أوراق إستراتيجية » في نظرة إلى الصراع الدولي على بلاد الشام ماضياً ومستقبلاً

عبير بسام
تعتبر بلاد الشام من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم. وتاريخياً سعت الدول والممالك شرقاً وغرباً من أجل السيطرة على شرق البحر المتوسط، الذي يشكل أهم طريق تجارية بحرية مختصرة ما بين الشرق والغرب. يبدأ ساحل سورية أو ساحل بلاد الشام من لسان جبال طوروس شمالاً ليصل إلى ساحل فلسطين الجنوبي المقابل لسهل بيسان. ويكتسب سهل بيسان أهمية خاصة لأنه يعتبر، تاريخياً، المفتاح باتجاه كل من قلب بلاد الشام شمالاً وباتجاه العقبة وشبه الجزيرة العربية جنوباً. فهو طريق التجارة الأهم عبر التاريخ؛ وهو المعبر لطريق التجارة ما بين اليونان ومن ثم الرومان ومن ثم أوروبا إلى الهند والصين. فعبر هذا الساحل السوري وبرِّ الشام يمر طريق الحرير. فلقد قدر لسورية منذ الألف الثالث قبل الميلاد أن تقع في منتصف طريق التجارة الدولية. الطريق التي يمكنها أن تعزز المصالح الإقتصادية والسياسية للدول أو القوى التي تسيطر عليها.

قد لا يكون الإختصار للتاريخ بهذا الشكل من البساطة على  المستوى العلمي، ولكن الهدف من قراءة التاريخ هنا، هو محاولة من أجل معرفة أساس الصراع على منطقتنا والتي لم تسلم من الحروب منذ قيام الحضارات الكنعانية والآرامية وحتى اليوم. وبحسب العديد من القراءات التاريخية ابتدأ الصراع على ساحل بلاد الشام مع محاولات الدول القديمة المتتالية: البابلية الأولى والآشورية والبابلية الثانية، للسيطرة على منطقة بلاد الشام في مواجهة الفراعنة وغيرهم. وهذا ما جعلها عرضة للتنافس بين القوى التي كانت تنشأ في هذه النطاقات الجيوـ سياسية، والتي كان دورها محورياً في العلاقات الدولية وصراعات القوى العظمى، ويشهد على ذلك أن أقدم معاهدة دولية في العالم كانت على الأرض السورية والتي قامت ما بين ملك الحثيين والفرعون المصري رمسيس الثاني في العام 1284 ق.م، في وجه غزوات الحوريون الذين سكنوا شمال الهلال الخصيب.

اجتاح الإسكندر المقدوني في القرن الثالث للميلاد بلاد الشام وبلاد الرافدين ووصل إلى بلاد فارس شرقاً و مصر غرباً. وبعد وفاته اقتسم قادته الثلاث المنطقة التي فتحها الإسكندر بين بطليموس الذي أنشأ دولة البطالمة في مصر؛ وورث سلوقس بلاد فارس حتى الحدود الشرقية للإمبراطورية، وانتيجوس كانت حصته بلاد الشام والبادية والأناضول؛ يوضح عبد المجيد عبد الملك في كتابه "ساحل بلاد الشام والصراعات الدولية"، لم يلب هذا التقسيم إحتياجات البطالمة والسلوقيين، فقد احتفظ انتيجوس بالجزر اليونانية الجنوبية وساحل بلاد الشام الشرقي أي بالطرق البرية والبحرية التجارية، التي تمثل المجال الحيوي والتجاري للبحرية اليونانية مما هدد باختناق باقي المملكتين.

وبالنتيجة هاجم السلوقيون الساحل الشمالي لسورية من لواء اسكندرونة حتى نهر الكلب واحتلوه، واحتل البطالمة الساحل الجنوبي والذي يمتد من جنوب لبنان حتى ساحل فلسطين. وتلاحقت الهجومات والإحتلالات المتتالية من أجل بسط السيطرة على خطوط التجارة. ولم ترتسم الخطوط الواضحة بين الدول الثلاث حتى قام البطالمة بتطوير ميناء الإسكندرية وقام السلوقيين بتطوير ميناء انطاكية. وبقي هناك نوع من التوازن حتى الإجتياح الروماني في العام 30 ق.م. ولم تسلم الممالك العربية التي قامت من البطش الروماني. اذ استطاعت كل من دولة الأنباط ومملكة تدمر إقامة دول قوية وغنية سيطرت على طرق التجارة وحاولت الإستقلال وبناء جيش قوي. لكن الرومان قضوا عليها من أجل وضع اليد على المكاسب التجارية اللتان حققتهما الممالك العربية. كم امتد الصراع على المنطقة ما بين الفرس والروم حتى مجيء الفتوحات العربية الإسلامية، والتي شهدت خلالها المنطقة استقراراً لمرحلة طويلة من الزمن.

لم تخرج الحملات الصليبية عن محاولات السيطرة على بلاد الشام. وبائت محاولاتهم لغزو الداخل في بلاد الشام بالفشل، فلم يتمكنوا من بسط سيطرتهم الكاملة على بلاد الشام. لم تكن الحملات الصليبية في الأساس سوى حملات نهب وسرق لكنوز الشرق، ولم يعرف هؤلاء ممارسة التجارة والأعمال والدليل على ذلك أنهم كانوا يقطنون في حصون عسكرية ولم يعرفوا البناء المدني وبقيوا غزاة. وبحسب عبد الملك: "قامت الحملات الصليبية لأسباب سياسية اقتصادية، وإن كانت تسترت بالدين وتسترت خلف القدس". والأمر نفسه، ينطبق اليوم على الوجود الصهيوني في فلسطين، والذي هدفه السيطرة على المنطقة العربية وبالتالي السيطرة على كنوز الشرق "البترول والغاز" وخطوط التجارة، وأهمها خطوط نقل النفط ما بين الخليج العربي وأوروبا.  

لم يكن سبب اجتياح هولاكو لبلاد الشام والرافدين سوى الأهمية الكبيرة التي اكتسبها طريق الحرير، الذي فتح التجارة من الصين إلى الشرق ومنه إلى اوروبا. حيث واجهت التجارة المغولية تهديداً من البحر الأحمر، والذي تسيطر على طريقه دولة المماليك في مصر. توجه هولاكو نحو المنطقة العليا لبلاد ما بين النهرين واجتاح بغداد في العام 1258 ليصل إلى سورية وينهب دمشق وحلب قبل مواصلة الطريق باتجاه فلسطين. غير أن الصراع على السلطة استمر لقرنين كاملين ما بين المماليك والعثمانيين ورثة هولاكو، الذين دخلت المنطقة في زمانهم في نوع من الإستقرار.

السيطرة على طرق التجارة ومنع بريطانيا من الوصول إلى مستعمراتها في الهند كان أحد أهم أهداف حملة نابليون على مصر في نهاية القرن الثامن عشر (1797- 1801) والذي كان يعي أهمية الشام فتوجه لإحتلال عكا. الأمر الذي لفت انتباه البريطانيين لخطر احتلالهما ووقوعهما تحت الخطر الفرنسي؛ توجهت بريطانيا فاحتلت كل من العراق ومصر وفلسطين في أوقات متزامنه في نهاية القرن التاسع عشر لحماية خط مصالحها.

وبالعودة إلى الفتوحات العربية في العصرين الأموي والعباسي، فقد ظن العرب أن فتح الداخل في بلاد الشام والإهتمام بأمنها يمكنه أن يضمن الأمن والسلام وخاصة للقوافل التجارية التي اعتادت الجزيرة القيام بها مع الهند وغيرها من دول آسيا. ولكن استمرار الهجمات البيزنطية على سواحل بلاد الشام عرض أمن الساحل وأمن البقاع للإضطرابات، وبالتالي فإن ذلك هدد أمن دمشق وأمن الدولة  في بغداد لاحقاً. ولم يستقر أمن الساحل السوري حتى قام الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور بإرسال القبائل التنوخية للإستقرار في جبل لبنان في العام 758م وكان من مهماتها الدفاع عن الساحل السوري، الأمر الذي حقق ضمان أمن الدولة.

فتحة البقاع هي الفتحة ذاتها التي استخدمها الفرنسيون من ظهر البيدر من أجل احتلال دمشق. وبحسب عبد الملك فإن أمن واقتصاد لبنان وسوريا لا يتجزآن. وفي  العام 1982 كانت هناك محاولات متتالية لإسرائيل والقوى التي تحالفت معها في لبنان ما بين 1975 ـ 1991م من أجل احتلال ظهر البيدر الجبلية والوصول إلى نيحا في الشوف من أجل الوصول إلى دمشق. ولهذا وضع بند التعاون العسكري والأمني ما بين لبنان وسوريا في اتفاق الطائف، وهدفه وقف التهديد الإسرائيلي، لأنه اذا ما وصلت اسرائيل إلى البقاع فإنها سوف تخترق الخاصرة السورية، التي تمتد إلى سهول عكار، وصولاً إلى حمص.

على المستوى الأمني تكرر الخطر القادم إلى سوريا من لبنان إبان الحرب الإرهابية، التي شنت على سورية وظهرت أهمية الخط الممتد من العراق إلى الشام إلى لبنان. فإذا عدنا بالذاكرة إلى بداية الأحداث في العام 2011 مع العلم أنها ابتدأت في الجنوب في مدينة درعا ولكنها لم تكن تشكل الخطر ذاته على سورية ولولا اختراق الخاصرة السورية عبر البقاع وسهول عكار باتجاه حمص وادلب. فأخطر الحوادث التي أضعفت الأمن السوري كان تسلل الإرهابيين إلى حمص وادلب عبر المعبرين الرخوين السابقين اللذان تم تمرير السلاح والمرتزقة من ميناء طرابلس عبرهما. مما أدى إلى سقوط كل من المدينيتن على التوالي. ولم تكن تلك الحرب على سوريا إلا من باب فرض السيطرة على بلاد الشام كافة والتي لم يبق عصياً منها سوى دمشق. وبالتالي عندما قامت المقاومة الإسلامية باغلاق الخاصرة السورية من خلال حرب جرود القلمون أثبتت بالوقائع أن أمن البلدين لا يتجزأ. كما أثبتت أن قراءة تاريخ الصراع الدولي على بلاد الشام يمتد عمقياً ليس عبر الماضي فقط، بل باتجاه المستقبل أيضاً.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية