مقالات » بالإضافة إلى إسرائيل.. من يقف وراء «تمييع» اتفاق فك إضراب الأسرى الفلسطينيين؟

#ميرفت_عوف

أنهى الأسرى الفلسطينيون إضرابهم داخل المعتقلات الإسرائيلية بعد واحد وأربعين يومًا، وقد نزعوا موافقة على جملةٍ من مطالبهم الإنسانية والمعيشية التي كفلتها لهم الاتفاقيات والمواثيق الدولية. لكنّ المفاجأة التي تزامنت مع الإعلان عن فك الإضراب، ومع زغاريد وتهليل وتكبير أمهات الأسرى تمثلت في محاولة عدة جهات فلسطينية – مع إسرائيل– التقليل أو تمييع إنجاز الأسرى، إذ قرأ المحللون في ذلك انتفاعًا سياسيًّا، يهدف لإبقاء الوضع على ما هو عليه، ويأتي ضمن صراع موازين القوى داخل حركة التحرير الفلسطيني (فتح)، فهناك شخصيات لا تريد استنهاض حالة كفاحية، يقودها القيادي في فتح «مروان البرغوثي»، المنافس الذي يهدد طموح شخصيات عدة داخل الحركة.

ما هي بنود اتفاق تعليق إضراب الأسرى الفلسطينيين؟

بعد 20 ساعة من المفاوضات، وافق الأسرى الفلسطينيون على تعليق إضرابهم عن الطعام، محققين «80% من المطالب الإنسانية والمعيشية» التي طالبوا بها، كما قال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية «عيسى قراقع».

يقضى الاتفاق حسب المسودة الأولى، التي خرجت بعض تفاصيلها متأخرة، بتوسيع معايير الاتصال الهاتفي للأسرى مع ذويهم وفق آلياتٍ محددة، وفيما يتعلق بزيارة الأهل، فقد تم رفع الحظر الأمني المفروض على المئات من أبناء عائلات الأسرى، منهم أكثر من 140 طفلاً لم تسمح إدارة السجون البتة بزيارة آبائهم، كما قضى الاتفاق بتقليص الفترة بين زيارات أسرى غزة من شهرين أو أكثر إلى شهر، إضافة إلى تحسين شروطٍ تتعلَّق بهذه الزيارة، كالسماح بإدخال الملابس والأغراض، وإخراج الحلوى التي يدخرها الأسرى لأبنائهم وأهلهم وغيرها، كما منح الاتفاق الذي وصف بالمبدئي بإضافة التصوير مع الزوجة، والتصوير مع الأشقاء في حال وفاة أحد أفراد العائلة الأب أو الأم.

وكذلك تم إدخال تعديل جذري على نظام بقالة السجن، بحيث تتحسَّن نوعية المنتجات المتوفرة والأسعار، وإدخال خضار مثل الملوخية والبهارات بكافة أشكالها، ومن النقاط المهمة للاتفاق، وجود سيارة إسعاف مجهزة للعناية المكثفة عند سجون النقب وريمون ونفحة كون هذه السجون بعيدة عن المستشفيات، واتفق كذلك على نقل الأسرى إلى سجون قريبة من أماكن سكن عائلاتهم.

وانتزع الأسرى حسب المصادر الفلسطينية، قرارًا بتعيين الأسير «كريم يونس» ضمن أعلى هيئة قيادية لحركة فتح لمتابعة ما نتج عن الإضراب من إنجازات، كما أنه حسب بيان هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني فإنه «تم الاتفاق على إعادة الأسرى الذين كانوا قد نقلوا بداية الإضراب إلى السجون التي كانوا قد نقلوا منها، ورفع العقوبات التي كانت قد فرضت عليهم بداية الإضراب».

من هي الجهات التي قللت من حجم انتصار الأسرى؟

اشترطت إدارة السجون الإسرائيلية خلال مفاوضات الساعات الأخيرة على قيادة الإضراب عدم تسريب ما سيتم الاتفاق عليه إلى اللجنة الإعلامية المساندة للإضراب.

ويقرأ الأسير السابق والباحث المختص بشؤون الأسرى «عبد الناصر فروانة» في هذا الشرط الإسرائيلي رضوخ إدارة السجن لمطالب الأسرى وإرادتهم، ومخاوفها مما سينشر لكونه سيضعها بموضع المهزوم أمام الرأي العام الإسرائيلي، لذلك «هي تسعى إلى تقليل أهمية ما حققه الأسرى، وتصر عبر إعلامها أنها انتصرت ولم ترضخ لإرادة الأسرى، ولم تلبِ مطالبهم، بغية بث الإحباط لدى الفلسطينيين وإيصال رسالة لهم أن خيار المقاومة المتمثل بالإضراب عن الطعام غير مجدٍ، ولا يجب اللجوء إليه لاحقًا»، حسب فروانة.

يتفهم «فروانة» الموقف الإسرائيلي السابق كما يقول، لكنه يرى تقليل حجم هذا الانتصار من قبل «أبناء شعبنا» كما يسميهم أمرًا غير مفهوم، ويفسر ذلك لـ«ساسة بوست» بالقول: «للأسف، هناك من يقلِّل من حجم الانتصار لأنه لم يشارك أصلًا في المعركة ضد السجان لأسباب مختلفة، وبالتالي لا يريد لهؤلاء الذين خاضوا الإضراب أن يسجلوا انتصارًا باسمهم»، ولا يستثني «فروانة» الفريق الذي راهن على انكسار الأسرى وفشل إضرابهم، ويرى أن هذا الفريق: «فوجئ باستمرار الإضراب وتماسك قيادته وعناصره، وبالانتصار الذي تحقق بعد 41 يومًا، فحاول أن يقلل من أهميته لإفقاد الانتصار مضمونه». 

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة «هاني البسوس» أنه بشكلٍ لا يدع مجالًا للشك، فإن السلطة الفلسطينية والفصائل خذلت الأسرى، وهو ما أسفر عن عدم تلبية كل مطالبهم، فبعد إضرابٍ أسطوري لم تلبِ قوات الاحتلال الإسرائيلي كل المطالب وتم تعليق بعضها.

ويبرر البسوس ذلك، بكون إسرائيل لم تجد نفسها تحت الضغط الفلسطيني، لا شعبيًّا ولا فصائليًّا ولا على مستوى التنسيق مع السلطة الفلسطينية، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «الصفقة تمت بالحد الأدنى من المطالب، نتيجة ترك الأسرى وحدهم في المعركة، وعدم قيام الجهات الفلسطينية والحقوقية بما يلزم».

ويرجع «البسوس» التكتيم الذي تبع تعليق الإضراب إلى أنه جاء في الغالب لعدم إحراج السلطة الفلسطينية، لكنه يؤكد أنَّ: «أحد نجاحات هذا الإضراب، أنه أعاد شخص مروان البرغوثي للواجهة السياسية، خاصة بعد انتخابات حركة فتح الداخلية وعدم إعطاء البرغوثي منصب نائب رئيس الحركة، رغم فوزه بالمنصب في تلك الانتخابات». يذكر أن إضراب الأسرى لم يحظَ بأيّ دعم ٍرسميٍّ سياسيّ من قبل سلطة، وهو ما دفع زوجة «مروان البرغوثي» لاتهام «أطراف داخل حركة (فتح) والسلطة الفلسطينية بالقيام بتحرّكات سياسية لإجهاض الإضراب».

معركة الأسرى مع (فتح) تبدأ خارج السجون

منذ بداية إضراب الأسرى، أعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي «جلعاد إردان» أنه لن يتفاوض مع الأسرى، وقال إنه سيتركهم يموتون، لكنه في النهاية خضع لإرادة الأسرى واضطر أن يستجيب لرأي الأجهزة الأمنية ومصلحة السجون، فأنجر اتفاق فك الإضراب.

يصف المحلل السياسي الملمّ بالشأن الإسرائيلي «فايز أبو شمالة» ما سبق بأنه «موقف نضالي للأسرى كسر عنجهية جلعاد إردان»، ويفسر ذلك بأن الموقف الإسرائيلي الذي تعوَّد أن يُظهر نفسه بمظهر القوي، لا يريد أن يعترف بالانكسار والتراجع أمام صمود الأسرى، ويشير «أبو شمالة» إلى أنه نتيجة ذلك جرى التنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية، وبالتعاون مع رئيس السلطة «لإخراج نتائج الإضراب وفق تصوُّر القيادتين، بحيث لا تترك مجالاً للأسرى للتفاخر بالنصر»، حسب «أبو شمالة»، ويتابع القول: «كان الإضراب ضد القرار السياسي الفلسطيني قبل أن يكون ضد الممارسات الإسرائيلية، والقيادة الفلسطينية لا تريد للأسرى أن يظهروا بمظهر القوة والتنظيم الذي يؤثر في حضور القيادة داخل الشارع».

ويوضح «أبو شمالة» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن معركة إضراب الأسرى عن الطعام انتهت داخل السجون الإسرائيلية لتبدأ خارج السجن، مشيرًا إلى أنّ: «هذه المعركة ولدت كمًّا من الأحقاد والكراهية لن يمرَّ بسهولةٍ على حركة فتح، التي ستشهد فرزًا قويًّا بين من هم مع الأسرى، وبين من هم مع المقاطعة والتنسيق الأمني مع المستوطنين».

يستنتج «أبو شمالة» أن تشهد المرحلة القادمة كثيرًا من التجاذبات السياسية، والتنافس على الشارع الذي بايع الأسرى وعلى رأسهم مروان البرغوثي بالقيادة، وهو الأمر الذي أقلق المستوى السياسي الفلسطيني الذي بدأ يشعر باستخفاف الشارع بموقف القيادة. ويعتبر «أبو شمالة» أنّ مبدأ تسخيف إنجازات الأسرى سياسة مدروسة تريد أن تقول للمواطن الفلسطيني، إن خط المواجهة مع إسرائيل بلا جدوى، ولا سبيل أمام الفلسطينيين إلا التوسل والرجاء.

رغم محاولة التقويض.. إسرائيل تقرُّ بانتصار «البرغوثي»

أصر قائد الإضراب الأسير «مروان البرغوثي»، على عدم تعليق إضرابه عن الطعام حتى ضمان عودة الأسرى المضربين إلى سجونهم، وضمان عدم فرض أية عقوبات عليهم، وقد تمَّ تلبية هذا الطلب، أما الطلب الآخر الذي لم يصل رد إسرائيلي عليه فهو طلبه لقاء الفصائل الفلسطينية ليضعهم في صورة ما حدث، ولذلك قال رئيس نادي الأسير «قدورة فارس»: «إنّ ما جرى هو تعليقٌ مرحليّ للإضراب وليس إنهاءه، من أجل استكمال الحوار حول باقي مطالب الأسرى مع قيادة الإضراب برئاسة مروان البرغوثي».

فيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، فإن ما خرج للعلن حتى الآن هو إقرار بأن البرغوثي انتصر في معركة الإضراب، وانتصاره يعزِّز بجدية أن يكون خليفًا محتملًا لعباس، وقد ذكرت ذلك صراحة عدة وسائل إعلام إسرائيلية، منها صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» العبرية، فجاء فيها: «بإمكان جميع الأطراف التحدُّث عن تحقيق إنجازاتٍ مهمة، ولكنّ المنتصر الرئيسي هو البرغوثي، الذي أثبت مرة أخرى أنه الشخصية المفضلة لدى الرأي العام الفلسطيني، وفي أعينهم، خلف طبيعي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن».

أمَّا موقع الإذاعة الإسرائيلية، فقد أكد أنَّ ما أسماه باستجابة إسرائيل الجزئية لمطالب الأسرى «قد تنعكس بصورةٍ إيجابية على شعبية القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي، التي ارتفعت بقوة الآن في مختلف الدوائر الفلسطينية»، أما المحلل العسكري لصحيفة (هآرتس) «عاموس هرئيل» فقد أشار إلى أن السلطات الإسرائيلية حاولت خارج جدران السجن تقويض الإضراب، خشية أن يعزز وضع كبار أسرى فتح، وخاصة زعيم الإضراب مروان البرغوثي، مضيفًا: «الإعلان عن إنهاء الإضراب قوبل بتنفُّس الصعداء في الجهاز الأمني الإسرائيلي، لأنّ إنهاء الإضراب مع بداية شهر رمضان يزيل الخطر الكبير من إمكانية أن تتعقد الأزمة في حال وفاة أحد الأسرى المضربين، أو محاولة إسرائيل تغذية الأسرى قسرًا».

من جانبه، يؤكد «محمد اشتيوي» أستاذ العلوم السياسية والإعلام بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، أنّ إسرائيل تقلِّل من انتصار الأسرى بعد فكّ الإضراب؛ لأنَّها تريد الظهور كمحققة لانتصار على الأسرى، وأنها نجحت في إجهاض إضرابهم ولم تقدم لهم شيئًا، وهي بذلك خرجت دون خسائر معنوية تؤثر في سمعتها على المستوى الدولي.

ويرى «اشتيوي» أن إسرائيل تريد إظهار مروان البرغوثي الذي قاد الإضراب بأنه شخص لديه سجل سيئ معها، وأنَّها لن تسمح له بتحقيق أي انتصار، بل العكس تحرص على أن تظهر أنها هي من حققت نصرًا عليه، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «هناك من يقلِّل من انتصار الأسرى من الداخل، إنَّه التيار الفلسطيني الذي لا يريد لمروان البرغوثي تحقيق أيَّ انتصار لأن ذلك يتناقض مع مصالحهم». 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


موقع الخدمات البحثية