قراءات سياسية » أوروبا 2018 إلى أين؟

سركيس أبو زيد

كثيرة هي الأحداث التي شهدتها أوروبا في العام 2017 على الصعد الأمنية والاقتصادية والسياسية، والحركات الانفصالية المطالبة بالاستقلال. واليوم يقف الاتحاد الأوروبي في مفترق طرق ليس بفعل التراجع الاقتصادي فحسب، وإنما بفعل صعود اليمين المتطرف، الذي يسعى إلى تدمير الاتحاد وعودة الدولة القومية، والجدل المحتدم بشأن المهاجرين، وإذا كانت عوامل كثيرة ساهمت في صعود اليمين الأوروبي، من بينها التراجع الاقتصادي للاتحاد، ومخاوف الأوروبيين من "الإسلاموفوبيا"، ومن ديموغرافيا الإسلام، بفعل التكاثر السريع للوافدين الأجانب، وبخاصة المسلمين، حتى أصبحوا كتلاً سكانية وتصويتية مؤثرة، في المقابل ثمة اعتبارات أخرى تنال من الصورة الذهنية للاتحاد وتزيده انغماساً في همه الداخلي، وتوفر في الوقت ذاته بيئة خصبة لدعاوى اليمين المتطرف لتفكيك العائلة الأوروبية، أولها أن الاتحاد الأوروبي يمر الآن بمرحلة حرجة كشفتها النقاشات الساخنة حول مستقبله.

سياسياً، تقدم اليمين المتطرف في ألمانيا مؤخراً مع فوز لافت لـ"حزب البديل" المتطرف، بالتزامن مع وصول حزب "الحرية والديمقراطية" النمساوي المتطرف الى الحكم. وقبل ذلك، تقدم اليمين في فرنسا مع حصول زعيمة الجبهة الوطنية المتطرفة مارين لوبن على 33% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الدورة الثانية. وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016، أحدث ارتجاجا عنيفا في الاتحاد. والآن تأتي الأزمة السياسية في ألمانيا لتهدد مكانة ميركل وتضعف الدور القيادي الألماني، والمعادلة بسيطة "ألمانيا ضعيفة يعني اتحادًا أوروبيًّا ضعيفًا"، كما حصلت محاولات انقسام واستقلال في عدد من البلدان كان أوضحها وأشهرها في كاتالونيا الإسبانية.
فمسألة الانفصال والاستقلال باتت مطروحة على جدول أعمال بلدان عدة، وهناك من يربط هذه الوجهة بالعولمة، وهناك من يربطها بصعود الهويات أو انتهاء صلاح الدولة المركزية. والواقع أن صعود ظاهرة اليمين في أوروبا وسيطرة الشعبوية على الخطاب السياسي باتت مقلقة ومثيرة للخوف، لما سيترتّب عليها من تأثيرات وانعكاسات على المجتمعات الأوروبية، والأهم أنها تفتح الباب واسعاً بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي. ناهيك عن كونه أكثر تقارباً مع أفكار بوتين وترامب التي تدعو إلى تفكيك المؤسسات والتكتلات الجماعية.

فالحركات الانفصالية تتنامى داخل أوروبا، في ظل وضع يشهد تنامي التيارات القومية واليمين المتطرف نتيجة أزمات الهجرة ومستويات دين خارجي مرتفعة وتهديد الإرهاب. وتسعى حركات الانفصال والتطرف إلى إعادة رسم خريطة أوروبا عبر الارتكاز على معايير اثنية ولغوية أو ثقافية، واستنادا إلى عدم تمتّع هيئات الاتحاد الأوروبي بالشرعية الديمقراطية، والزوال التدريجي للحدود، وتوحيد سبل الحياة، وفرض اللغة الإنكليزية لغة مشتركة.

فأوروبا الغربية تحتضن نموذج كاتالونيا، وهو الأكثر رمزية. وهو وثيق الشبه بما يجري في بلجيكا مع الحركة الفلامندية أو في شمال إيطاليا مع لومبارديا. ومطالب هذه المناطق تلفظ فكرة المواطنة. فالفلامنديون لا يريدون المواطنة البلجيكية، والكاتالونيون يرفضون الانتماء الإسباني، والكورسيكيون لا يريدون الجنسية الفرنسية. وهذه الحركات هي حركات مناطق ثرية. ويعود الثراء هذا إلى موقعها الجغرافي وسكانها واقتصادها، وهي ترى أنها تسدد ضرائب كثيرة إلى الدولة تفوق حصة غيرها من المناطق. وهذه ليست حال كورسيكا حيث تنقل فرنسا القارية نحو كورسيكا حوالى بليوني يورو سنوياً، وهذا مبلغ ضخم. لذا، لا يطالب الكورسيكيون بالاستقلال والانفصال الفوري.
فأزمة الاتحاد الأوروبي تُنسب إلى شوائب أساسية في بنيته الدستورية أو إلى ابتلائه بشح في الديمقراطية. ولا مناص من الإقرار بأن أزمة المهاجرين ساهمت في تغيير طبيعة السياسة الديموقراطية على المستوى الوطني، فأزمة المهاجرين هي وراء ذعر أخلاقي في أوساط أوروبيين يخشون الإرهاب، وتقلقهم التغيرات الكبيرة والعنيفة التي تطعن في أفكار الديمقراطية والتسامح والتطور والمبادئ الليبرالية التي تسم المشهد الأيديولوجي الغربي. فهي منعطف في دينامية المشروع الأوروبي السياسية...

ملامح القلق في مسيرة الاتحاد دفعت رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إلى صياغة وثيقة موجزة عن مستقبل العائلة الأوروبية تحمل عنوان "كتاب أبيض حول مستقبل أوروبا". حدد يونكر خمسة مسارات إلى الوحدة، أهمها استمرار الاتحاد كما هو، والعودة إلى صيغة السوق المشتركة أي "تكتل تجاري"، وخلق أوروبا "متعددة السرعات".

اليوم، يستغل رئيس المفوضية الأوروبية جون كلود جونكر ضعف موقف الحكومة البريطانية نتيجة الانقسام الداخلي في الحزب "المحافظ" الحاكم بين مؤيد لـ"بريكست" يتضمن شروط تعاون مع الاتحاد (سوق مفتوح وقوانين هجرة وتنقّل وغيرها) وبين مؤيد لـ"بريكست" حازم يقطع كل العلاقات الاستثنائية مع اليورو. يعلم جونكر أنه في نهاية المطاف سيضطر الى التفاوض مع لندن، لأنها ليست أثينا ولا يمكنه سحقها والتنكيل بجسدها كما حصل مع اليونان، وخصوصاً مع انشغال ألمانيا بحل أزمة داخلية لن تنتهي بانتصار صلب لأحد. عودة الحيوية السياسية إلى برلين تعني أن ميركل لم تعد المهيمن في بلادها حتى تهيمن على سياسة الاتحاد.  

فأنظار الحلفاء الأوروبيين تركزت على فشل مفاوضات تشكيل حكومة جديدة في ألمانيا متخوفة من احتمالات عدم استقرار محتمل في البلاد ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الأوروبي ومستقبل الاتحاد الأوروبي. وذكرت صحيفة "تايمز" البريطانية أن فشل ميركل سيضر بألمانيا وأوروبا، ووصفت الأزمة الحكومية الحالية بأنها "أسوأ ازمة سياسية تواجه ميركل خلال حكمها الذي استمر 12 سنة، وأن ما يحصل في ألمانيا يمثل أخباراً سيئة لأوروبا، لا سيما أن خطط ماكرون الإصلاحية تعتمد على ألمانيا قوية داعمة محور برلين – باريس". واعتبرت صحيفة "غارديا"  أن هذه السيناريوهات كلها توحي بغموض سياسي كبير في قوة أوروبا على خلفية إعادة تشغيل المشروع الأوروبي وقضايا ملحة مثل الهجرة واللجوء والإرهاب الدولي والأمن الأوروبي المشترك، فضلاً عن تدخلات الرئيس بوتين في الشؤون الداخلية للبلدان الأعضاء والعلاقات مع تركيا، والتراجعات في المسار الديموقراطي في هنغاريا وبولندا... و"البريكست" فبوتين يعمل من جهته جاهداً لتفكيك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، من خلال تشجيع الحركات الانفصالية الأوروبية. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فلم يضيع الوقت للبدء بعملية تفكيك المؤسسات متعددة الأطراف، ووقف إلى جانب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

 قد تتراوح الآراء حول موقع ألمانيا في الاتحاد ودورها، بين السلبي والإيجابي، كما قد تتراوح الآراء حول الاتحاد دعماً ومعارضة، ولكن لم يعد بإمكان أحد البت بأنه قابل للاستمرار سياسياً في بنيته الحالية. الفوضى الألمانية هي خبر سيئ بالنسبة إلى خروج بريطانيا، لأن تيريزا ماي كانت تأمل بمساعدة ميركل، وفرنسا هي القوة الرائدة في الاتحاد الأوروبي، واستدركت أن ماكرون مصاب بالوهن بسبب ضعف ميركل. وعلقت صحيفة "لو فيغارو" أن "ماكرون الذي كان يريد مع ميركل تقوية أوروبا وإعطاءها دفعة جديدة، يواجه تحدياً بفقدان شريك حاسم لخططه وبرامجه، وسيكون من دونها وحيداً في بحر هائج".

اقتصادياً، يشهد الاقتصاد الأوروبي حاليا قوة دفع إيجابية تنتشر عبر جميع الدول الأعضاء. وتعتبر الفترة الحالية الأحسن، إذ تشهد أعلى معدلات نمو في عشر سنوات مع تقديرات تصل الى مستوى يقارب 2,2 % مقابل 7,1 % في الربيع الماضي. وقد يكون النمو الذي تشهده أوروبا حاليا طفرة رغم أن الكثير من المستثمرين والاقتصاديين يرون في هذا النمو أنه مبني على أسس صلبة. ويعود الفضل في النمو في الواقع الى ألمانيا، أكبر اقتصادات المنطقة.

لكن، الأمر المقلق يبقى أنه وعلى رغم تحسن الحالة لا تزال هناك تحديات هامة من بينها استمرار ارتفاع مستوى الدين العام في أوروبا حوالي 90 % من الناتج المحلي الإجمالي، واستمرار ارتفاع مستوى البطالة في بلدان مثل إسبانيا واليونان وانخفاض نمو الأجور، ويحذّر الاقتصاديون من طفرة التفاؤل هذه سيما وأن العملة الموحدة لا تزال تواجه مشاكل عدة في حاجة الى معالجة أهمها قد يكون الوحدة المصرفية وأسواق المال.
هذه الآفاق المشرقة في منطقة اليورو هي في تناقض صارخ مع توقعات المملكة المتحدة، حيث أن الشكوك تكتنف الطلاق مع الاتحاد الأوروبي الأمر الذي أضعف الاستثمار والجنيه معا. لذلك يبدو المشهد ورغم التفاؤل الذي يثيره هذا النمو ضبابيا، فأوروبا في النهاية تبقى رهينة ظروفها الجيوبوليتكية وحالات الانفصال في بعض دولها مما يضفي فترات من عدم الاستقرار التي ستنعكس على الحياة الاقتصادية والمالية في دول المنطقة.
المصدر: موقع العهد الإخباري

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية