قراءات سياسية » هل أتاك حديث التقسيم ؟

أحمد فؤاد (*)

تستدعي الدول الفاشلة حديث المؤامرة، كسبب تتوقف عنده الحياة، وليس كظرف تاريخي يحتاج لاستنهاض الهمم، وتجاوزه، كي تضمن الدولة – ذاتها- أسباب الاستمرار في الوجود، وفي وجه عواصف التغيير، التي هبّت على العالم العربي، وفي قلبه مصر، تحوّلت المؤامرة وخطط التقسيم إلى حديث العاجز، كتبرير يضمن استمرار النظم الحاكمة، ويمنحها فرصة تسويق خياراتها، البليدة، وسير عجلات التراجع المساوم المستمر.

الحديث المبتذل عن مخططات التقسيم، والمؤامرة الأميركية، هو حديث الإعلام المصري المُفضّل، إعلام الصوت الواحد –بعد إغلاق منافذ التعبير كافة أمام المعارضة- ينطلق في وّصلّات صراخّ ليلية هستيرية، تحاول الحشد والتعبئة خلف "الرئيس الضرورة"، لكن كما إنه حشد بلا هدف، ولا ينطلي على مواطنين يعانون الأمرّين، في سبيل الحصول على حاجاتهم الأساسية، فإنه يناقض خطابات الرئيس نفسه، ويخاصم توجهاته المعلنة.

تناسى رجال الرئيس، بسرعة بالغة، توقيع النظام المصري على اتفاقية"The Communication Interoperability and Security Memorandum of Agreement"، المعروفة اختصارًا بـ"توافق الاتصالات" أو "CIS MO"، والتي رفض نظام "مبارك"، بكل مساوئه، التوقيع عليها، وتُلزم الدولة المُوقّعة عليها بالعمل على جعل أنظمتها وشفراتها الإلكترونية متوافقة مع النظم الأميركية، وقادرة على قراءتها، والسماح للقوات الأميركية بالحصول على أقصى مساعدة مُمكنة من الدولة، من قواعد عسكرية ومطارات و موانئ، والإطّلاع والتفتيش على المعدات العسكرية، لضمان عدم نقل التكنولوجيا لطرف ثالث، وفي المقابل يتم الإفراج عن التكنولوجيات الأميركية المتطورة، كبعض الأنظمة الحسّاسة من اتصالات وملاحة ومقاتلات جوية​.

الاتفاقية التي رفضتها الهند، ومصر سابقًا، تخرق الأمن الوطني والسيادة، لأن شروطها تجعل قوات الدول المُوقّعة مكشوفة تمامًا أمام الولايات المتحدة، ورغم توقيع دول الخليج والأردن والكيان الصهيوني عليها، إلا أن مصر استمرت في الرفض، حتى موعد إجراء الانتخابات الرئاسية السابقة، ثم جدّ ما ارتبط بها من "ثمن سياسي"، أي تخلي أميركا عن دعم أي منافس، مقابل المزيد من التنازلات، وهي لعبة تجيدها الإدارات الأميركية المتعاقبة، مع حكام الدول التابعة، لتخرج مصر من استحقاقها الانتخابي الأهم، بحاكم ناجح ووطن راسب.

كل شواهد التبعية المصرية، لا تنفي أن المنطقة تحت سيف مخطط تقسيمي أميركي، لكن هل مصر مقصودة أو مهددة بالتقسيم الجغرافي! أن الواقع يفضح أن النظام المصري الحاكم هو أحد أهم أداوت تنفيذ مخطط التقسيم، ودوره رئيس في "صفقة القرن"، التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وربما يتجاوز التسهيل إلى دور رأس الحربة، إذا ما استدعت الظروف ذلك، كما يجري في مشاركة مصرية بالحلف العداوني على شعب اليمن البطل.

السياسة الأميركية مع أنظمة الحكم المصرية، التي تلت توقيع "كامب ديفيد"، واضحة وبسيطة، أغراق لا يصل لحد الموت غرقًا، بخلق توتر ومشكلات دائمة، تضغط على أعصاب صانع القرار، وتجعله صيدًا سهلًا للحلول الأميركية، وباعتبارها القوى العظمى الوحيدة المسيطرة، تُعقّد المشاكل إلى أزمات، وتُضخّم الأزمات إلى كوارث، لتبقي شروط التبعية والإذعان إلى ما لا نهاية.

مصر بالتأكيد تواجه أزمة وجودية، تهدد استمرارها كدولة، ليس سدّ النهضة الإثيوبي، بكل ما يمثله من خطر، إلا تجليًا فاضحًا لتراجع، استمر منذ استسلام مصر للولايات المتحدة، وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، والتراجع الكامل إلى حدود طبيعية صحراوية، تفرض العزلة والانزواء، وتطلّق الدور القومي، وتبيع أمنها القومي بسيادة اسمية على شبه جزيرة سيناء وقناة السويس.

حديث التقسيم المزعوم يقود بالضرورة إلى الجغرافيا، ولا يمثلها مصريًا أفضل من العبقري "جمال حمدان"، صاحب مؤلف "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان"، الصوت المبكر ضد محاولات تقزيم مصر، وإبعادها عن إقليمها، وفصلها فصلا عن آسيا، لصالح المشروع الصهيو-أميركي، ومن الصدف –أو المساخر- أن الرئيس المصري أدعى، خلال أحد حواراته، إنه أحد كتابه المفضّلين، بجوار الأستاذ محمد حسنين هيكل وأنيس منصور وموسى صبري، علمًا بأن التناقض فجّ بين الأربعة، موسى صبري مثلًا لم يكن كاتبًا بقدر ما كان صحفيًا، محسوبًا على السادات، كاتبًا لسيرته، مروجًا لمشروعاته، وأنيس منصور يبرع في الموضوعات الخيالية والخفيفة، وكتبه عبارة عن تسالي، من عينة "الذين هبطوا من السماء"، ولا تتصالح كتاباته وتوجهاته الساداتية، مع مفكر وسياسي وتأريخي مثل الأستاذ "هيكل"، أو مع فلتة قلما يجود الزمان بمثلها، وهو جمال حمدان.

وجمال حمدان واحدًا، من مثقفين عرب قلائل، نجحوا في حل المعادلة الصعبة، المتمثلة في توظيف أبحاثهم ودراساتهم، من أجل خدمة قضايا الأمة، حيث خاض، من خلال رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، معركة شرسة لتفنيد الأسس الواهية التي قام عليها المشروع الصهيوني في فلسطين، ودرّس الأزمات المصرية بعمق وروية هائلين، من خلال دراسة العلاقة المستمرة داخل حدود الوطن المصري بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان.

في دراسته لشخصية مصر، وضع "حمدان" يده على مفاتيح تشكل الوطن، كما كان منذ 52 قرنًا، والمستمر بلا تغييرات جغرافية حتى اليوم، وشعبها يملك من التجانس ما لا يمكن فصله، ويقول: "مصر كيان موحد ودولة واحدة منذ فجر التاريخ، منذ وحد مينا بين القطرين، وقد يرجع ذلك لحدودها الطبيعية الحامية، والصحراء المحيطة بالوادي مع التجانس البشري والطبيعي، بل تعتبر مصر هي أول أمة بالمعنى القومي، وأول دولة بالمعنى السياسي منذ عصر مينا، وذلك منذ نحو أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وهي أيضًا أطول دولة حافظت على وحدتها القومية عبر التاريخ، فلم يحدث خلال آلاف السنوات أن انفرط عقد وحدتها كدولة إلا في حالات شاذة مثل الهكسوس، وإذا كانت وحدة مصر وتجانسها السياسي والحضاري يرجع للتجانس البشري؛ فقد أدى هذا أيضًا لتدعيم هذا التجانس وتقويته على مر الزمان".

ويوضح "حمدان" الأزمة المصرية: "أنه لأول مرة نكاد نشهد تحوّل مصر من تعبير جغرافي إلى تعبير تاريخي، بعد أن ضاقت أمامها الخيارات، ليس بين السيئ والأسوأ، وإنما بين الأسوأ والأكثر سوءا، واستمرارها نوع من القصور الذاتي، وهي تهرب من المستقبل الأسود، بل من الحاضر البشع، إلى الماضي التليد، ولأول مرة في التاريخ يتغير مكان مصر في العالم، ومكانتها، إلى الأسفل، فتجد نفسها في وضع من العالم لم يسبق من قبل، وهو أنها كيان منكمش في عالم متمدد. أنها كيان متقلص في عالم متوسع".

ويستبعد "حمدان" ما يصفه بمشاريع الصهيونية والغرب لتفتيت مصر، ويعتبره نوعًا من السفه والجنون، ويعزو ذلك "لأن مصر أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين، مصر السياسية هي ببساطة من خلق الجغرافيا الطبيعية، إنها نبت طبيعي بحت، والفرق بين مصر وبعض الدول المحيطة أن الأخيرة أصبح عندها فائض قوة، أما مصر فلديها فائض أزمة تغرق بها داخل حدودها، مضيفا "أنه بقيام الكيان الصهيوني عام 1948، فقدت مصر ربع دورها التاريخي، ثم فقدت نصف وزنها بهزيمة 1967، ثم فقدت بقية وزنها جميعا في كامب ديفيد، ولا عزاء للخونة".

ينفي "حمدان" مزاعم التقسيم في أسطر، ويفضح تهافت إدعاء مشروع غربي لذلك، لكنه يركز على حديث المؤامرة، المنبعثة أساسًا من خيارات سياسية، اقتربت من تحوّيل مصر إلى مقبرة بحجم بلد، ومن تعبير جغرافي إلى صفحة تاريخية، وأن التقسيم الوحيد الذي عانته مصر، كان تقسيم إرثها بعد انسحابها من العالم العربي، بين دور سياسي ورثه العراق، حتى حرب الخليج الثانية، وثقل اقتصادي انتقل إلى الخليج، مستفيدًا من تدفق لا يكاد يتوقف لعائدات البترول.

حديث التقسيم، الذي لا يهدد مصر، الدولة الغارقة في مركزيتها، المركزية المصرية حول الوادي، ومركزية الوادي حول القاهرة، ومركزية شعبها ذاته، دليل استمرارها وعجزها في آن، سلاح تماسكها ككتلة جغرافية ووطن، وبالتالي اختار الغرب الطريق الأسهل لإلحاق الدولة العربية الأكبر، والأثقل سكانيًا، بدعوة الاستسلام الجالب للرخاء، التي يسوقها كل رئيس مصري، بلا ثمة تغيير، إلا نحو الأسوأ.

الغرب أدرك مبكرًا خطأ حرب 1956، و1967، المواجهة المباشرة تكتسح عوامل الضعف الداخلية، وتوحد الشعب في جديلة واحدة محكمة، خلف قيادته، قادرة على الصبر وتحمل الضربات، لأن بديل المقاومة وقتها سيكون باهظًا، لذا كان الحل هو ضرب الرأس، فيتعطل الجسد كله ويعطب، مفتاح الغرب في مصر كان إخضاع القصر، وبالتالي ضمان دولة تابعة، تتقلب في عجزها، ولا تعدو ثوراتها إلا أن تكون صرخات اعتراض، سرعان ما تتبدد في البرية.

التقسيم الفعلي في المنطقة، هو ما جرى في الحرب العالمية على سوريا، كانت خناجر وكلاء الأميركي، المصوبة نحو حاضرة العرب الأولى، وعقل المنطقة، دمشق، حاملة لواء المقاومة، والداعم الرئيس –وربما الوحيد- لكل حركة كانت تجعل من عداء الكيان الصهيوني، ومقاومة الهيمنة الأميركية، من المقاومة اللبنانية، وفي القلب منها "حزب الله"، وفصائل المقاومة الفلسطينية كافة، اليساري منها والإسلامي.

ربما أصدق ما خرج على لسان المتأمرين، على سوريا الوطن والأرض، ما قاله حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر السابق، حين وصف الخلاف الخليجي حول الأزمة السورية، بإنها "صيدة تهاوشنا عليها ففلتت"، وانطلقت يبخ آثامه، بعد مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين لقطر، في صراع بين وكلاء الأميركي بالمنطقة.

"بن جاسم" أكد أن الدوحة أمسكت بملف الأزمة السورية بتفويض من السعودية، وأن الدعم العسكري الذي قدمته بلاده للجماعات المسلحة في سوريا، كان يذهب إلى تركيا بالتنسيق مع الولايات المتحدة، و"كل شيء يُرسل، يتم توزيعه عن طريق القوات الأميركية والأتراك والسعوديين".

ولفهم ما جرى في سوريا، ينبغي العودة قليلًا إلى الخلف، فالدولة السورية كانت الهدف الأغلى المطلوب من واشنطن على الدوام، والرقم الصعب في معادلات المنطقة، طوال عهدي الرئيس الراحل حافظ الأسد، والحالي بشار الأسد، بعد رفضها جميع عروض التسليم، سواء عقب تركها وحيدة في ساحات القتال أمام الكيان الصهيوني، خلال حرب تشرين التحريرية، أو فراغ الساحة العالمية، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، حليفها الأقوى والأهم، في مطلع التسعينات.

طوال السنوات التي تلت الانهيار السوفيتي، مارست الولايات المتحدة، ذاتها أو عبر وكلائها بالمنطقة، محاولات الغواية، أهمها خلال عملية أوسلو للسلام، وما بدا إنها رغبة في تسوية الصراع العربي-الصهيوني، في زمن إسحق رابين، عبر إعادة الجولان إلى الوطن، لكن الرغبة الأميركية اصطدمت بثبات سوري، كان يرى التجربة المصرية المأساوية، والثمن المريع المدفوع لمعاهدات استسلامية، فرفض منذ البداية الشعار الخادع المرفوع "الأرض مقابل السلام"، وظل على طريق المقاومة، ولو انفض من حوله الجميع.

لم يتح الموقف السوري الثابت من رفض السلام المشروط مع الكيان الصهيوني، للولايات المتحدة تصفية القضية الفلسطينية، فسوريا بوزنها واعتبارها الأم لكل من لبنان وفلسطين والأردن –كانوا يمثلون جزءًا من سوريا الكبرى قبل سايكس بيكو- أزالت ورقة التوت عن منظمة التحرير الفلسطينية، وفضحت مبكرًا زيف رهانها على الصهيونية، ما أدى إلى عملية سلام ميتة قبل ميلادها.

واحدة ن محاولات الغواية الأخرى وقعت قبل انطلاق شرارة ما يعرف بـ "الربيع العربي"، عرض قطري مفضوح، يحمل آثارًا اقتصادية هائلة، بتحويل سوريا إلى ممر للغاز القطري الذي تنتظره أسواق أورويا بشغف، وكان الرفض السوري الكامل، من الرئيس بشار، لأنه لأدرك أن العرض يستهدف حليفه الأهم، روسيا، بكسر الاعتماد الأوروبي عليها من جهة، وبإغلاق الطريق أمام الغاز الروسي إلى أوروبا كلها.

الغاز كان أحد أهم مفاتيح الحرب الكونية على سوريا، في ظل اعتماد أوروبي كامل عليه، ورغبة أميركية في وضع أي مورد غاز إلى أوروبا تحت سيطرتها، لتظل ممسكة بمفتاح الخنق، وهي سياسة أميركية ثابتة، ظلت بعيدة المنال، مع الرفض السوري، والأنكى موافقة القيادة السورية على خط غاز آخر، إيراني، يمتد في أراضيها نحو البحر، ومن خلفه أوروبا، وهو ما كان القشة التي أشعلت الحقد القطري الخليجي.

تلاقى حقد الخليج مع أطماع أردوغان، الراغب في التمدد والسيطرة، الحالم بتكرار مأساة أجداده العثمانيين، حين أذاقوا المنطقة كلها ويلات الاحتلال لقرون طويلة سوداء، تحت لافتة خلافة لم تعرف سوى الدم و"الخازوق"، وعانت منها سوريا –بحكم القرب الجغرافي- أكثر من أي دولة عربية أخرى، كما أن الأتراك كانوا يرغبون في عدم تفويت حصتهم من مشروعات الغاز، وخصوصًا القطري، إذ يحرمهم المشروع الإيراني من أي مكاسب، تتعلق بتهريب النفط والغاز، خلال الحصار الغربي على طهران.

والمقاومة اللبنانية كانت ثالث أسباب الجنون الأميركي، من سوريا، فالإمداد السوري للمقاومة اللبنانية، ومعجزتها في حرب تموز 2006، بكسر هيبة الجيش الصهيوني، التي رسخها لعقود في نفسية العرب، وهو ما قاله السيد حسن نصر الله، في أحد خطاباته، عقب النصر، معتبرًا سوريا شريكة النصر والإنجاز.

ثلاث أسباب دفعت الكل إلى العمل على الأرض ضد النظام السوري، لتفتيت وتدمير الدولة السورية القائمة، ودفعها إلى مصير ليبيا بعد القذافي، تفكك كامل، يتيح العمل بحرية على الأرض، إلى حين تثبيت نظام غربي، أو اعتماد التقسيم، والظروف مواتية، في ظل تعدد شرائح النسيج الاجتماعي السوري، من عرب وأكراد، سنة وشيعة، مسيحي ومسلم، بما يجعل من إقامة كيانات بعد تدمير مؤسسات الوطن الحافظة سهلًا.

لكن حلف المقاومة، الذي كان هدفًا إستراتيجيًا للحرب على سوريا، بقطع الخط الواصل من طهران إلى جنوب لبنان، قاد عملية كسر العدوان، بتدخل بطولي لحزب الله في المعارك المصيرية، على امتداد جغرافية سوريا، بداية من المعركة الفاصلة لتحرير القصير، في صيف 2013.

"القصير" كمدينة، تحولت إلى رمزية هائلة لكل أطراف الصراع، بموقعها الذي يشكل عقدة واصلة بين قلب سوريا والساحل، وبين لبنان وسوريا، وتسبب سقوطها، نيسان 2013، في فتح معبر لتدفق المسلحين عبر لبنان إلى سوريا، وتهديد دمشق، وغلقًا لمتنفس العاصمة الممثل في الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط، وخاصة حمص وطرطوس، بالتالي كان سقوطها مروعًا.

تدخل مقاتلو حزب الله في القصير، بإيمانهم وخبراتهم المتراكمة، كان سببًا لرعب الفصائل المسلحة في كل سوريا، ومن يشغلها في تل أبيب، فالحزب –جوار المكاسب العديدة المباشرة- وجه أقوى رسالة للكيان الصهيوني، فبإمكان الآلاف من مقاتليه اجتياز الحدود مع فلسطين المحتلة، وتهديد الجليل بالكامل، وهو ما خلق معادلة ردع جديدة بين الحزب والكيان الصهيوني، بعد انتصار هجومي ساحق، في أرض واسعة، يختلف جذريًا عن ما يعرفه الصهيوني عن مقاتل حزب الله، واعتماده على التخفي وحرب العصابات، باختصار الرسالة كانت: "الحزب الآن ليس من واجهتوه في تموز 2006، بل هو أقوى كثيرًا".

السيد حسن نصر الله، وتعليقًا على الحرب في سوريا، ودور حزب الله فيها، كظهير للجيش العربي السوري، وللوطن السوري ككل، قال: "أنتم لا تفهمون هذه المقاومة، ثلاثين سنة مضت لم تفهموها ولن تفهموها، والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة، مرحلة جديدة  بالكامل بدأت الآن"، وبالفعل كانت مرحلة جديدة، ابتداء من معارك تحرير القصير في صيف 2013، إلى معارك تحرير القلمون في ربيع 2015، إلى معارك تحرير تدمر في شتاء 2016, وباتت سوريا بصمودها وصواب رهانها على محور المقاومة قادرة على عبور التحدي.

سوريا كانت الساحة الأهم لكسر مشروع الشرق الأوسط الجديد، كونها منبت كل مشروع عربي وحدوي، منذ ثورتها الكبرى على إمبراطورية الشر العثمانية، وكما دفعت في الماضي أثمانًا باهظة، على يد جمال السفاح، للانتقال بالأمة العربية كلها إلى العصور الحديثة، فأنها ارتضت أن تدفع ثانية فاتورة الوقوف في وجه المشروع الأميركي.

الصمود الأسطوري لسوريا وشعبها، وبسالة جيشها، وتمكن مقاتلوه من استيعاب دروس "حرب المدن"، بسرعة غير مسبوقة، ومتانة محور المقاومة، والنجاح في إعادة رسم الصورة الذهنية –في المنطقة العربية خصوصًا- مع فضح حلف العدوان وأهدافه، كلها عوامل اجتمعت لترسم في النهاية إنجاز سوري مبهر على الأرض، ينتظر القليل ليعلن النصر النهائي، وهو قادم حتمًا، فالدولة التي استطاعت قهر العدوان في عز جبروته، حين تغلغل وسيطر على الميديا العالمية، وتسبب في ضرر هائل للمعنويات، وتخريب غير مسبوق للبنية التحتية، قادرة على استكمال معركتها لتحرير الأرض.

(*) كاتب مصري

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية