تحول القضية إلى أزمة دولية وقضية رأي عام دولي وأمريكية بشكل خاص ودخول منظمات حقوقية عالمية على الخط للضغط على السعودية وتركيا وعلى الهامش الولايات المتحدة الامريكية لتشكيل أي إطار للتحقيق الدولي في قضية مقتل " الخاشقجي ".

2- سعي السعودية المتهمة بقتل الخاشقجي للملمة آثار الجريمة السياسية والمعنوية المدوية والحد من تداعياتها مع إبعاد أي شبهة عن القيادة السعودية بالتورط والاحتفاظ بسمعة الحكم السعودي كنظام قوي .

3- تأثير مقتل الخاشقجي على الأراضي التركية وفي ظل الحماية التركية على وظيفة ودور جغرافية تركيا الجديد بعد العام 2013  كملاذ  للاجئين الكبار من قيادات وكوادر التنظيم الدولي للاخوان المسلمين فبعد مقتل الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول التي تلقب (ببيشاور الاسلاميين) فان اضطرار تركيا لعدم التصعيد وللتسوية مع السعودية بضغط من إدارة ترامب سيجعل أراضيها غير آمنة للاجئي الأخوان المسلمين وبالتالي سيسمح للدول المتضررة منهم بسلوك النهج السعودي في تصفية الخصوم وهذا ما لا يمكن لتركيا أن تتحمله أو تدفع فاتورته الأمنية.

القضية هي شكل جديد من الأزمات الدولية

تعتبر قضية اختفاء الصحفي والباحث السعودي جمال خاشقجي نموذجاً مثالياً لأحدى أشكال الأزمات الدولية التي سنشهدها في المستقبل حيث تتقدم فيها عناصر وأدوات الحرب الناعمة في سلوك الأطراف المتورطة على غيرها من الأدوات التي تستخدم في النزاعات ويتحول فيها المجال الافتراضي إلى ميدان رئيسي للصراع تستخدم فيه أطراف النزاع معظم وأمضى اسلحتها في هذا المجال لتحقيق النصر على الخصم.
فهذه الأزمة الدولية التي اشتعلت منذ يوم الثلاثاء 2-10-2018  تاريخ إغتيال " الخاشقجي " في قنصلية بلاده في اسطنبول هي شكل جديد من الحروب التي تستخدم فيها أطراف النزاع الصورة والمقطع المرئي ولوحات المفاتيح واجهزة الاتصال الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والاشاعات وكم هائل من المعلومات المتناقضة لحشد التأييد لرواية كل طرف حسب رؤيته.
و ما يزيد قضية اغتيال الخاشقجي غموضاً وغرابة في المجال الافتراضي هو سمعة وسلوك الأطراف المرتبطة أو المتورطة بها  ففي العقد الماضي لم تكن تجربة وسلوك الأطراف المعنية بالقضية (السعودية – تركيا – قطر – الولايات المتحدة الامريكية ) مشجعة وذات مصداقية خاصة وأن هذه الأطراف  استخدمت اسلوب الحرب الناعمة بشكل سيء للترويج لمنطق ذرائعي أدخل منطقة الشرق الأوسط ومناطقة عديدة من العالم في بحر من الفوضى والدماء.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية