قراءات سياسية » المنافسة بين الاوراسية الروسية والاتحاد الاوروبي الغربي

جورج حداد
تمتاز السياسة الروسية حيال اوروبا عامة واوروبا الغربية خاصة بالرغبة في الانفتاح والتعاون بكل اشكاله. وفي المقابل فإن دول اوروبا الغربية تتعامل مع روسيا وكأنها ليست بلدا اوروبيا. وبالرغم من وجود تناقضات في السياستين الاميركية والاوروبية، فإن اوروبا الغربية تشكل مع اميركا "كتلة غربية ـ اطلسية" معادية على العموم لروسيا وللشرق بأسره.

ومن أبرز الامثلة على ذلك:
ـ1ـ شنت المانيا النازية "الحرب الصاعقة" على الاتحاد السوفياتي (وقلبه روسيا) في 22 حزيران 1941، وألحقت به خسائر فادحة في الارواح ودمارا لا مثيل له. ولكن الشعب الروسي، ومعه الشعوب السوفياتية الاخرى، قاوم ببسالة منقطعة النظير. ووقفت الدول الاوروبية الغربية ومعها اميركا تتفرج عمليا، وكأنما كانت تنتظر ان يقوم هتلر بذبح البقرة الروسية، وبعد ذلك اما ان تتفاهم الكتلة الغربية مع هتلر على تقاسم المصالح في البقرة المذبوحة او ان تشن الحرب على المانيا النازية بعد استنزاف قواها في المعركة ضد روسيا. ولكن بعد تغير مجرى الحرب وهو ما ظهر للعيان في معركة ستالينغراد الشهيرة التي استمرت 6 اشهر وانتهت في 2 شباط 1943، فكرت الكتلة الغربية في فتح "الجبهة الثانية" ضد المانيا النازية وذلك في عملية الانزال في النورماندي بفرنسا في 6 حزيران 1944 اي بعد ان اخترق الجيش السوفياتي الحدود الالمانية.  
 
مفهوم اقامة مدى اوراسي ـ اوروبي يعني تجاوز المرحلة الاستعمارية القديمة
ـ2ـ في 1946 قام ونستون تشرشل بزيارة الى الولايات المتحدة، والقى خطابا امام الطلاب في احدى الكليات الحربية قال فيه ان الكتلة الغربية ارتكبت خطأ في انها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لم تتابع الحرب ضد الاتحاد السوفياتي. واعتبر ذلك الخطاب بمثابة تدشين للحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.
ـ3ـ في اعقاب الحرب العالمية الثانية طرحت اميركا في 1947 ما سمي "مشروع مارشال" لتقديم المساعدات المالية والعينية لاوروبا الغربية (بما فيها المانيا الغربية)  من اجل اعادة النهوض في اقتصاداتها المدمرة بنتيجة الحرب. ومع ان الاتحاد السوفياتي كان اكثر البلدان تضررا بسبب الحرب، ويعود له الفضل الاول في الانتصار على النازية والفاشية، فقد استثني من مشروع مارشال ومن اي شكل من اشكال المساعدة، بل عومل كبلد معاد لاميركا واوروبا.
ـ4ـ وفي نيسان 1949 تم تشكيل حلف"الناتو" (منظمة حلف شمالي الاطلسي) الذي توسع بالتدريج الى ان اصبح يضم الان 29 دولة اورروبية بالاضافة الى اميركا التي تتزعم هذا الحلف العسكري. وقد ضم الحلف في صفوفه المانيا النازية السابقة وايطاليا الفاشية السابقة. والهدف الرئيسي للحلف هو مواجهة الاتحاد السوفياتي بحجة محاربة الشيوعية. ولكن الحلف وسع لاحقا دائرة "اهتماماته" وأصبح حلفا غربيا معاديا لكل دولة لا ترضى عنها الكتلة الغربية.
ـ5ـ في 1951 تأسست ما تسمى "السوق الاوروبية المشتركة" (1) التي ضمت في البدء المانيا الغربية بالاضافة الى 5 دول اوروبية اخرى، وذلك من اجل التعاون الاقتصادي فيما بين هذه الدول. واخذت "السوق الاوروبية المشتركة" تتوسع بالتدريج وتعمق اشكال التعاون فيما بينها. وفي سنة 1992 تحولت "السوق الاوروبية المشتركة" الى ما يسمى "الاتحاد الاوروبي" (2) الذي اصدر عملة اوروبية موحدة هي اليورو، وتحول الى ما يشبه الفيديرالية الاوروبية وله "برلمانه الاوروبي" الخاص و"لجنته الاوروبية" التي هي شبه حكومة اوروبية موحدة. والهدف السياسي الاساسي للاتحاد الاوروبي هو عزل روسيا والوقوف ضدها. وبالرغم من وجود تعارضات بين مختلف دول الاتحاد الاوروبي وبينه وبين اميركا، فإن الاتحاد الاوروبي يسير على العموم في ركاب السياسة الاميركية ضد روسيا وضد اي دولة اخرى لا ترضى عنها اميركا.
وفي السنوات الاخيرة طرحت القيادة الروسية فكرة انشاء اتحاد اقتصادي اوراسي للتعاون بين القارتين الاوروبية والاسيوية. ولكن هذه الفكرة وجدت مقاومة شديدة من قبل الاتحاد الاوروبي واميركا.
ومقابل الطرح الروسي لاقامة مدى جيوبوليتيكي واقتصادي اوراسي واوروبي متكامل وموحد، فإن الكتلة الغربية طرحت مفهوم اقامة مدى اوروبي ـ اطلسي بزعامة اميركا.

وهناك فارق جوهري بين هذين المفهومين يتمثل في:
ـ1ـ ان مفهوم اقامة مدى اوراسي ـ اوروبي يعني تجاوز المرحلة الاستعمارية القديمة والتعاون البناء والتكامل بين البلدان الاستعمارية السابقة والبلدان المستعمرة السابقة، بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية والمتخلفة، بين البلدان المنتجة للخامات والبلدان الصناعية، واخيرا لا آخرا بين الشرق والغرب.
ـ2ـ ان مفهوم المدى الاوروبي ـ الاطلسي (الاميركي) يعني تكتيل الدول الصناعية الاستعمارية السابقة بوجه روسيا والصين والهند وجميع الدول النامية (المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة) بكل ما يحمله ذلك من مخاطر التوتر والصدامات والمؤامرات والحروب الاقليمية وربما حرب عالمية ثالثة.
وتجدر الاشارة انه انطلاقا من المفهوم الاوراسي بادرت روسيا الى تأسيس "الاتحاد الجمركي الاوراسي" الذي ضم في البدء روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، وكانت مرشحة للانضمام اليه اوكرانيا في آخر عهد الرئيس السابق يانوكوفيتش. ولكن المعسكر الاميركي ـ الاوروبي نظم الانقلاب ضد يانوكوفيتش في شباط 2014 وآل مصير اوكرانيا الى ما هو عليه الان.

هامش:
(1) - سوق أوروبية مشتركة هو مشروع اقتصادي سياسي، ظهر في أعقاب الاجتماع التمهيدي الذي عقده وزراء خارجية ست دول من الدول الأوروبية في إيطاليا في حزيران (1951م)، لإِنشاء وحدة اقتصادية بين دولهم، وهذه الدول هي: فرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية وبلجيكا وهولندا ولكسمبورغ. وتلا ذلك وضع المبادئ الأساسية لهذه السوق، إِذ وقعت عليها الدول المشار إِليها فيما سمي معاهدة روما لتنشأ رسميا في 25 مارس / آذار 1957م، الذي يعد التاريخ الفعلي لقيام السوق الأوروبية المشتركة.

(2)- الاتحاد الأوروبي هو جمعية دولية للدول الأوروبية يضم 28 دولة وآخرها كانت كرواتيا التي انضمت في 1 يوليو 2013، تأسس بناءً على اتفاقية معروفة باسم معاهدة ماستريخت الموقعة عام 1992، ولكن العديد من أفكاره موجودة منذ خمسينيات القرن الماضي.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية